وهكذا ينتقد اسپينوزا ما يسميه بالاتجاه العامي إلى استخدام التشبيه بالإنسان في الأمور الدينية؛ فيعبر منذ مقدمة «البحث اللاهوتي السياسي» عن استنكاره لمحاولة الناس دفع الشر بالقرابين أو الصلوات، وتفسير الكوارث على أنها غضب من الآلهة. ويؤكد أن معرفة الإنسان بالقوانين الطبيعية الشاملة كفيلة بتجنيبه مثل هذه الأخطاء: لأن الخرافة في رأيه ليست إلا وليدة الجهل والخوف.
35
وهو يحمل على الرأي القائل إن القدرة الإلهية تتمثل في خروج الطبيعة عن مجراها المنتظم، كما هي الحال في المعجزات. ويرى أن نسبة هذه الحوادث إلى القدرة الإلهية راجعة إلى الجهل بقوانينها فحسب؛ فالقول بالمعجزات ينطوي ضمنا على الاعتقاد بوجود قوتين: الله والطبيعة، وبأن كلا من القوتين تعمل عندما تتوقف الأخرى عن العمل؛ فقدرة الله تظهر عندما تسكت الطبيعة، وقدرة الطبيعة تظهر عندما تسكت القدرة الإلهية،
36
فكيف يوفق أصحاب هذا الرأي بينه وبين الاعتقاد الذي يسلمون به حتما، وهو أن الله خالق الطبيعة والمسيطر على مجراها؟ إن هذا الاعتقاد الأخير معناه أن أي شيء يحدث في الطبيعة ويكون فيه خروج عن قوانينها الشاملة، يكون فيه بالضرورة خروج عن الأمر الإلهي والطبيعة والفهم، فكل من يؤكد أن الله يسلك على نحو مخالف لقوانين الطبيعة، يتحتم عليه في الوقت ذاته أن يؤكد أن الله يسلك على نحو مخالف لطبيعته هو - وهذا أمر واضح الامتناع.
37
ويقدم اسپينوزا لهذا الاعتقاد بالمعجزات تعليلا يستحق أن يقتبس هنا بأكمله: «فيبدو أن هذه الفكرة قد نشأت بين اليهود الأوائل، الذين رأوا غير اليهود من حولهم يعبدون آلهة منظورة، كالشمس والقمر والأرض والماء والهواء ... إلخ. ولما كانوا يريدون إقناعهم بأن هذه الآلهة ضعيفة زائلة أو متغيرة؛ فقد رووا لهم كيف أنهم يخضعون هم أنفسهم لإله غير منظور، وقصوا عليهم معجزاته، محاولين بذلك زيادة تأكيد فكرتهم القائلة إن الإله الذي يعبدونه قد نظم الطبيعة بأسرها لصالحهم. وهذه فكرة مرضية للبشر إلى حد أن الناس ما زالوا حتى اليوم يتخيلون معجزات حتى يقنعوا أنفسهم بأنهم هم المختارون عند الله، وهم العلة الغائية التي خلق الله من أجلها كل الأشياء ووجهها في سبيلها، فيا لتلك الادعاءات التي يسوقها الناس حين يغلبهم الحمق! إن هؤلاء قوم ليست لديهم فكرة صحيحة واحدة عن الله أو الطبيعة، وهم يخلطون الأوامر الإلهية والأوامر البشرية، ويتصورون أن الطبيعة محدودة إلى درجة أن الإنسان يكون الجزء الرئيسي فيها!»
38
ويفسر اسپينوزا قصة آدم وحواء، كما رواها موسى، على أنها أسطورة ذات فائدة عملية فحسب،
39
ناپیژندل شوی مخ