التساهل لا يكون في الأمور الدينية فقط بل في كل المسائل التي تطرأ على عقول البشر، ويعمل بها الكبار والصغار عدا ما يستصوب بتمامه، ولا نستطيع أن ندخل هذا الباب دون أن طرق بابا آخر فالتساهل نجم عن التعصب وهاتان الكلمتان ضدان وهما ثانوية من ثانويات الطبيعة كالنور والظلمة والفضيلة والرذيلة والخير والشر والعدل والظلم فلولا ذاك لما كان هذا، لولا الأول لما كان الثاني، فالتعصب إذا ولد التساهل والتساهل ولد السلام والسلام ولد النجاح والنجاح ولد السعادة مثلما إبراهيم ولد إسحاق وإسحاق ولد يعقوب ويعقوب ولد يهوذا وإخوته، فالسليلة واحدة لكن الترقي يأخذ مجراه حسب سنة النشوء والارتقاء والتعصب يسبق في كل الأحوال ليستوجب التساهل؛ لأن القضيب المستقيم يكون تقويمه اعوجاجا.
ولكي يكون الشيء صريحا والبرهان جليا أجعل لكم تشبيها ثانيا، التساهل هو الابن والتعصب هو الأب ولحسن الطالع لم يوجد في العائلة البشرية برمتها أب وابن يتفقا ويتواليا في زمانهما قط إلا هذين الاثنين فالأب المتعصب يكره الابن المتساهل والابن لا يستطيع أن ينظر الأب فاستعرت بينهما نيران الفتن وحمي وطيس القتال في الأجيال المتوسطة التي يدعوها المؤرخون الأجيال المظلمة، وكان الفوز أحيانا لهذا وأحيانا لذاك حتى دخل المتحاربون القرن التاسع عشر فأخذ الابن يفوز على الأب، أخذ التساهل ينتصر على التعصب وأخيرا شق قلبه بخنجر العدل وفراه بسيف الرحمة، مات التعصب ولكن وا أسفاه! كان موته إلى حين! أي: أن روحه عند خروجها من جسمه الديني تقنصت بقوتها الأصلية الجسم السياسي.
خرجت من الجسم البشري ودخلت الجسم الحيواني، عوضا عن التعصب الديني الذي سود صفحات التاريخ في الأجيال الغابرة قد ابتلينا بأيامنا هذه بتعصب سياسي أو دولي إذا شئتم لم نر له مثيلا في تاريخ العالم بأسره، فما هذه الحروب التي تشهرها الدول الأوروبية على الشعوب الحقيرة والقبائل الضعيفة الصغيرة إلا نتيجة التعصب الدولي، نتيجة الفكر الفاسد الذي تتمسك به الدول وتعمل بموجبه، فإنكلترا تعتقد نفسها أصلح من فرنسا، وفرنسا أرفع وأعظم من جرمانيا، وجرمانيا أقوى وأحسن من الاثنين ... إلخ وإذا راقبنا حركات الدول، واطلعنا على أسرارها، ودرسنا سياستها، وكشفنا الحجاب عن خفاياها، وتأملنا الحروب العديدة التي تهدم هيكل المجتمع الإنساني؛ وقفنا منذهلين مندهشين سائلين أنفسنا السؤال المضحك: أنحن من الجيل التاسع عشر، جيل التمدن والنور، جيل المبادئ الديمقراطية والاشتراكية والرحمة المسيحية، أم نحن على باب القرن العشرين؟ أجل نحن من الجيل التاسع عشر ... قبل المسيح وليس بعده، وقد تميز هذا الجيل بالتعصب الدولي؛ ولذلك دعوت خطابي: التساهل الديني الناتج عن التعصب الديني؛ لأميزه عن التساهل السياسي. أما المبدأ الأساسي لهما فهو واحد لا يتغير منه سوى التكوين الخارج والأحوال الظاهرة.
ثم التساهل يكون إما من الدولة وإما من الشعب، وإما أن يكون طوعا واختيارا وإما كرها وجبرا. أما التساهل الدولي الديني فهو يشمل الآن الدول الأوروبية بمعاملاتها بعضها مع بعض، ولكنه لا يشمل الشعوب التي يدعوها الأوربيون متوحشة، فالدول لا تتساهل مع هؤلاء المساكين الضعفاء، بل تتساهل بعضها مع بعض؛ لأنها تضطر إلى ذلك وليس حبا بالمبدأ الشريف، فكثيرا ما نراها تشهر الحروب على القبائل الضعيفة وتدعوها حروب الإنجيل وذلك لكي يعتنق «البرابرة» الدين المسيحي كرها وجبرا. وهذا هو التعصب الدولي الديني، هذي هي الاضطهادات التي كانت تمارسها الدول الأوربية المسيحية ضد بعضها والآن تمارسها ضد «البرابرة» - كما تزعم - والبرابرة قوم يشعرون ويريدون مثلنا.
هذه هي حروب شارلمان واضطهادات الملكة حنة الإنكليزية والملك كارلوس الإفرنسي هذه هي مذبحة ليلة القديس برتلماوس، فعوضا عن حدوثها في باريز وفي الجيل السابع عشر تحدث الآن في صحاري إفريقيا وفيافي آسية وتلول السودان وفي آخر الجيل التاسع عشر، يا للعار ويا للشنار! عبثا يكتب العلماء ويندد المصلحون ويبحث الفلاسفة، عبثا أتى السيد المسيح إلى الأرض لمثل هؤلاء الاقوام.
أما بين الدول المسيحية بمعاملاتها مع بعضها فلسنا نرى للتعصب الديني أثرا فصار الكاثوليكيون بأمن وسلام في الجزائر البريطانية، والبروتستانيون يأمنون على أنفسهم في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليهود، لا خوف عليهم من الأخطار والطرد في أي بلاد حلوها - ما عدا الروسية - وصرنا نرى في مجالس الأمراء الإنكليزية اللوردة والنواب الكاثوليكيين واليهود، وفي الدولة العثمانية نرى الموظفين على اختلاف نحلهم ومذاهبهم من المسلمين والمسيحيين والدروز. فالتساهل إذا في الدولة موجود غير أنه بين الملل والشعوب المختلفة مفقود؛ لأن الكاثوليكيين في هذه البلاد الحرة كطائفة لا يحبون البروتستانيين والبروتستانيون يكرهون الكاثوليكيين، وقس على ذلك في كل الأمم لا سيما في الأمة السورية، فلو كان بوسعنا نحن السوريين كلنا لاضطهد بعضنا بعضا وشهرنا على بعضنا الحروب الدموية، ولكن الدولة لا تساعدنا على الاضطهاد الديني ورؤساء الأديان لا يستطيعون ذلك وحدهم، ولعلهم لو استطاعوا لا يترددون.
عندنا نحن شيء أقبح من الاضطهاد وأضر من الحروب، عندنا السياسة السرية والأيدي الخفية والأعمال الباطنة الشيطانية، فكل هذه المنكرات تشير إلى غرض واحد، وهي أكبر باعث على ابتعادنا وانقسامنا على بعضنا وقيامنا ضد بعضنا، فالسياسة الخفية هذه أقبح من الاضطهاد؛ لأننا بالاضطهاد نستأصل دابر من خالفنا بالمذهب فلا يبقى لنا معاند مفاخر ولا عدو مكابر.
ولكن السياسة السرية تفسد القلوب وتقتل في الإنسان كل عاطفة شريفة، السياسة هذه هي الجبن والضعف واللؤم والخيانة والغش والنفاق والأيدي التي لا تظهر مخالبها إلا في الظلمة الكالحة يدعو عليها بالكسر كل حر صادق وكل شجاع، هذه سياسة سيئة غايتها وخيمة عاقبتها، وأبناء أمة واحدة يبقون بسببها منقسمين منفردين عاجزين عن العمل مشمولين بالخمول ومكتنفين بالجهل، فيتسلط عليهم شعب آخر وأمة غريبة فيبقون أذلاء جبناء إلى ما شاء ربك، هذه سياسة لا طائل تحتها ولا نجاح وراءها، بل إن صاحبها يلقى الفشل ويبتلى بخيبة الأمل قبل أن تمتد نيران فتنته فتفضي بالأمة إلى البوار.
أيها السوريون نحن أمة لا يتجاوز عددها ثلاثة ملايين نفسا، منهم مليون متشتت في أربعة أقطار المعمور، فإذا وجد فينا خمسة عشر حزبا أو ملة فماذا يا ترى تكون عاقبة شقاقنا وانقسامنا.
ألا يكفينا الضعف الذي يشملنا بكوننا أمة صغيرة حقيرة حتى نبتلى أيضا بضعف الانقسام، وماذا تكون قوة كل حزب أو كل طائفة إذا شرعت تعمل عملا خطيرا يستغرق الوقت الطويل والسهر والكد والاجتهاد، ويستوجب تضحية المال والنفوس وخيرات البلاد.
ناپیژندل شوی مخ