وزادت مكانته إثر ذلك. وفي القصيدة البالغ عدد أبياتها 1344، المعروفة باسم «جزاء الشكور» المكتوبة في أوائل القرن العشرين باللغة الولوفية على يد «موسى كا» أحد أتباع مباكي، نجد قصص المعجزات القديمة - التي رأيناها تتكون في السابق من خلال النوع الأدبي العربي المعروف باسم «مناقب الأولياء» - تستخدم في سياق أفريقي استعماري جديد للحديث عن مباكي.
55
ومثلما انتشرت في الهند البريطانية شائعات عن هروب الصوفيين على نحو إعجازي من أماكن احتجازهم الاستعمارية، فقد تحولت أخبار سجن مباكي إلى قصص، مثل قصة إثارته غضب الحراس عندما قفز من أعلى ظهر السفينة التي كان محتجزا فيها ليؤدي الصلاة على سجادة كانت تطفو على الأمواج، أو قصة احتسائه الشاي بعفوية أثناء وجوده في الفرن المشتعل الذي ألقاه فيه الفرنسيون الأشرار.
56
إلا أن قصة مباكي لم تكن فقط قصة عن المقاومة المنطوية على معجزات، بل كانت أيضا قصة تنطوي على توافق براجماتي استفاد فيه هو وسجانه من مزايا التعاون مع الحكام الفرنسيين؛ فبعد أن عاد مباكي من منفاه عام 1912، قاد أتباعه في الطريقة المريدية من أجل تأسيس مركز ديني في الداخل السنغالي في مدينة توبا، وهي مدينة جديدة اكتسبت الثراء من خلال زراعة الفول السوداني وتصديره عبر السكك الحديدية التي ربطت المزارع باقتصاد الاستعمار الفرنسي.
57
لم تكن هذه استراتيجية بسيطة للإثراء الذاتي، بل مشروعا يضع المثل الصوفية في صورة عملية، وتضمنت هذه العملية حتما بعض التسوية، وتمثلت النتيجة العامة في تقديم مباكي بديلا جذابا ل «مهمة التمدين» الفرنسية؛ ففي الوقت الذي سمح فيه الفرنسيون للزعماء المحليين، الذين تحكموا من خلالهم في الريف، بالاستمرار في الاحتفاظ بالعبيد، قدم المجتمع الريفي الذي أسسه مباكي في مدينة توبا ملاذا للعبيد الهاربين؛ وبهذه الطريقة قدم بديلا دينيا جديدا وعمليا لنماذج الحكم المحلي والاستعماري.
58
شكل 4-2: متمرد وولي: صورة فوتوغرافية تعود لعهد الاستعمار الفرنسي لأحمدو بامبا السنغالي. (2-3) الإمبراطورية الروسية
يمكن أن نرى أنماطا مشابهة في تاريخ الصوفيين في الإمبراطورية الروسية؛ ففي الفترة نفسها التي كان يواجه فيها الفرنسيون في الجزائر تمرد عبد القادر الجزائري، شهد التوسع الروسي في القوقاز في عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر مقاومة شرسة من الأتباع النقشبنديين للإمام غازي محمد الغيمراوي (تقريبا 1795-1832)، والإمام شامل الداغستاني (1797-1871). ومثل عبد القادر الجزائري في شمال أفريقيا، فإن قائدي المقاومة القوقازية لم يكونا من أبناء المؤسسة الصوفية الدينية ذات النفوذ في وطنهم الجبلي، وبعد أن جذبا الأتباع عن طريق نجاحهم السابق في منع تقدم الروس والتحكم في إحباطات وطاقات شباب الوديان، تمكنا من تأسيس دولة جهاد قصيرة الأجل ازدهرت في الفترة ما بين عامي 1828 و1859 على أطراف الإمبراطورية الروسية. وباستخدام النظام الهرمي الخاص بالطريقة الصوفية أسس الإمام شامل نظام إدارة ناجحا، يقوم على تفويض السلطة المعروف لستة عشر نائبا خصصت لهم السيطرة على المناطق الأربع التي قسمت إليها الدولة الجبلية الصوفية.
ناپیژندل شوی مخ