بالرغم من أن هذه الكائنات الأولية كانت تتشابه في طبيعتها المادية والذهنية على نحو غريب مع الكائنات الأولية الدقيقة التي كانت تعيش على الكواكب، فقد كانت تختلف عنها اختلافا بارزا في الوقت نفسه؛ أو لنقل على الأقل إنها كانت تتميز بسمة، حتى أنا، العقل الكوني البدائي، قد أغفلتها في الكائنات الدقيقة. وقد كانت تلك السمة هي نوع من الإرادة أو الرغبة التي لا يمكن أن أصفها إلا بالاستعارات العرجاء.
بالرغم من أن هذه الكائنات كانت في أفضل أحوالها بسيطة للغاية من الناحيتين الفيزيائية والفكرية، فقد كانت تتمتع بهبة أجد نفسي مضطرا إلى وصفها بأنها وعي ديني بدائي لكنه قوي. لقد كانت تحكم هذه الكائنات رغبتان كلتاهما دينية الجوهر. كانت ترغب في الاتحاد بعضها مع بعض، أو تشعر بالأحرى بدافع أعمى تجاه ذلك، وكانت تشعر أيضا بتوق قوي أعمى إلى أن تجتمع مرة أخرى في المصدر الذي جاءت منه.
كان الكون الذي تسكنه بالطبع بسيطا للغاية، بل كون قد أصابه الفقر. وقد كان صغيرا أيضا للغاية بالنسبة إليها. كان كل سديم منها يرى أن الكون يتألف من شيئين هما: جسد السديم نفسه، الذي كان عديم الملامح، وأجساد السدم الأخرى. في هذه المرحلة المبكرة للغاية من الكون، كانت السدم توجد على مقربة كبيرة بعضها من بعض؛ إذ كان حجم الكون في هذه المرحلة صغيرا بالنسبة إلى أجزائه، سواء أكانت السدم أو الإلكترونات. السدم التي قد صارت في عصر الإنسان في حجم الطيور في السماء على أكثر تقدير، كانت مقيدة في ذلك العصر وكأنها داخل قفص ضيق؛ ولهذا فقد كان لكل منها تأثير بارز على رفاقه. ومع زيادة التنظيم وتماسك الوحدة المادية في كل منها، صارت تميز بصورة أسرع بين نمطها الموجي الأصلي وبين الأنماط الشاذة التي يفرضها جيرانها على ذلك النمط. ومن خلال نزعة قد غرست فيها عند انبثاقها من الغيمة السلف المشتركة، كان تفسيرها لهذا التأثير هو أن ثمة وجودا لسدم أخرى عاقلة.
وبهذا، فقد كان بعض السدم في أوجه يدرك وجود بعضها بوصفها كائنات منفصلة، وقد كان هذا الإدراك قويا للغاية وإن كان مبهما. لقد كان بعضها يدرك وجود بعض، لكن تواصلهما معا كان شحيحا وبطيئا للغاية. ومثلما يعبر بعض السجناء المحبوسين في زنازين منفصلة لبعض السجناء الآخرين عن شعور الرفقة بالطرق على جدران زنازينهم، حتى إنهم قد يتوصلون مع الوقت إلى نظام أولي للإشارات، فقد كانت السدم تعبر عن علاقتها بعضها ببعض بممارسة ضغط الجاذبية لبعضها على بعض، أو عن طريق إصدار النبضات الطويلة الأمد من ضوئها. حتى في المرحلة المبكرة من وجود السدم، حين كان بعضها قريبا للغاية من بعض، كانت الرسالة تستغرق آلاف الأعوام كي تشكل نفسها من البداية إلى النهاية، وملايين الأعوام كي تصل إلى وجهتها. وحين كانت السدم في أوجها، كان صدى حديثها يتردد في الكون بأكمله.
في أولى المراحل على الإطلاق، حين كانت هذه الكائنات الضخمة ما تزال قريبة جدا بعضها من بعض وغير ناضجة في الوقت نفسه، لم تكن مناقشاتها تعنى بأي شيء سوى محاولة أن تكشف عن وجودها بعضها لبعض. وبجزل طفولي، راحت تتواصل بجهد لتعبر عن فرحتها بالحياة، ورغباتها الملحة وآلامها ونزواتها وسماتها الخاصة المميزة ورغبتها المشتركة في الاتحاد من جديد، والتوحد، مثلما كان يقول البشر أحيانا، في الإله.
بالرغم من ذلك، فحتى في هذه الأيام المبكرة، حين لم يكن قد نضج من السدم سوى عدد قليل، ولم يكن معظمها يتمتع بالوضوح الذهني، صار من الجلي للأكثر تيقظا منها أنها لا تقترب من الاتحاد على الإطلاق بل تتباعد على نحو منتظم. ومع ضعف التأثير الفيزيائي الذي يبذله أحدها على الآخر، صار كل سديم يشعر بأن رفاقه يتضاءلون مبتعدين عنه. وصارت الرسائل تستغرق وقتا أطول في الوصول ووقتا أطول من ذلك للحصول على الردود.
لو أن السدم تمكنت من التواصل التخاطري، لربما واجهت «تمدد» الكون دون يأس. غير أن هذه الكائنات كانت بسيطة للغاية على ما يبدو بدرجة لا تسمح لها بأن تقوم بتواصل ذهني مباشر وواضح بعضها مع بعض؛ ومن ثم فقد وجدت أن مصيرها إلى الانفصال. ونظرا لأن إيقاع حياتها بطيء للغاية، فقد بدا لها أنها لم تكد يجد بعضها بعضا حتى كان عليها أن تفترق. وبمرارة قد أسفت على عمى طفولتها؛ ذلك أنها حين بلغت مرحلة النضوج، لم تدرك عاطفة السعادة المشتركة التي ندعوها بالحب فحسب، بل أدركت جميعها أن الاتحاد الذهني أحدها مع الآخر هو الطريق إلى الاتحاد مع المصدر الذي جاءت منه.
وحين صار من الجلي أن الانفصال حتمي لا بد منه، حين كان الترابط الصعب المنال بين هذه الكائنات البسيطة يفشل بالفعل بسبب الصعوبات المتزايدة في التواصل ، وكانت السدم الأكثر بعدا تنفصل بالفعل بعضها عن بعض بسرعة كبيرة، اضطر كل منها بمقتضى الظروف أن يستعد لمواجهة لغز الوجود في عزلة مطلقة.
جاء من بعد ذلك دهر، أو بالأحرى فترة قصيرة بالنسبة إلى هذه الكائنات التي تعيش ببطء، قد سعت فيه (من خلال ضبط النفس فيما يتعلق بجسدها وكذلك من خلال الانضباط الروحاني) إلى العثور على الاستنارة الفائقة التي يجب على الكائنات المتيقظة كلها أن تسعى إليها.
بالرغم من ذلك، فقد ظهرت الآن مشكلة جديدة. اشتكت بعض السدم الأقدم من مرض غريب كان يعيق من تأملاتها بدرجة كبيرة. كانت الأهداب الخارجية في أجسداها الرقيقة قد بدأت تتكثف إلى عقد صغيرة صارت بمرور الوقت حبات من النيران الشديدة المحتقنة. وفي الفراغ البيني، لم يكن هناك من شيء سوى القليل من الذرات الضالة. في البداية، لم تكن الشكوى خطيرة، وكانت أشبه بطفح بسيط على البشرة البشرية، غير أنها قد امتدت بمرور الوقت إلى الأنسجة العميقة في السديم وصحبتها مشكلات ذهنية خطيرة. وعبثا قررت هذه الكائنات المحكوم عليها بالهلاك أن تستفيد من هذا الوباء لمصلحتها بالتعامل معه على أنه اختبار للروح قد أرسلته السماء. وبالرغم من أنها قد تمكنت لبعض الوقت من السيطرة على الوباء من خلال الاستهانة به على نحو بطولي، فإن آثاره المخربة قد أوهنت من عزيمتها في نهاية المطاف. والآن قد اتضح لها أن الكون مكان يقوم على العبث والهلع.
ناپیژندل شوی مخ