الروض المعطار په خبر د اقطارو په اړه
الروض المعطار في خبر الأقطار
ایډیټر
إحسان عباس
خپرندوی
مؤسسة ناصر للثقافة-بيروت
شمېره چاپونه
الثانية
د چاپ کال
١٩٨٠ م
د خپرونکي ځای
طبع على مطابع دار السراج
وقد طارت قلوب القوم منا ... وملوا الضرب بالبيض الخفاف ولما نزل (١) سعد بهرسير، وهي المدينة الدنيا من المدائن، طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى منها، فلم يقدر على شيء، ووجدهم قد ضموا السفن، فأقاموا أيامًا يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين، ودجلة قد طما ماؤها يندفق جانباها، فبينا سعد والمسلمون كذلك إذ سمعوا ليلًا قائلًا يقول: يا معشر المسلمين، هذه المدائن قد غلقت أبوابها وغيبت السفن وقطعت الجسور فما تنتظرون، فربكم الذي يحملكم في البر هو الذي يحملكم في البحر، فندب سعد الناس إلى العبور، وأتاه قوم من العجم لهم ذمة فدلوه على موضع أقل غمرًا من موضعهم ذلك، ورأى سعد كأن خيول المسلمين اقتحمت دجلة فعبرتها وقد أقبلت من المد بأمر عظيم، فعزم لتأويل رؤياه على العبور، وفي سنة جود صيبها متتابع، فجمع الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليه معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا، فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافونه، وقد رأيت من الرأي أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصدكم الدنيا، إلا إني قد عزمت على قطع هذا البحر، فقالوا جميعًا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل، فقال: من يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم الخروج، فانتدب له عاصم بن عمرو، وانتدب معه ستمائة من أهل النجدات، فاستعمل عليهم عاصمًا فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة ثم قال: من ينتدب معي لنمنع الفراض من عدوكم حتى تعبروا فانتدب له ستون فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكور ليكون أسلس لعوم الخيل، ثم اقتحموا دجلة واقتحم بقية الستمائة على أثرهم، وقد شدوا على حزمها وألبانها وقرطوها أعنتها وشدوا عليهم أسلحتهم، فلما رأتهم الأعاجم وما صنعوا أعدوا للخيل التي تقدمت خيلًا مثلها، فاقتحموا إليهم دجلة، فلقوا عاصمًا في السرعان، وقد دنا من الفراض فقال: الرماح الرماح!! أشرعوها وتوخوا العيون، فالتقوا، فاطعنوا في الماء، وتوخى المسلمون عيونهم، فتولوا نحو البر والمسلمون يشمسون بهم خيولهم حتى ما يملكون منها شيئًا، فلحقوا بهم في البر فقتلوا عامتهم، ونجا باقيهم عورانًا، وتلاحق باقي الستمائة بأوائلهم الستين غير متعتعين وسميت كتيبة عاصم هذه كتيبة الأهوال لما رأى منهم في الماء والفراض.
ولما رأى (٢) سعد عاصمًا على الفراض وقد منعها أذن للناس في الاقتحام وقال: قولوا نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وتلاحق عظم الجند فركبوا اللجة، واعترضوا دجلة وإنها لمسودة تزخر، لها حدب تقذف بالزبد، فكان أول من اقتحم سعد بن أبي وقاص ثم أقحم الناس خيولهم، وقد قرنوا أنثى بكل حصان يتحدثون على ظهورها كما يتحدثون على الأرض، وطبقوا دجلة خيلًا ورجالًا حتى ما يرى الماء من الشاطئ أحد، وسلمان الفارسي يساير سعدًا يحدثه، والماء يطفو بهم، والخيل تعوم، فإذا أعيا فرس استوى قائمًا يستريح كأنه على الأرض، فقال قيس بن أبي حازم: إني لأسير في دجلة في أكثر مائها إذ نظرت إلى فارس وفرسه كأنه واقف ما يبلغ الماء حزامه، قال بعضهم: لم يكن بالمدائن أمر أعجب من ذلك، فقال سعد: ذلك تقدير العزيز العليم.
وفي رواية (٣)، أنه قال لسلمان وهو يسايره في الماء: والله لينصرن الله وليه، وليظهرن الله دينه، وليهزمن الله عدوه، إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات، فقال سلمان: يا أبا إسحاق الإسلام جديد، ذلل الله لكم البحر كما فرقه وذلله لبني إسرائيل والذي نفس سلمان بيده، لتخرجن منه أفواجًا كما دخلتموه أفواجًا، فخرجوا منه كما قال سلمان، ولم يفقدوا شيئًا ولم يغرق فيه أحد إلا رجلًا من بارق يدعى غرقدة زل عن ظهر فرس له شقراء كأني أنظر إليها عريًا تنفض عرفها، والغريق طاف، فثنى القعقاع بن عمرو عنان فرسه إليه، فجره حتى عبر، فقال البارقي، وكان من أشد الناس: أعجزت الأخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع، وكانت للقعقاع فيهم خؤولة، ولم يذهب للمسلمين في الماء يومئذ شيء إلا قدح كانت علاقته رثة فانقطع فذهب به الماء فقال الرجل الذي كان يعاوم صاحب القدح معيرًا له: أصابه القدر فطاح، فقال: إني أرجو والله ألا يسلبني الله قدحي من بين أهل العسكر، فإذا رجل من المسلمين ممن تقدم يحمي
(١) الطبري ١: ٢٤٣١.
(٢) الطبري ١: ٢٤٣٤، ٢٤٣٨.
(٣) الطبري: ٢٤٣٦.
1 / 528