د کندی فیلسوف ته ځواب
الرد على الكندي الفيلسوف
ایډیټر
د . إحسان عباس
خپرندوی
المؤسسة العربية للدراسات والنشر
شمېره چاپونه
الثانية
د چاپ کال
1987 م
د خپرونکي ځای
بيروت / لبنان
- 4 - الرد على الكندي الفيلسوف
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وعترته
1 -[ قال الكندي ] : اعلم ، أسعدك الله ( 1 ) ، أن أعلى الصناعات الإنسانية درجة ( 2 ) ، وأشرفها مرتبة ، صناعة الفلسفة ، التي حدها علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان . ولا نجد ( 3 ) مطلوبا من الحق من غير علة ، وعلة كل شيء وثباته الحق ، لأن كل ماله إنية له حقيقة ، فالحق اضطرارا ( 4 ) موجود ، إذ الإنيات ( 5 ) موجودة .
2 - قال : وإنما نعلم كل معلوم إذا [ نحن ] أحطنا بعلم علته ، لأن كل علة إما أن تكون عنصرا ، وإما صورة ، وإما فاعلة ، أعني ما منه مبدأ الحركة ، وإما متممة ، أعني ما من أجله كان الشيء . والمطالب العامة ( 6 ) أربعة : هل ، وما ، [ وأي ] ، [ ولم ] ، فهل باحثة عن الانية ، وما فبحث عن الجنس في كل ما له جنس ؛ وأي فبحث عن الفصل ، وما وأي جميعا عن النوع ؛ ولم عن العلة التمامية . وبين أنا متى أحطنا بعلم عنصرها فقد أحطنا بعلم نوعها ، وفي علم النوع علم الفصل ، فإذا أحطنا بعلم العنصر والصورة والعلة التمامية ( 7 ) ، فقد أحطنا بعلم حدها ؛ وكل محدود فحقيقته في حده .
مخ ۳۶۳
3 - قال محمد : اختصار هذا ، أنا متى أحطنا بعلم الأصل أحطنا بعلم ما بعده .
4 - وذكر أهل الرياسة فقال : نصبوا كراسيهم المزورة التي نصبوها عن غير استحقاق بل للترؤس والتجارة بالدين ، وهم عدماء الدين ، لأن من تجر بشيء باعه ، ومن باع شيئا لم يكن له ، ومن تجر بالدين لم يكن له دين ، وحق ( 1 ) أن يتعرى من الدين من عاند قنية علم الأشياء بحقائقها وسماها وكفرا ، لأن في علم الأشياء بحقائقها علم الربوبية وعلم الوحدانية وعلم الفضيلة ( 2 ) ، [ وجملة ] علم كل نافع والسبيل إليه ، والبعد عن كل ضار والاحتراس منه ، واقتناء هذه جميعا هو الدين ( 3 ) الذي أتت به الرسل الصادقة عن الله جل ثناؤه ، فإن الرسل صلوات الله عليهم إنما أتت بالإقرار بربوبية الله تعالى وحده ، ولزوم القضايا المرتضاة عنده ، ورفض الرذائل المضادة للفضائل في ذاتها وعواقبها .
ما في الفن الثاني
5 - الوجود الإنساني وجودان : أحدهما : وجود الحواس الذي هو لجميع الحيوان معنا منذ نشوئه ، وهذا الوجود الذي ثبتت صورته في المصور ( 4 ) فأداها ( 5 ) الحس إلى الحفظ ، فتصور وتمثل في النفس ، والحس يباشرها بلا زمان ولا مؤونة ، والمحسوس كله ( 6 ) ذو هيولى فكله ذو جرم . والوجود الثاني أقرب من الطبيعة وأبعد عنا ، وهو وجود العقل . وبحق كان الوجود وجودين ، إذ الأشياء كلية وجزئية ، أعني بالكلية الأجناس ( 7 ) [ 93 ظ ] لكل الأنواع والأنواع لكل الأجناس ، والجزئية للأشخاص أجزاء من النوع ، والأنواع أجزاء من الجنس . فالأشخاص الجزئية الهيولانية واقعة تحت الحواس ، والأجناس والأنواع لا توجد إلا بقوة من قوى النفس التامة ، وتلك القوة هي العقل .
مخ ۳۶۴
6 - قال محمد : اختصار هذا أن الحواس تجد ( 1 ) الأشخاص وأن العقل يجد المعاني .
7 - قال : وكل متمثل نوعي جزئي ، وما فوق النوعي لا يتمثل للنفوس ، لأن المثل كلها [ محسوسة ] ، ولكنه مصدق ومحقق ، متيقن اضطرارا ، كقولك ( 2 ) هو لا هو غير صادقتين ( 3 ) في شيء بعينه . وهذا وجود للنفس لا يحتاج إلى متوسط ولا مثال له في النفس ، لأنه لا لون ولا صوت ولا رائحة ولا طعم ولا ملموس . ومثله لو قال لنا : إن جسم الكل ليس خارجا منه لا خلاء ولا ملاء ، وهذا لا يتمثل لأن ' لا خلاء ولا ملاء ' لم يدركه الحس ولا لحقته النفس ( 4 ) ، فيكون له فيها مثال ، وإنما هو شيء يجده العقل اضطرارا . فاحفظ ، حفظ الله عليك جميع الفضائل ، وصانك من جميع الرذائل ، هذه المقدمة لتكون لك دليلا قاصدا إلى الحقائق ( 5 ) ، فإن بهاتين السبيلين كان الحق من جهة سهلا ، ومن جهة عسرا ، لأن من طلب تمثيل ما لا يتمثل عشي عنه ، كعشا أعين الوطاوط عن درك ( 6 ) الأشخاص الواضحة لنا في شعاع الشمس .
8 - قال : والهيولى موضوعة الانفعال فهي متحركة ، والطبيعة علة أولية لكل متحرك وساكن .
9 - قال محمد : يقول فالطبيعة فوق الهيولى ، والهيولى هو حد التمثيل والإدراك بالحس ، فكيف يدرك ما فوقها بالتمثيل لا يدرك إلا بعلته وفي الطبيعة .
10 - [ قال ] : وعلم الطبيعة ( 7 ) علم كل متحرك ، فما فوق الطبيعة من المحدثات أيضا [ هو ] لا متحرك لأنه [ ليس ] يمكن أن يكون الشيء علة كونه ،
مخ ۳۶۵
فليس علة الحركة حركة ، ولا علة المتحرك متحركا ، فما فوق الطبيعة ( 1 ) ليس متحركا . وهذا القول صواب ، إن شاء الله ، لأنه ليس فوق الطبيعة من المحدثات إلا العدم ، والله عز وجل فوق الحركات والسكون ، لا تأخذه صفة حركة ولا سكون . فهذا صواب من الوجهين .
11 - قال : وقد ينبغي أن لا يطلب في إدراك كل مطلوب الوجود البرهاني ، لأنه ليس كل مطلوب عقلي موجودا بالبرهان ، لأنه ليس لكل شيء برهان ، إذ البرهان بعض الأشياء ( 2 ) ، ولو كان للبرهان برهان لكان هذا بلا نهاية ( 3 ) ولم يكن لشيء وجود بتة ، لأن ما لا ينتهي إلى علم أوائله فليس بمعلوم ، فلا يكون علم بتة [ 94 و ] .
12 - [ قال ] محمد : هذا كقوله لا ينبغي أن يطلب ما فوق الهيولي بالتمثيل . ونعم ما قال إن شاء الله ، لأن البرهان هو النور في نفس اللفظة ، فإدراك هو كإدراك البصر نور واضح لا يحتاج إلى برهان . فلو قال قائل : ما البرهان أن هذه السماء وهذه الأرض قيل له : لو أجبناك على ذلك ببرهان طلبت على البرهان برهانا إلى ما لا نهاية له ، ولكن هذا برهانه ، لأن ما ذهب في إدراك البرهان إلى إدراك الطبيعة وإدراك الحواس نسميه إقناعا .
13 - قال الكندي : فلا ينبغي أن يطلب الإقناع في العلوم الرياضية ، بل البرهان ، لأنا إن استعملنا الإقناع في العلم الرياضي كانت إحاطتنا به ظنية ( 4 ) .
14 - [ قال ] محمد : ثم خلط أنواع المطلوبات خلطا ما هو بمحصل لأنه قال : فلا يطلب في العلم الرياضي إقناع ، ولا في العلم الالإهي حس ولا تمثيل ، ولا في أوائل العلم الطبيعي الجوامع الفكرية ولا في الإقناعية ( 5 ) برهان ، ولا في أوائل البرهان برهانا .
مخ ۳۶۶
15 - أوائل العلم الطبيعي هو الهيولاني عنده الآن . والجوامع الفكرية عنده البرهان . وأوائل البرهان ما فوق الطبيعة والفطرة من أوائل الأمر بلا تعريف . وكيف يكون هذا محصلا والعلم الالإهي وأوائل الطبيعة واحد في الإدراك لا يتمثل ، فهلا جمعهما وقال : حسا ولا تمثيلا ؛ وفي الآخر الجوامع الفكرية ، والجوامع الفكرية هي المتمثلات ، وهو قد قال : كهو لا هو لا يدرك إلا اضطرارا .
16 - قال محمد : صحته عندي أن لا يطلب في العلم الرياضي علم الربوبية ؛ وما كان فوق الهيولى إقناعا ، ولكن اضطرارا ، ولا يطلب في أوائل البرهان ، وهو علم الحس ، برهان ، كما ذكرنا في أمر السماء والأرض .
مخ ۳۶۷
17 - ثم ذكر ( 1 ) حقيقة معنى الأزلية فقال : ينبغي أن نقدم القرائن ( 2 ) التي نحتاج إلى استعمالها . فنقول : إن الأزلي هو الذي لم يجب لشيء ( 3 ) هو مطلق ، أي بل هو مطلق ، فالأزلي لا قبل ( 4 ) لهويته ، فالأزلي هو لا قوامة هو [ من ] غيره ( 5 ) ، [ هو ] ولا علة له ولا موضوع ولا محمول ولا فاعل له ولا سبب ، أعني ما من أجله كان ، فلا جنس له ، لأنه إن كان له جنس فهو نوع ، والنوع مركب من جنسه العام له ولغيره ، ومن فصل ليس في غيره ، فله موضوع هو الجنس القابل لصورته وصورة غيره ، ومحمول هو الصورة الخاصية له دون غيره ، فالنوع كله موضوع ومحمول . فالأزلي لا يفسد ، لأن الفساد ( 6 ) إنما هو تبدل المحمول لا الحامل الأول ، فأما الحامل الأول الذي هو الأيس ( 1 ) فليس يتبدل ، لأن الفاسد ليس تتباين إنيته بتباين إبنيته ( 2 ) ، وكل متبدل فإنما يتبدل ( 3 ) بضده الأقرب معه ( 4 ) في جنس واحد كالحرارة ( 94 ظ ) إلى البرودة ، لا بالأبعد ( 5 ) من المقابلة كالحرارة باليبس أو بالحلاوة أو بالطول ، والأضداد المتقاربة هي في جنس ( 6 ) واحد ، فالفاسد جنس ، والأزلي لا جنس له ، فهو لا يتبدل ولا ينتقل من نقص إلى تمام ، لأن الانتقال استحالة ، وهو لا يستحيل . والتام هو الذي ليست له حاله ثانية يكون بها فاضلا ، والأزلي لا يمكن أن يكون ناقصا ، لأنه لا يمكن أن ينتقل إلى حال يكون بها فاضلا ، لأنه لا يمكن أن يستحيل بتة ، فالأزلي تام اضطرارا ، وإذا كان الأزلي لا جنس له ، فما له جنس وأنواع غير أزلي ، فالجرم لا أزلي .
مخ ۳۶۸
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم
18 - قال الموحد : هذا قولنا والرد على من جهل ربه وسماه بغير أسمائه التي سمى بها نفسه ، ووصفه بغير صفاته ، سبحانه وتعالى عن ذلك ، لا نقول في الباري عز وجل كما قال يعقوب بن إسحاق : إنه علة ، فنقض ( 1 ) توحيده وهدم بناءه وكذب نفسه في المقدمات التي برهنها في بدء أقاويله ، وزلت قدمه فهوى ، فلا نقول في الباري عز وجل إنه علة لما بعده إذا نحن أردنا كشف العلل والبلوغ إلى حقائقها في ذواتها والإبانة عنها ، لأنا نوهم السامع أنه من جهة المعلول وجب أن نسميه بعلة ، إذ ليست العلة علة معقولة إلا لمعلول ، ولا المعلول معلول إلا لعلة بالقول إلى مضاف اضطرارا ، فتوهم إذن السامع أن خالقه مضاف إلى كل معلول بغير إطلاق ، تعالى ربنا عن ذلك وتقدس .
19 - والكندي يقولنا بما قلنا بلسانه وينطق به كتابه عنه ويشهد به عليه ، فقد كرر القول وبرهنه أنه عز وجل لا يلحقه المضاف ولا ما شاكل المضاف ، وإن رام أحد بعد أن يخطئ على نفسه فيسميه بعلة [ على ] ألا يكون حينئذ من المضاف في عقله بكل جهده ، لم يجد ذلك ولم يقدر أن ينفي عنه الإضافة من بعد أبدا ، بل أوجب بذلك التبعيض والنهاية ، وكل ما نفى عنه الكندي وغيره إذ سماه علة ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، فلذلك لا نقول نحن إنه علة أفعال المعلولات ، ولا علة المعلولات ، ولا علة العلة ، في مطلبنا هذا الذي نريد به قصد الواحد الصمد جل ثناؤه ، بل نقول : هو الأحد الأول الصمد مبدع العلل ، وهو الذي ( 95 و ) ابتدع المعلولات لأجل تلك العلل التي سبقت منه ، فوجب أن يكون الإبداع من أجلها كائنا تاما متقنا على ما هو عليه من التنضيد والإتقان .
مخ ۳۶۹
20 - فإن سأل سائل عن تلك العلل الأول : هل هي غيره بذواتها وغير الإبداع الكائن منها قيل له : نعم ، ومن أجل تلك العلل الأول البسيطة الانهمال كانت المهويات المركبة في أنفسها حقائق ؛ والعلل الأول هي التي تسمى بالحقيقة عللا ، لأنها وضعت لتكون معلولاتها المتهوية منها بفعال فاعلها عز وجل ، ولا نقول إن العلل كانت لأجل واضعها المخرج لها من عدم ، لأنه الغني عن ذلك والمتعالي عنه عز وجل { ليس كمثله شيء } ( الشورى : 11 ) فهو لا من أجله وجب أن يكون شيء ، لأنه هو لا موضوع لشيء يجب ، فيقال لذلك الشيء إنه من أجله كان ، كما ( 1 ) يقال ذلك في العلل الموضوعة ، سبحانه وتعالى عن ذلك .
21 - فإن قال قائل : فلولاه لم تكن العلل ولا المعلولات . قيل له : نعم ، لولاه لم تكن ، ولكن ليس علة لذلك ، لأن اسم العلة فيه معنى الضرورة إلى معلولها ، وفي المعلول معنى الضرورة إلى علته ، لأن العلة موضوعة للمعلول ، والمعلول محمول على العلة ، فهما مضافان مضطران متصلان غير مفترقين ولا غنيين ، لحاجة كل واحد منهما إلى صاحبه . وليست هذه صفة الخالق الأول الذي كان قبل أن يبدع شيئا غنيا عن كل شيء ، ثم لم يحل به حال لأنه لا لتأخذه الاستحالة فيعود من غني إلى احتياج ، أو من انفراد ( 2 ) إلى اتصال ، أو من وحدانية ( 3 ) إلى تكثر . وفرقان صفته من صفة العلة ، أن العلة منساقة إلى معلولها ، كما ذكرنا ، وهو عز وجل ليس بأولى أن يكون واضعا لها منه بأن لا يكون ، سبحانه وتعالى عن أن يكون أولى بالترك ، لا بإيجاد معرفته منه لإيجادها . كمثل ما يلزم العلل من ضد هذا القول ، بل هو المختار الذي لا يلزمه في أحد المعنيين ولا في شيء منها اضطرار ، لا يلزمه فعل شيء ولا يلزمه ترك شيء ، كلتا الحالتين معدلتان في اختياره . والعلل الموضوعة ليست بأولى بالترك لمعلولاتها وإعدامها منها إلا بترك ما قد جعل لها في قوتها أن تفعله ويوجد منها ، لأنها مضطرة إلى فعل ما جعل فيها فعله .
مخ ۳۷۰
22 - فالأول الغني المتعال جل جلاله بريء مما يلزم الموضوعات من الضرورة لإيجاد ما لها في القوة إيجاد { ليس كمثله شيء } هو الخالق وما سواه مخلوق ( 95 ظ ) ، وهو المختار وما سواه مضطر ، ولذلك لا تلحقه الأسماء المجازية ولا الخفية لحوق اللزوم والتطرد في العقول العالمة به عز وجل ، إنما الأسماء والصفات موضوعة على معنى هي له بدائع ، لا لتلحقه ، كما هي لاحقة الذي هو مركب منها معار جوهرها ، لأنا نقول في الصفات : إنها لاحقة المركبات بجوهرها ، وإن المركبات مركبات من جوهرها مكسبة إياه ، وهذا اللحاق اللاحق الذي لا يلحق بارينا تعالى من صفاته وأسمائه ، وإنما هي دلالات دالة للعقول ، دالة عليه سبحانه وبحمده الواحد الصمد . ونقول إنها ليست بخالقة ولا نقول مخلوقة ، بل هي صفات مجعولة موضوعة ، والخلق مركب منها ، أعني من جوهرها البسيط . وأقول في الأسماء الصوتية : إنها للصفات مثالات باتفاق المعارف ، كائنة ما كانت تلك الأصوات ، كانت من صنع الله تعالى أو من صنع الآدميين ، وأقول ذلك في الأسماء المرقومة كائنة ما كانت من لون مداد أو غير ذلك .
23 - فإن سأل سائل عن تلك العلل الموصوفة البسيطة السابقة ( 1 ) لتهوية المهويات ، قيل له : الاسطقصات الأربع الخارجة من عنده التي هي للخلق موضوعة منفعلة ، بعد إذ هي لا كائنة ولا موجودة ، فهي الاسطقصات الأربع المتهوية المتأيسة ( 2 ) في المكان الجامع لها ، وهي الطبائع الأربع المتأيسة ( 3 ) السابقة للخلق من ربها عز وجل : الأرض والماء والنار والهواء ، هي العلل الموضوعات لتهوية جميع المهويات في المكان الجامع .
24 - فإن قال قائل : فهل من علة أوجبت هذه العلل ، فكانت العلل لأجلها قيل له : العلل ليست بلا نهاية ، لأن هذا ( 4 ) الاسم الذي هو لها جامع يحصرها في الحال للذي له صارت عللا ، فتقصر إليه ضرورة بلا زيادة دائمة . فإن وجد واجد
مخ ۳۷۱
علة داخلة في الحال سوى ما ذكرنا فليأت على ذلك بسلطان بين : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ( الأنعام : 144 ، الأعراف : 37 ، يونس : 17 ، الكهف : 15 ) بأن سماه علة فأدخله بزعمه في حال العلل التي هو عنها متعال في وجود كل ذي عقل ، وهو محدث العلل وواضعها ومدخلها بالاسم والحال ، بلا تبديل لها ما دامت كائنة ، كما وضعها عليه في البدء ، إقامة لدلائل الضرورة فيها ، وإبانة لنفسه عنها بالارتفاع عليها سبحانه وبحمده { تعالى } عما يقول المبطلون علوا كبيرا .
25 - ثم يقال له : هل هي علل إلا لأنها بحال هي بد للمعلولات علل ( 96 و ) موضوعة بذلك البتة ، وأن ذلك حال الفاضل لها من كل معلول خرج منها ويكون من أجلها ، وأنها ليست بأولى بأنفسها منها بإخراج المعلول بتة فهذا بيان الضرورة فيها إن أقررت ، وإن أنكرت جحدت العلل والمعلولات والمتعارف المعقول منها .
26 - فإن قال : سماه علة ، عز وجل ، لأنه للعل بحالها [ ما ] هي لغيرها على مثل سواء ، فهذا الكذب الصراح ، فليأت عليه بسلطان بين ، لأن الحال لا تلزمه ولا تستطيع أن تلحقه صفتها من جهة من الجهات أبدا .
27 - فإن قال : فهل هي للعلل ببعض ما هي لغيرها . قيل له : سبحان الله عن التبعيض والتجزئة ، أو أن يكون نفسه لغيره لا لنفسه ، فإن ظهر له نفي جميع ذلك عنه ، كما هو أهله عز وجل ، بالحقيقة الظاهر ( 1 ) نورها لكل ذي هدى وإنصاف . فما سبيله إذن إلى أن يسميه علة يجب لإيجابه شيء سواه ، كما وجبت أن تكون المعلولات لأجل العلل ، وأن تكون العلل لأجل المعلولات الواجبة منها ضرورة ، وانعطف بعض الخلق على بعض وانحصر في نفسه بما حده له خالقه ، ولم يكن له أن يجاوز الحادث إلى القدم ، ولا المحصور إلى المطلق ، ولا المخلوق إلى الخالق ، إنما نفع اسم من كتب نبوة أو حجة فطرة ، فإن أقر بالنبوة فليس هذا الاسم منها ، وإن ذهب إلى حجة العقول ، فقد ظهر به نفي ذلك عنه سبحانه .
28 - وإن سأل السائل عن حال العلل فقال : وما الحال التي من أجلها صارت عللا ، فلا يجب لتلك الحال أن يكون الباري علة المعلول قيل له : الاشتراك في
مخ ۳۷۲