Repentance to Allah
التوبة إلى الله
خپرندوی
دار بلنسية للنشر والتوزيع
شمېره چاپونه
الرابعة
د چاپ کال
١٤١٦ هـ
د خپرونکي ځای
الرياض - المملكة العربية السعودية
مقدمة الطبعة الرابعة
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وسيد الأنبياء والمرسلين. أما بعد:
فإن رسالة «التوبة إلى الله» التي ألفتها عام ١٤٠٦هـ قد يسر الله نفعها وقبولها فكانت محل قبول لدى قُرائها، وطبعت ثلاث مرات.
ولما نفدت الطبعة الثالثة أعدتُ النظر فيها لإعدادها للطبعة الرابعة، فأضفتُ بعض النصوص والأدلة من الكتاب والسنة، وبعض التعليقات المختصرة، وها هي تقدم اليوم في طبعتها الرابعة.
أسأل الله أن ينفع بها كما نفع بسابقاتها، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
حرر في ٢٩/ ٣/١٤١٦هـ
أ. د. صالح بن غانم السدلان
بمدينة الرياض
* * *
1 / 5
المقدمة
الحمد لله، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير.
والصلاة والسلام على رسول الله، مُعلَّمِ الإنسانية، ومرشدها وهاديها إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد:
فإن الأمور إذا استحكمت وتعقدت حبالها، وترادفت المعاصي وطال ليلُها وانزلق المسلم إلى ذنب، وشعر بأنه باعد بينه وبين ربه، فإن الطهور الذي يعيد إليه نقاءه ويرد إليه ضياءه ويلفه في ستار الغفران والرضا أن يجنح إلى التوبة؛ لأنها النور الذي يشع للمسلم ليعصمه من التخبط، وهي الهداية الواقية من اليأس والقنوط، وهي الينبوع الفياض لكل خير وسعادة في هذه الدار وفي دار القرار.
وهي اسم جامع لشرائع الإسلام وحقائق الإيمان، لأن المعاصي بمنزلة السموم المهلكة وارتكاب الآثام سبيل
1 / 7
السقوط والإهانة، ومزلقة إلى العقاب في الدنيا والآخرة، وهذا المخلوق البشري بحكم ما رُكّب فيه من ميول وغرائز تسول له نفسه الأمارة بالسوء أحيانًا إلى درك المعصية وتهيج به فورة اللحم والدم، فينزو نزوات الحيوان في حمى الشهوة.
وليست التوبة في الإسلام مسلكًا وعرًا لا يصل إليها مبتغيها إلا بعد تعب ومشقة، أو اعتراف أمام أحد غير الله تعالى، بل إنها سهلة وميسرة، فبابها مفتوح في كل لحظة يطرقه من يشاء ليستغفر ويتطهر، لا يطرده من رحمة الله طارد، ولا يقوم بينه وبين ربه وسيط مهما أسرف على نفسه؛ قال الله - تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
فمن أرد الرجوع إلى الطريق المستقيم فلا عليه إلا أن يُبادر بالتوبة ويقلع عن الذنوب من قبل أن يأتي يوم يحال فيه بينه وبينها، فيتحسر على ما فرط، ويضيق ذرعًا بما وصل إليه من واقع مرير، ويندم ولات ساعة مَنْدَم؛ فليشمر المسلم عن ساعد الجد، وليتب إلى الله بلسانه ويعزم بقلبه، محققًا مدلول التوبة بالإيمان والعمل
1 / 8
الصالح، علَّ الله يقبل عثرته، ويقبل أوبته، ويغفر ذنبه، فيأخذ طريقه على هدى من الإيمان والعمل الصالح، وينظمه الله في سلك عباده المهتدين، مصداقًا لقوله - سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢].
اللهم إنا نسألك أن توفقنا للتوبة والإنابة، وأن تفتح لأدعيتنا أبواب الإجابة، وأن تذيقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك يا أرحم الراحمين.
* * *
1 / 9
تعريف التوبة
التوبة لغة:
التَّوبَةُ: بفتح التاء وسكون الواو - مأخوذة من «تَوَبَ» التاء والواء والباء كلمة واحدة تدل على الرجوع، يقال تاب وأناب إذا رجع عن ذنبه (١).
والتوبة: هي الرجوع إلى الله، بحل عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بكل حقوق الرب ﷾.
والتَّوْبُ والتَّوْبَةُ معناهما واحد، والمراد: ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار.
والتوبة في الشرع:
ترك الذنب مخافة الله، واستشعار قبحه، وندم على المعصية من حيث هي معصية، والعزيمة على ألا يعود إليها إذا قدر عليها، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة.
* * *
(١) «معجم مقاييس اللغة» لابن فارس، ج١/ ٣٥٧.
1 / 10
حقيقة التوبة
التوبة شعور وجداني بالندم على ما وقع، وتوجه إلى الله فيما بقي، وكف عن الذنب، وعمل صالح يحقق التوبة بالفعل، كما يحققها الكف بالترك؛ فهي فعل وجودي يتضمن إقبال التائب على ربه وإنابته إليه، والتزام طاعته؛ فمن ترك الذنب تركًا مجردًا ولم يرجع منه إلى ما يحبه الله - تعالى - لم يكن تائبًا إلا إذا رجع وأقبل وأناب إلى الله ﷿ وحل عقد الإصرار وأثبت معنى التوبة في الجنان قبل التلفظ باللسان، وأدام الفكر فيما ذكره الله - تعالى - من تفاصيل الجنة، ووعد به المطيعين، وما وصفه من عذاب النار وتوعد به العاصين، وواظب على ذلك حتى يقوى خوفه ورجاؤه، فيدعو الله - تعالى - رغبًا ورهبًا أن يقبل توبته، ويغسل حوبته، ويحط عنه خطاياه، وبهذا يكون قد حقق مدلول التوبة بالرجوع عما يكرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه؛ بأن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضَّرع، ويندم بقلبه ويستغفر بلسانه، ويمسك ببدنه،
1 / 11
ويتقي الله - تعالى - ويعمل بطاعته على نور منه يرجو ثوابه ويخاف عقابه، ويرغب إلى خالقه وفاطره أن يقي نفسه شرها، وأن يؤتيها تقواها ويزكيها فهو خير من زكاها، فإنه ربها ومولاها، وألا يكله إلى نفسه طرفة عين.
«نعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا»
1 / 12
من معاني التوبة في القرآن الكريم
ورد لفظ التوبة في القرآن الكريم دالًا على معان عدة منها:
١ - التوبة بمعنى الندم:
ومنه قوله - تعالى -: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤].
وقوله - تعالى -: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
٢ - التوبة بمعنى التجاوز:
ومنه قوله - تعالى -: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧]، أي تجاوز عنهم.
وقوله - تعالى -: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣].
٣ - التوبة بمعنى الرجوع عن الشيء:
ومنه قوله - تعالى - على لسان موسى ﵇: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي رجعت عن سؤالي الرؤية.
1 / 13
فضل التوبة إلى الله
أمر الله - سبحانه - بالتوبة فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
ووعد بالقبول عليها، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥].
وفتح لعباده أبواب الرجاء في عفوه ومغفرته، وأمرهم أن يلجؤوا إلى ساحات كرمه وجوده، طالبين تكفير السيئات وستر العورات، وقبول توبتهم، لا يطردهم من رحمة الله طارد، ولا يوصد بينهم وبين الله باب.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
فمن تاب واستغفر تاب الله عليه؛ قال - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
وقد أثنى الله على عباده المتقين المداومين على
1 / 14
الاستغفار، فقال - تعالى -: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦، ١٧].
والتائب من ذنبه محل رعاية الله وأهلٌ لحفظه ورحمته، يغدق عليه من بركاته، ويمتعه بسعة الرزق ورغد العيش في الدنيا، وينعم عليه بالثواب العظيم والنعيم المقيم في الآخرة؛ قال تعالى في ثواب التائبين إليه: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾
[آل عمران: ١٣٦].
ثم إن الاستغفار مع الإقلاع عن الذنوب سبب للخصب والنماء، وكثرة النسل وزيادة العزة والمنعة؛ قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
ففي الإيمان رحمةٌ بالعباد، وفي الاستغفار بركات الدين والدنيا، وفي الحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل
1 / 15