قالها بنبرة من الأسى الواضح، بينما ظل الأول ينظر إليه نظرة تحمل الكثير من المعاني لدرجة أنه لا يمكنك تمييز ما تعنيه بالتحديد. صمت الأول لبرهة ثم قال بنبرة معاتبة: طلقت فريدة؟!
فهم الأول مغزى تلك العبارة فواجهه محدقا في عينيه ثم قال ببرود: وأنت، تركت فريدة وهربت؟
صحراء
كل ما هو غير مرئي أسفل مشهد الصحراء الباهت الظاهر للعيان هو ذاته ما يربط جميع الكائنات بتلك الأرض، كان كل ما يجعل تلك الصحراء وطنا للجميع مختفيا تحت سطحها المرئي، لا تدركه الأبصار؛ فالشجر تضرب جذوره المتشعبة في عمق الرمال كأنما يغرس كيانه داخل الأرض، ليس فقط بحثا عن الماء الشحيح أو عن الدفء، بل بحثا عن الأمان، وتشبثا برفات أسلاف سبقوا في ذات المكان ولم يعد يتبقى منهم إلا ذرات مدفونة في أعماق الرمال تحمل رائحتهم وتبعث الطمأنينة في كيان الأحياء. كان الشجر يمد جذوره في أرضه عميقة قدر المستطاع، يكاد يصل بجذوره إلى نواة الأرض بحثا عن هويته وعن رائحة أسلافه. وكانت الزواحف تحفر جحورها في باطن الأرض بحثا عن المأوى الذي لم تجده على السطح حيث كل شيء معرض للانجراف مع تيارات الهواء. كان السبيل الوحيد للأمان والاستقرار مدفونا في عمق الأرض. كانت تلك الأرض - وإن رآها من لا يعرفها قاسية جدباء - هي الملاذ والأمان للجميع، كانت مصدر الخير والحياة للجميع، وكان في باطنها كذلك هوية وذاكرة الجميع.
الفصل الثالث
يوليو 2018م
كانا الآن جالسين على أرضية العربة متقابلين، مجاورين للباب ومستندين بكتفيهما إليه، كانا منفصلين تماما عن العالم الصاخب حولهما، لا يسمعان ضجيج العجلات ولا يشمان رائحة دخان التبغ، ولم يكن يلحظهما أحد كذلك. ظل الكثيرون من المدخنين يجيئون، يختطفون دقائق عابرة مع سجائرهم في صمت، ينفثون دخانها في الهواء ويحملقون بلا اكتراث في التكوينات التي يصنعها الدخان في الهواء ثم يغادرون عائدين إلى الداخل دون أن ينتبه أي منهم إلى الشخصين - أو إلى النسختين من نفس الشخص - الجالسين على الأرض بجانب باب العربة يحدقان في بعضهما البعض أكثر مما يتبادلان الكلمات. لم يلحظ أي من أولئك العابرين الشبه بينهما؛ ربما لاختلاف هيئتهما، أو ربما لأنه ببساطة لم يكن أي من المدخنين العابرين ليشغل نفسه بمقارنة وجوه مسافرين لا يعرفهم في مساحة تدخين ضيقة بين عربات قطار سريع.
كان حديثهما قد تحول إلى ما يشبه الدردشة بين صديقين قديمين التقيا بالمصادفة، كان كل منهما يبحث عند الآخر عن إجابات لأسئلة تخصه هو. قال الأول وهو لم يزل محدقا في وجه الثاني في محاولة دءوبة لاستكشاف شيء ما: ألا زلت تسمع المديح؟
ابتسم الثاني وقد لمعت عيناه من أثر دفقة الذكريات المفاجئة تلك وأجاب بنبرة فيها بعض الحماس: ليس كما كنت في الماضي، لكن نعم طبعا ما زلت. الحمد لله على نعمة الإنترنت على أي حال؛ أجد فيه كنوزا بالمصادفة من آن لآخر. هل تذكر أيام زمان؟ كان أحدنا يدور بالشهور هنا وهناك بحثا عن شريط عليه تسجيل ليلة أو حفل!
أجاب الأول مبتسما وقد سرح ببصره إلى السماء التي يراها من النافذة الزجاجية في أعلى الباب المقابل: هل تذكر شريط الشيخ التوني الذي سافرت أنا وشاذلي خصيصا لنحضره من قريبه ذاك في المدينة الجامعية بالمنصورة؟ يا إلهي! أين يا ترى هذا الشريط الآن؟
ناپیژندل شوی مخ