د افلاطون د روابیو کتاب
كتاب الروابيع لأفلاطون
[book 1: 1-2]
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الروابيع لأفلاطون شرح أحمد بن الحسين بن بختار لثابت 〈بن قرة〉
الرابوع الأول والثانى
قال ثابت بن قرة:
قلت لأبى العباس أحمد بن الحسين بن جهار بختار عند انقضاء كتاب «أنطوليقا»: إنك بإنجاز وعدك لخليق!
قال أحمد: فيماذا تعنى يا ثابت؟
قال ثابت: فيما تضمنت كشف غوامضه وتفسيره وتحقيق معناه من كتب الشيخ أفلاطون.
قال أحمد: إنى لأعجب من حرصك على ذلك كأنك لم تقف على عواقب الأمور فيما يصير إليه أمر الدهور!
قال ثابت: أشهد الواحد الحى ما حرصى حرص من يحب أن يلام عليه، لأنى لست أريد منه عاجل النفع ولا نزر الطمع، بل ما يفتح لى بابا إلى الحق ويرشدنى إلى سبل الرشاد. إذ قد وقفت من إشارتك أنه يحوى الكلام فى هذا النوع معانى فلسفية حقيقية.
قال أحمد: إن كان ذلك كذلك، فبالواجب حرصك أن يشتد. إلا أنه لو كان سؤالك عن عين الحق وما لا يخلط به سواه — لكان أولى.
مخ ۱۱۹
قال ثابت: قد علمت أيها الفيلسوف كون هذا العالم وأهله، وأنه لا يحتمل الحق بكليته. فأنا أريد أن أسمع من الكلام ما يؤدى بعضه إلى الحق، وأرضى ببعضه بالطبع، إذ كنت لنقصانى أعجز عن دفع قوى الطبيعة بأسرها.
قال أحمد: إنه ليسرنى أن أجد فى هذا العالم من يتكلم بمثل هذا الكلام أو يهتدى إلى هذا النوع من السياسة. إذ كان العلم مرفوعا والرأى معدوما، والعالم وأهله قد عادوا الحق وأهله ومعرفته حتى صاروا فيه معدومين ومما يضاده من الجهل والعمى مخصوصين.
قال ثابت: بعلمك أيها الفيلسوف اهتديت، ومن رأيك اقتبست، فحسنى لك إذ كنت بك فيه اقتديت، وقبيحى لى إذ كنت عن سيرتك تعديت. وأما العالم وأهله فكما وصفت، إلا أنك مصباحه المبين وشمسه المنير. وخليق لهذا الزمن أن يفتخر على سائر الأزمان بك، إذ برزت سبقا على من مضى، واستحال فى الوهم كون من بك يتساوى.
قال أحمد: دعنى من الملق، فإنما بغيتى عالم ولم أخالف فيه من بسيرة الحق عارف، إلا أنى مضطر إليه كتشبث الطبيعة بى، وأنا مبتهل إلى الله الحق أن يعيننى على نيتى ويوفقنى لمرادى العقلى، لا المراد الطبيعى.
قال ثابت: لست الذى أحتاج أن أقف على السبب الذى منه اعتذرت، وما تكره من نفسك فهو عند غيرك من الفلاسفة سيرة الحق؛ إلا أنك لما حويت الفضائل وأخذت بأزمة الرشاد تستعظم اليسير من الخلل يكون منك.
قال أحمد: أليس يعسر عملى بالعلم، فكيف أستحق لشىء من المدح؟!
قال ثابت: ذلك كما قلت. وكيف لا يكون كذلك وعلمك ما لا يتناهى، وعملك محدود بمحدود فى زمن محدود!
قال أحمد: إن فيما تطالب كشفه من العلم واسطة بين ما لا يتناهى وبين ما يتناهى.
مخ ۱۲۰
قال ثابت: أسألك أن تكشف لى عن هذا القول.
قال أحمد: لما كان فيه الإنباء عما لا يتناهى، وهو الأصل الذى كان من أجله البسيط القابل لتركيب الذى يستحق اسم المتناهى، ثم الكلام فى المركب اللطيف والمجسم — كان كل ذلك، أعنى علمه، ممكن فيه الارتقاء إلى العلو الذى هو محل الحق الذى لا يتناهى والرجوع فيه إلى المركب الذى هو الطبع المتناهى.
قال ثابت: فأنا الجدير بمطالبتك بذلك وإبرامك فيه حتى أصل إلى مرادى منه.
قال أحمد: لو لم يكن فى إخراجى ذلك إلا ما يمتاز به المهرة من أهل هذا العلم من الخداع المستأكلين بهذه الصناعة، لكان ذلك جليلا من الحظ.
قال ثابت: إن كان ذلك يخرج فيما تخرجه من هذه الكتب، كان لك المنة العظمى واليد العليا على هذا العالم وأهله.
قال أحمد: إنى عازم على الإخراج فى فحوى بعض كلامى فى هذه الكتب لأشياء نمتحن بها الممخرقين بهذه الصناعة.
قال ثابت: إن فعلت ذلك فما أولاك!
مخ ۱۲۱
قال أحمد: إن الخداع والمخرقة مجانسا الطبيعة لا يزالان معها وفيها. وقد كان الشيخ أفلاطون وضع فى كتابه المسمى «ديالغون» فى المقالة السابعة أشياء من هذا النوع. ويقول فى بعض فصوله فى هذه المقالة أن ليس شىء من الخداع بأنفذ عند العوام من ادعاء هذه الصناعة وأطماعهم فيها، إذ كان فى نيلها إدراك جميع لذات هذا العالم والمطلوبات فيه، فيبلغ من حرص الأنفس عليها ما يشغل ذوى الآراء العميقة عن التثبت والتفتيش عن صحة الشىء وباطله، فكيف الخلو من العلم والصفر من الرأى!
وقد كان للشيخ أفلاطون تلميذ يسمى أومانيطس قد ولع بطلب هذه الصناعة وتشاغل بها عن جميع العلوم؛ فكان أفلاطون يعظه ويدفعه عن مراده وما هو عليه. فكان لا تزيده العظة إلا حرصا والدفع إلا ولوعا. وكان مما يدعى أنه يصحح عنده هذا العلم والصناعة أنه قال: إنما رأيت الأشياء من الطبائع الأربع، ووجدت الحشائش والنبات منها، ووجدت البذر القليل يبذر فى الأرض فيستحيل من الأرض إليه ما كان ملائما له، حتى يصير من الشىء القليل الكثير. ووجدت الذهب والفضة وقد جانسا النبات فى الطبيعة، وجب أن تكون زيادتهما ونماؤهما إذا دبرا كالنبات.
فقال أفلاطون حينئذ: إنك قد ركبت يا أومانيطس بيداء مضلة وأنت أعمى عن مطلبك فليس يزيدك جولان الطلب إلا بعدا عن المراد. ولولا أنى قد رأيت من حرصك على هذا العمل ما لا أشك معه أنك إنما تريد به الاستمكان من الطبيعة لكنت أرشدك إليه، فيكون نيلك فى أقرب مدة. إلا أنك لما عدلت عن علم المخلص وسيرة الحق لم لم يسعنى أن أعاونك على ضلالك. غير أن مشاكلة جوهرية الإنس توفقنى لك بعطفى عليك، فأنا أبين لك فساد ما أنت عليه وإن لم أرشدك إلى صوابه.
مخ ۱۲۲
أما ما ذكرت أن الحشائش والنبات من جنس الطبيعة، وأن الذهب والفضة وسائر الجواهر أيضا كذلك، وأنه واجب أن يزدادا إذا دبرا كزيادة النبات — فيوجب قولك هذا أن تكون زيادة الذهب ونماؤه فى معدنه وجوهره الذى هو الأرض. وكما أنك لو ألقيت بذر النبات فى النار أو فى موضع غير مشاكل له لم يزد فيه ولم يستحل، بل تفرق وبطل — كذلك الجواهر إذا ألقيتها فى معدنها لم يكن بالمستحيل أن تستحيل إلى جوهرها. وإذا كانت من خلاف الموضع الذى يشاكلها بطل أن تنمو أو تزيد كما بطل ذلك فى النبات. — فقد بان لك — إن استيقظت من سنة الضلال — أن قولك هذا فاسد واستدلالك هذا باطل.
فلم تردعه وصية الشيخ وما بين له، ودار بينهما كلام كثير، أدى ذلك إلى مفارقته للشيخ وخرج إلى بلاد البابليين، ونزل على مصب الفرات يطلب وجود هذه الصنعة. وزاد فى حرصه عليه منع الشيخ له عنه، وأراد أن يكون انصرافه إلى بلاد اليونانيين. وقد أدرك ذلك لينفى عن نفسه ما نسب إليه من الاشتغال بالباطل والانهماك فى المحال. فلم تزده الأيام إلا حيرة، ولا التفتيش إلا عمى. فلما يئس وانقطع رجاؤه انصرف إلى بلاد اليونانيين خائبا خاسرا وقد نفذت أيامه وفاته الحظ الجليل من ملازمة أستاذه.
فلقيه أفلاطون فقال له كالهازئ به: هل أصبت مطلوبك يا أومانيطس؟ فقال: أصبت أن مطلوبى من مطلبه غير موجود.
فقال أفلاطون: قد أصبت الموجود.
قال ثابت: أيها الفيلسوف! قد فت هذا الكلام فى عضدى ونقص من غرامى، وأوهى من رأيى، إذ كنت أقدر قديما تقدير أومانيطس وأظن أنه الصواب. فأنا فى هذا الوقت متحير، قد بطل عندى — ببطلان هذا الرأى — وجود علم هذه الصنعة.
قال أحمد: إنه لا ينبغى أن يصح عندك وجودها حقيقيا حتى يبطل عندك رأيك الأول بطلانا لا تشك فيه.
قال ثابت: فأسألك بمن خصك بالفضائل إلا ما عجلت كشف غم هذه الحيرة عنى، وألبستنى سرور الإيضاح وفرحة المطلوب والموجود.
قال أحمد: مما ينبغى أن تعلم يا ثابت: أن الاختيار والطبع متنافران متضادان، وأن فعل الطبيعة مستحيل كونه بفعل الاختيار لتنافر الأصلين، أعنى الاختيار والطبع، فيكون الذهب فى هذا العالم بالاختيار ككون الطبع له مستحيل، إلا أنا نخالف ذلك فندبره تدبيرا يباعد الطبع وإن كان بعيدا قليلا. فإذا فعلنا ذلك دبرناه كتدبير الاختيار فى الأصل، ثم رد البسيط بالتركيب إلى ما يراد من الجوهر.
مخ ۱۲۳
قال ثابت: إن رأيت أن تزيدنى بيانا، فعلت.
قال أحمد: وإنما وضع الحكيم فى كتبه هذه التحليلات والتكليسات والتفريقات احتيالا منه للشىء أن يغيره عن تركيبه المطبوع عليه فيرده بسيطا كما كان فى البدء فينفذ فيه حينئذ تدبير الاختيار كما نفذ فى البدء.
قال ثابت: وكيف ينفذ تدبير الاختيار فى البسيط ولا ينفذ فى المطبوع؟ قال أحمد: لما أخبرتك من تنافرهما.
قال ثابت: ولم لا يتنافر البسيط أيضا؟ قال أحمد: لأنه أقرب مشاكلة منه.
قال ثابت: وكيف يتهيأ لنا أن نرد الشىء بسيطا فى هذا العالم المطبوع المركب؟
قال أحمد: قد قلت فى الفصل من كلامى المتقدم أنه يباعد عن الطبيعة وإن كان البعد قليلا. فإنما أردت بهذا القول أنه لا يمكن أن يرد بسيطا كما كان الأصل، إلا أنه يحتال فيه بلطيف التدبير وعلى أدق ما يمكن من الحيلة فى هذا العالم أن يقام الشىء الواحدى الذات خلوا من الشوائب، أعنى من أضداده، فيكون إذا أقرب إلى البسيط من المطبوع المركب — عمل الاختيار فيه، أقول إنه لا يمكن لأحد فى هذا العالم أن يقيم الشىء الواحدى الذات... ... ... فهو البسيط حتى يكون الذى يخالطه من الشوائب القليل الكمية الضعيف الأثر، فيكون أقساما — ينجح فيه الطالب لهذه الصناعة.
قال ثابت: قد فهمت هذا القول وقبلته قبول اضطرار. فخذ أيها الحكيم فى تمام كلامك.
قال أحمد: إن أول ما أتكلم به المشورة على طالبى الحكمة المخالفين لسيرة البهائم أن لا يقبلوا من أحد يدعى علم هذه الصناعة إلا من يرشد إلى ما أرشدت.
قال ثابت: فمثل لمن أشرت عليهم مثالا يقتدون به.
قال أحمد: هو قولى هذا الذى قلت إنه لا يمكن كون هذا الشىء إلا برده إلى البسيط.
مخ ۱۲۴
قال ثابت: قد صعبت هذه الصناعة وأوعرت الطريق إليها، هذا مع خساسة نتيجتها.
قال أحمد: وكيف ذلك يا ثابت؟
قال ثابت: لأنه لا يتهيأ أن يرد الشىء بسيطا، إذ الغالب فيه الشىء الواحد، إلا بعد مشقة النفس وكد الطلب. فإذا ركب أيضا كان الشىء القليل الذى يقل مقداره.
قال أحمد: بل يصح فى هذه الدرجة استدلال أومانيطس. فإنه إذا فعل قد مثلث فإنه يمكن بعد ذلك أن يستحيل إليه من الأركان الأربعة ما جانسه فى الهيئة والشكل، كما قد قلت مرارا إنه من الواجب أن يتصل الشكل بالشكل. وإنما أخطأ أومانيطس لما أراد أن يزيد فى الشىء وهو مركب بالاستحالة إليه مركبا مثله، فهذا يستحيل بفعل الاختيار. فأما البسيط فقابل شكله كما قدمت، ثم يدبر كتدبير البدء.
قال ثابت: فما ترى أن يكون الشىء المدبر؟
قال أحمد: إذا كان أى شىء كان، رددته بسيطا، فليكن ما كان، لأن أكثر اختلاف الأشياء إنما هو من أجل التركيب. وقول أفلاطون فى صدر هذا الرابوع الثانى الذى أنا مخرجه يشهد بصحة ما قلت. وإنما طول كلامه لينبئ عن طبائع الأشياء وأنها أسهل تدبيرا.
قال ثابت: وما قال أفلاطون؟
قال أحمد: قال أفلاطون: إذا كانت الأشياء من جنس واحد أصلها، فإن ردت ففى واحد.
قال أحمد: يريد الفيلسوف بهذا القول أن الأشياء الموجودة كلها من أصل واحد، وإنما تغايرها من أجل تفاوت أجزائها، وأن كل شىء فيه من اختلاط الطبائع ما ليس فى غيره، وأن تغايرها من أجل ذلك. فنقول: إنه إذا حل التركيب وفرق فإنه يرجع الشىء كما كان فى الأصل، وهو الشىء الذى هو أصل الأشياء وجنس الأجناس.
قال أفلاطون: والمعرفة بالأجسام وكيفياتها وبدئها مما يسهل العمل.
مخ ۱۲۵
قال أحمد: يقول: إذا عرف الجسم وكيفيته وبدؤه الأصلى فإنه يعين العامل على مراده، لأنه يكون بمعرفته أحرى على تدبيره وأعرف بالاحتيال فيه.
قال أفلاطون: الأجسام الصلبة صورة جاسية، واللطيفة ضعيفة إلا أنها غزيرة.
قال أحمد: يخبرك الفيلسوف أن الأجسام الصلبة، يعنى كالذهب وسائر الأجسام التى تقاوم النار وغيره من الأركان، لا تبلغ من غزارتها ونفاذها ما يبلغ اللطيف، أعنى الأعضاء وما شاكلها. ويقول إن اللطيف ضعيف يحتاج إلى التدبير اللطيف، لأنه لا يثبت ثبات الأجساد الصلبة، إلا أن اللطيفة غزيرة سريعة النفاذ.
قال أفلاطون: وتحتاج أن تعلم لم ذلك كذلك، وليس إلا أن اللطيف طالب لموضعه. قال أحد: أحسن الفيلسوف فى قوله هذا، فإنه يقول: تحتاج أن تعلم لم اللطيف أضعف وأغزر، والكثيف أجسى وأقوى؛ ثم تحكم أنه لطلب الموضع. وإنما يريد أن ما دبر من هذا العمل فإن المراد فيه أن يرد كما كان بدءا. فاللطيف أقرب إلى جنس البدء. فإذا كان كذلك فإن طالب المحل البدء الذى هو العلو. فالتدبير يجب أن يكون أوفق، والعامل يحتاج أن يكون أوفق ليضبط العمل لئلا يصل إلى الموضع الذى يطلبه فيفوت. فأما الجاسى فكثيف طالب للسفل والعامل مستغن عن ضبطه. ف «القوة» فى كلام الفيلسوف فى هذا الموضع: «الثبات» و«الضعف» «الفراق».
قال أفلاطون: وبعد أنواع من التدبير يكون الجاسى القوى كالغزير الضعيف.
مخ ۱۲۶
قال أحمد: صدق الفيلسوف فى قوله هذا، لأنه لا يتهيأ أن ينفذ تدبيره فى الشىء إلا بعد حله وتليينه. فالعضو مخصوص باللين وذلك معدوم فى الجسد إلا بعد المعالجة. وأرى قوله هذا يوجب أن مستعمل العضو قد كفى بعض العمل، لأنه إذا كان تدبير الجسد أول درجته كونه كالعضو، إلا أن أرسطاطاليس يذكر أن تدبير الجسد من أول العمل إلى آخره أهون وهو أصبر من غيره. فيرى أرسطاطاليس أن الشىء لا يخلو أمره من الشوائب كما قدمنا. فإذا كان كذلك فيكون أبدا معه، أعنى الجسد، من القوة الغريزية والتركيب الأصلى ما ليس مع العضو، فتكون هذه القوة والتركيب مقويا للجسد فى كل حالاته إلى أن يبلغ. وأراه يصدق فى ذلك، ويدعى أن الشيخ أفلاطون موافق له وأنه أخذه عنه.
قال أفلاطون: وقبل ذلك فأحوج ما كنت إليه معرفة كيفية التركيب.
قال أحمد: يقول إن الحاجة إلى معرفة التركيب وكيفيته شديدة. فذهب الفيلسوف فى ذلك أنه إذا عرف التركيب وكيف يركب، فإنه يهتدى إلى حله ونفاذ التدبير.
قال أفلاطون: وبعد البسيط فهو المثلث، إلى إن قال: فدع قول المخالفين فى ادعائهم المدور.
قال أحمد: إن أفلاطون وجد الأوائل يقولون إن أوائل الأشياء أوائل معقولة، وهو الذى كان من أجله المحسوس البسيط، وهو الشىء القابل للتركيب، فبعض الأوائل يقول إن البسيط شكله المدور لتشابه أجزائه؛ وأفلاطون يخالف هؤلاء ويقال: إن المدور يكون ذا تخلخل لأن أقطاره لا تتلاصق بكليتها. فإذا كان كذلك فإنه يقع فيه الخلاء، وذلك معدوم فى البسيط. ويقول إن البسيط الجزء الوهمى، ويحكم أن الجزء الوهمى الذى لا يقبل التجزئ هو البسيط. ويقول إنه لا يقبل التجزئ لا لصغره، بل لأنه واحدى الذات. فمحال أن يتجزأ إلا بدخيل يدخل عليه فيجزئه، فحينئذ 〈تقع〉 فيه التجزئة، فأما أن يكون واحدى الذات فهو الجزء الذى لا تستحيل فيه التجزئة، وأفلاطون يحيل فيه التجزئة فى هذا الشىء، لا لصغره وقلته، بل لأنه واحدى الذات. فتفهم ذلك وأنصت لما يأتى من قول الفيلسوف فى هذه الكتب، فإنه فيه بيان لهذا على أشد الاستقصاء إن شاء الله.
مخ ۱۲۷
قال أفلاطون: وكيف يكون المدور بسيطا وقد دل على بطلان ذلك الشكل؟! قال أحمد: إن أفلاطون وضع فى كتاب «ديالغون» شكلا مركبا من المدورات. يتبين من ذلك الشكل أنه لا يجتمع من المدورات إلا الجرم المتباعد الأجزاء، وله على إبرخس رد فى الكتاب فى دعواه إن القسى الصغار من الدوائر الكبار 〈تكون〉 خطوطا مستقيمة، وبين هناك أن الشىء المدور — وإن تجاوز فى القلة حد المحسوس إلى المعقول — فلا يخلو من التقويس. وقد أخرج بطلميوس القلوذى أيضا فى كتابه الذى سماه «المجسطى» رأى إبرخس فى القسى الصغار من الدوائر الكبار ووافقه على ذلك. ومن وقف على ما أخرجه أفلاطون من الرد فإنه يصح عنده فساد قول مخالفيه. — ووجدت اسطالينوس يحتج لبطلميوس: ذكر أنه ذهب فى قوله فى كتابه إلى ما يخالف إبرخس، لا الشيخ، ويخرج لكلام بطلميوس وجها إن حمل على ذلك التأويل فقد اتفق مع الفيلسوف. ولولا أن أكره الاشتغال به لأخرجته.
قال أفلاطون: والكتاب الموجود ب«إيليا» يدل على ما أمرنا بمعرفته.
مخ ۱۲۸