مقدمة المؤلف

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله خير خلقه وأمين وحيه وعلى آله قرناء كتابه الأمناء على رد متشابهه إلى محكم آياته، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

يقول المفتقر إلى عفو الله ومغفرته/ عبد الرحمن حسين شايم المؤيدي الحسني:

أما بعد: فلما كان نظم السيد العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير رحمه الله للخلاصة المسمى: (لباب المصاصة) نظما فائقا بذ البلغاء وأعجز الفصحاء، وزاده حسنا ورونقا موضوعه، لأنه في أصول الديانات، توحيد الله تعالى وعدله، ومعرفة الوعد والوعيد والنبؤات والإمامات. وقد أتى فيه رحمه الله بالعجب العجاب، وحوى نظمه رحمه الله ما لذ وطاب، وقد شرحها الناظم رحمه الله بشرح متوسط بين الإيجاز والإطناب، وللسيد العلامة عبدالكريم بن عبدالله أبو طالب رحمه الله شرح نفيس مطول، جمع فأوعى، ولما سألني بعض من يجب إسعافه ويحسن إتحافه أن أصحح من مبانيها رسوما، وأستخرج من معانيها علوما، رأيت إجابته وإسعافه بطلبته، فوضعت عليها تعليقا مختصرا لينتفع به الطالبون ويستفيد منه الراغبون، ونستمد من الله تعالى المعونة والأجر، ونسأله السداد والتوفيق والهداية إلى أوضح طريق، والمرجو من الإخوان أن من وجد خللا أصلحه أو نبه عليه، هذا إذا لم يجد له محملا صحيحا، لأن ذلك من المعاونة على البر والتقوى.

ترجمة الناظم رحمه الله تعالى

هو السيد الكبير الخطير: الهادي بن إبراهيم بن علي الوزير.

قال في تاريخهم: هو السيد السند الإمام المعتمد ذو الفضائل والآثار، والذي لم يسمع بوجود مثله في الأعصار، والركن الأشم في أولاد الإمام الهادي والمربي على أقرانه في أهل الحواضر والبوادي، جامع أشتات العلوم ومناظرها في المنثور والمنظوم.

مولده: في هجرة الظهراوين يوم الجمعة السابع والعشرين من شهر المحرم سنة ثمان وخمسين وسبعمائة 27/ محرم/ 758ه.

مخ ۸

قراءته: قرأ القرآن على والده، ثم أخذه مع ابن عمه محمد بن أحمد بن بن محمد المرتضى إلى عمه المرتضى الذي كان طالبا للعلم في حينه في مدينة صعدة، فقرأ فيها مدة طويلة في علوم العربية نحوا وتصريفا ومعانيا وبيانا، وكذا تفسير القرآن الكريم على العلامة إمام المحققين وترجمان أهل عصره أجمعين إسماعيل بن إبراهيم بن عطية النجراني، وعلى الفقيه العلامة محمد بن علي ناجي في علوم الآداب، أيضا واللغة، منها ديوان أبي الطيب المتنبي، وقرأ في الأصولين والفروع على القاضي العلامة ملك العلماء عبدالله بن الحسن الدواري، وعلى عمه المرتضى بن علي وكان إماما في علم الكلام قد أتقن كتب الكلام المتداولة، وكذا علم عمه أحمد بن علي.

وقد سمع جامع الأصول بمكة المكرمة على قاضي الحرم الشريف محمد بن عبدالله القرشي المخزومي.

له رسائل ومسائل وأشعار لا تحصى كثرة.

مصنفاته: له مصنفات عديدة منها: كتاب كفاية القانع في معرفة الصانع ونظم الخلاصة -التي بين يديك-، وشرحها المسمى: تلقيح الألباب في شرح أبيات اللباب.

وكتاب: الطرازين المعلمين في المفاخرة بين الحرمين.

مخ ۹

والتفصيل في التفضيل، وكتاب الرد على ابن العربي، وهداية الراغبين إلى مذهب أهل البيت الطاهرين، وكتاب الرد على الفقيه علي بن سليمان في العارضة والناقضة، وكتاب كاشفة الغمة عن حسن سيرة إمام الأمة، وكريمة العناصر في الذب عن سيرة الإمام الناصر، وكتاب السيوف المرهفات على من ألحد في الصفات.

وكان رحمه الله تعالى كثير الذكر، وله مراسلات مع أهل زمانه في مختلف النواحي من المخاليف اليمنية وأمراء مكة حتى اشتهر وظهر وذاع صيته رحمه الله، فذكره العالم الحفاظة المحدث المؤرخ ابن حجر العسقلاني المصري في تاريخه، وأثنى عليه، وذكر أخاه محمدا في ذلك التاريخ بما هو أهله.

وفاته: توفي رحمه الله بذمار بحمام السعيدي آخر نهار تاسع عشر ذي الحجة الحرام صائما في سنة إثنتين وعشرين وثمانمائة هجرية.

وضجت اليمن لموته، ورثاه العلماء بمراثي عظام، فرحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه جنات تجري من تحتها الأنهار، وألحقنا به صالحين.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

نقلت هذه الترجمة بتصرف من مطلع البدور (ج/2/ص/ 351) لابن أبي الرجال (مخطوط).

مخ ۱۰

مسائل في إثبات الصانع سبحانه وتعالى

أبا حسن يا ابن الجحاجحة(1) الغر .... من القمر انوار(2) والكوكب الدري

إليك من الأفكار عني نتيجة .... كواسطة التقصار(3) كلل بالدر

محبرة(4) يستوقف الركب لفظها(5) .... ويستخرج الماء المعين من الصخر فهاك علي بن المرتضى بن مفضل(1) .... من الجوهر الشفاف(2) شفافة القدر

مخ ۱۱

وإن كنت لم أصبغ يدي في بلاغة(3) .... ولم أك ذا خل(4) هناك ولاخمر

وما أنا بالسباق في النظم جودة .... ولا أنا بالغواص في لجة(5) البحر

ولكنني لما رأيتك والدا .... رأيتك لاتحتاج مني إلى العذر(6)

فخذها على بعد المزار غريبة .... حوت من أصول الدين عشرا إلى عشر

إلى مثلها هذى الخلاصة كلها .... ثلجت(7) تحقيق لأسرارها صدري فحمدا لمن فزنا بعرفان ذاته .... على مثله حمدا وشكرا على شكر(1)

مخ ۱۲

المسألة الأولى من مسائل التوحيد (في أنه لابد لهذا العالم من)

صانع صنعه)

اعلم أن مسائل التوحيد تنقسم إلى قسمين: إثبات، ونفي، فمسائل الإثبات ست: الأولى: أن لهذا العالم صانعا، والثانية: مسألة قادر، والثالثة: أنه عالم، والرابعة: أنه تعالى حي، والخامسة: أنه سميع بصير، والسادسة: أنه قديم.

ومسائل النفي أربع: الأولى: أن الله تعالى لا يشبه الأشياء، الثانية: أنه تعالى لا تجوز عليه الحاجة، الثالثة: أنه تعالى لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، الرابعة: أنه واحد لا ثاني له.

ومسائل الإثبات مقدمة على مسائل النفي، لأنها لا تعلم مسائل النفي مالم تعلم مسائل الإثبات.

ثم إن حقيقة التوحيد في اللغة: مصدر وحد الشيء، جعله واحدا بالفعل والقول. وفي الإصطلاح: هو العلم بالله تعالى وما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه منها، ويدخل في ضمن ذلك العلم بنفي القديم الثاني.

فأول موج فيه أولى غياصة .... مقالتنا بعد الدليل لذي حجر

بأن لهذا الخلق لابد صانعا .... وقد ضل لب الفيلسوفي والدهري

بناء بلا بان له وكتابة .... بلا كاتب أين العقول التي تدري

وفي هذه الأجسام أكوان كائن .... تدل على أصل الحدوث لمستقري

وإن شئت حررت الدليل بأنها .... أقيمت فقامت بالأماكن(2) والأمر

ولابد فيها من مقيم لأنها .... بغير مقيم لاتقوم على قدر

ولما أثرنا للعقول أدلة .... تضيء كأنوار النجوم التي تسري هدمنا بها بنيان قوم تفلسفوا .... وتاهوا(1) ولم يستعملوا نظرالفكر

مخ ۱۳

قال الجوهري: الغوص: النزول تحت الماء، وقد غاص في الماء، والهاجم على الشيء غايص، والغواص: الذي يغوص على اللؤلؤ، وفعله الغياصة. إه..

والحجر: العقل لأنه يحجر أي يمنع الإنسان عما لا يليق به.

والفيلسوف: واحد الفلاسفة، وهم الذين أنكروا الصانع المختار، وقالوا بإثبات العقول والعلل والأفلاك، والدهرية الذين حكى الله مذهبهم بقوله تعالى: {وما يهلكنا إلا الدهر}[الجاثية:14]، وأنكروا الإله الصانع المختار الملك الجبار، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا.

وفي هذه الأجسام أكوان كائن: أشار بهذا البيت إلى دليل الأكوان، وهذا الدليل إستدل به جماهير من أئمة أهل البيت عليهم السلام وجماهير المعتزلة، وتحريره: أن يقال أن هذه الأجسام لم تخل من الأعراض المحدثة، ولم تتقدمها، ومالم يخل من المحدث ولم يتقدمه فهو محدث مثله، وهذه الدلالة مبنية على أربع دعاوي، يرجع في تفصيلها إلى شرح الناظم، وشرح الخلاصة، وشرح الأساس عدة الأكياس، وغيرها من المؤلفات.

والجسم حقيقته: هو الطويل العريض العميق.

(قوله: أكوان كائن) الكون عندهم: هو المعنى الموجب كون المتحيز في جهة، والكائن الحاصل في جهة على حد الإستقلال، واحترزوا بقولهم: على حد الإستقلال، عن العرض.

والأكوان عندهم خمسة أقسام: حركة، وسكون، واجتماع، وافتراق، وكون مطلق، على خلاف في الأخير.

قوله: (وإن شئت حررت الدليل...إلخ) أشار بهذا البيت إلى الدليل الذي اعتمده بعض أئمتنا عليهم السلام، وأبوالحسين البصري، وابن الملاحمي، لأنهم ينفون الأكوان ويجعلون الكائنية بالفاعل، ولهم تفاصيل ليس لنا غرض في تفصيلها. وللسيد الإمام نور الدين حميدان بن يحيىكلام نفيس في مجموعه، وكذلك الإمام عماد الإسلام يحيى بن حمزة له عناية في نصرة هذا القول، الذي هو نفي الأكوان.

مخ ۱۴

ومعنى البيت: أن هذه الأجسام أقامها الله تعالى في أماكنها بأمره فقامت على حسب إرادته.

المسألة الثانية (في أن الله تعالى قادر)

حقيقة القادر: هو المختص بصفة لكونه عليها يصح منه الفعل مع سلامة الأحوال، أفاد هذا في الخلاصة، وهو عند أبي الحسين البصري، وابن الملاحمي من يصح منه الفعل مع سلامة الحال، وهذا بناء منهم أن صدور الفعل من الفاعل على سبيل الصحة والإختيار يعلم منه ضرورة أنه يقتضي قادريته، وقد أورد على الحد الأول أسئلة ذكرها في شرح الخلاصة وفي غيرها من المطولات يطلبها من أرادها.

وعدنا فقلنا أن ذا العرش قادر .... لصحة فعل منه في البر والبحر

ولما رأينا الشاهدين تخالفا .... عرفنا يقينا أن ذاك(1) لذي الأمر

وأن وجود الفعل فرع لصحة .... وقد وجد الفعل الحكيم بلانكر

فصح لنا أن المهيمن قادر .... لأفعاله اللاتي على نسق تجري

قوله: (بصحة فعل... إلخ): إعلم أن للصحة معان: أحدها: صحة في مقابلة الإستحالة، يقال: العالم يستحيل وجوده فيما لم يزل، ويصح وجوده فيما لا يزال، أي ليس بمستحيل.

مخ ۱۵

وصحة في مقابلة الإيجاب، يقال: الفاعل يقع منه الفعل على سبيل الصحة، بمعنى أنه مخير في ذلك، ولا يقع منه على سبيل الإيجاب، بمعنى أنه ليس بمخير.

وصحة بمعنى زوال الأسقام، يقال: صح العليل من سقمه.

وصحة بمعنى إعتدال المزاج، يقال: فلان صحيح، أي معتدل الطبائع والمزاج كما يقوله الأطباء، والصحة: إسم للتأليف الذي تحله الحياة، سمي تأليف أحدنا صحة.

وصحة بمعنى الإجزاء، يقال: صلاة فلان صحيحة، أي مجزية.

وصحة بمعنى إجتماع الشرائط المعتبرة شرعا، يقال: عقد هذا البيع صحيح، المعنى: أن شرائط البيع مجتمعة فيه، أفاد هذا في شرح الخلاصة.

واعلم: أن المتكلمين يستدلون على أن الله سبحانه قادر بأن الفعل قد صح منه، والفعل لا يصح إلا من قادر، ومرادهم بالصحة هنا الإمكان، ومعناه أن الفعل كان ممكنا قبل وجوده، والدليل على ذلك أن الفعل قد وقع والوقوع فرع الصحة، فلو كان مستحيلا لما وقع، وفي البيت إشارة إلى عجائب المخلوقات في البر والبحر.

قوله: (ولما رأينا الشاهدين تخالفا...إلخ) يعني أن الحيين في الشاهد لما اتفقا في كونهما حيين، وافترقا، فصح من أحدهما ما تعذر على الآخر، علمنا المفارقة بينهما قطعا، فعلمنا أن من صح منه الفعل فهو قادر.

مخ ۱۶

المسألة الثالثة (في أن الله سبحانه وتعالى عالم)

حقيقة العالم: هو من يصح منه الفعل المحكم مع سلامة الأحوال، وعرفه الناظم في شرحه بقوله: هو المختص بصفة لكونه عليها يصح منه إيجاد الفعل محكما إذا لم يكن ثم مانع ولا ما يجري مجراه. أه.

وفي صحة الفعل الحكيم دلالة .... على عالم سبحانه عالم السروالجهر

وفي القادرين الشاهدين دلالة .... على ذاك(1) فاعلم والدليل لمن يدري

وفي ملكوت الله أكبرحجة .... على عالم ثم الدليل من الفكر(2)

وفي زهرات الروض صنعة عالم .... بألوانها اللاتي تفتح بالزهر

قوله: (وفي صحة الفعل الحكيم دلالة...إلخ) نتكلم على حقيقة العالم والمحكم والإحكام والحكمة.

أما العالم فحقيقته: هو المختص بصفة لكونه عليها يصح منه الفعل محكما إذا لم يكن ثم مانع ولا ما يجري مجرى المانع، وهذا الحد اعتمده جماهير من المعتزلة ومن أئمتنا كثير، وللإمام القاسم عليه السلام في الأساس كلام يرجع إليه.

وحقيقة المحكم: المرتب المنتظم، هو كل فعل حسن فعله فاعله لغرض صحيح. أفاده الناظم في شرحه، وفي شرح الخلاصة، وفي شرح النجري على المقدمة، وفي الفرائد للمهدي عليه السلام قريب من ذلك.

قوله: (وفي الشاهدين..إلخ) ارجع إلى ما قلناه في مسألة قادر.

(وفي ملكوت الله..إلخ) الأدلة على أنه تعالى عالم كثيرة، ومن نظر في عجائب الصنع وما فيه من الإحكام ولطائف الإتقان ما يفوق صنعة كل صانع، ويكفي النظر في خلق الإنسان، وقد دلنا الله تعالى على ذلك بقوله:{ وفي أنفسكم أفلا تبصرون}.[الذاريات:21]

مخ ۱۷

رفع الخصاصه | اصول