واستدارت لتخرج ولحظ سانين تحجر وجهها وصلابة نظرتها فقال لنفسه: «ها هنا دجاجة عتيقة لك يا سارودين!» وطوى الرسالة التي كان يكتب وتبعها ليرى على أي حال ينتهي الأمر.
وبالغ سارودين وفلوتشين في تحيتها ولكن سارودين فقد سلاسة شمائله، وقلق فلوتشين قليلا إذ كان قد جاء لغرض واحد هو أن يرى ليدا فاضطر أن يكتم غايته.
وبدا الاضطراب على سارودين على رغم تكلفه، وأحس أنه لم يكن يجمل به أن يأتي، وأشفق من لقاء ليدا، ولكنه لم يكن يحب أن يطلع فلوتشين على هذا السر إذ كان يريد أن يظهر أمامه في مظهر الفاتك اللهج فقال وتصنع الابتسام: «عزيزتي ماريا إيفانوفنا. اسمحي لي أن أقدم إليك صديقي بول فلوتشين.»
فقالت ماريا بأدب جاف: «مسرورة» ولمح سارودين جفوة النظرة التي في عينيها فاضطرب وأدرك أنه لم يكن ينبغي له أن يحضر بعد أن كان قد غفل عن هذا في حضرة صديقه، وقد تدخل ليدا في أي لحظة - ليدا أم طفله - فماذا يقول لها! كيف يواجهها؟ وربما كانت أمها على علم بما وقع بينهما! فاضطرب في كرسيه وأشعل سيجارة وهز كتفيه وحرك رجليه وتلفت يمينا وشمالا.
فقالت ماريا لصاحبه بصوت بارد متكلف: «هل تطول إقامتك هنا؟»
فقال «كلا!» وجعل ينظر إلى هذه السيدة الريفية نظرة الارتياح والرضى عن النفس وزج سيجارته في زاوية فمه، فكان الدخان يصعد إلى وجهها مباشرة فقالت: «لا شك أن الحياة هنا مملة بعد بطرسبرج.»
قال: «إنها على العكس لذيذة في هذه البلدة الصغيرة.»
قالت: «يحسن أن تزور الجهات المجاورة فإنها متنزهات بهيجة وفيها أماكن للسياحة والتجديف.»
فقال فلوتشين وبدأ يسأم: «بالطبع يا سيدتي بالطبع.»
وتعثر الحديث وصاروا جميعا كأنما على وجوههم صور مستعارة باسمة تخفي تحتها عيونا متعادية. ونظر فلوتشين عن عرض إلى سارودين نظرة لا سبيل إلى الخطأ في فهم مدلولها، ولم تفت سانين دلالتها، وكان يرقب كل شيء من الركن الذي وقف فيه.
ناپیژندل شوی مخ