، فعندها تنتهي الآثار الواردة من الخارج التي تنتقل عن طريق الأعصاب، ومنها تصدر الأوامر للأعصاب فتحرك العضلات فيتحرك الجسم. فهذه الغدة هي الوسيط بين الروح والجسم، تأخذ من الروح أمرها، فترسله إلى الأعصاب فالعضلات، كما تتلقى من الأعصاب ما تأتي به من رسائل من العالم الخارجي وتوصلها إلى الروح. ولكنا يجب أن نلاحظ أن الروح لا تستطيع أن تدفع الجسم إلى الحركة بكل معنى هذه الكلمة؛ لأنه لا يمكن إضافة حركة جديدة إلى الحركة الموجودة بين الأجسام مهما صغر مقدارها، وإلا كان ذلك مناقضا لقانون الطبيعة الأول الذي يقرر أن الحركة في الكون لا تنقص ولا تزيد، وكل ما تستطيعه الروح بواسطة الغدة الصنوبرية هو أن توجه القوى الحيوية الموجودة بطبيعتها في الجسم، فالروح لا تزيد على أن تقود تلك القوى، شأنها في ذلك شأن راكب الجواد الذي يوجه الحركة الموجودة في جواده، ولكنه لا ينشئها من العدم.
وكما أن الروح عاجزة عن خلق حركة جديدة في الجسم غير التي به، فإن الجسم كذلك عاجز عن خلق أفكار جديدة في الروح (أي العقل) غير التي فيها، فليست الحواس تضيف إلينا فكرا جديدا، بل إن عملها محصور في أنها تترك في المخ آثارا تشبه الثنيات التي تحدث في قطعة من الورق عند طيها، وهذه الثنيات تعاون الروح على بعث شيء من أفكارها الكامنة فيها مما يكون شبيها بهذه الصور التي جاءت بها الحواس من الخارج، فإذا ما أثيرت فكرة وانبعثت، فإنها تحاول بواسطة الغدة الصنوبرية أن تشق لنفسها طريقا إلى القلب من خلال المسام التي في المخ وفي سائر أجزاء الجسد، وكلما تكررت هذه العملية من فكرة ما، كانت المسام أسهل انفراجا، وكان مرور الفكرة وذهابها من العقل إلى القلب أهون وأيسر، فإذا ما تيسر للفكرة اتصالها بالقلب حدثت حولها عاطفة تقويها وتزيد من أثرها، ولكنها في الوقت نفسه تكون سببا في غموض الفكرة وتهويشها؛ لأنها نشأت من علاقة الروح بالجسد. وعلى ذلك فالعواطف أشد العوامل أثرا في طمس ما تتصف به الأفكار العقلية من وضوح.
ويرى «ديكارت» أنه يمكن للعقل أن يسيطر على العواطف، ويقول إنه حتى أضعف العقول يستطيع بالصبر أن يوفق إلى السيطرة على العواطف كما نستطيع أن نروض أعنف الكلاب. فإذا تم للعقل هذا انقلبت العواطف وسيلة حسنة وأداة قويمة لبلوغ الغاية التي ننشدها ؛ ألا وهي الخير؛ لأن الخير الذي يدركه العقل إدراك معرفة إنما يقوى أثره في نفوسنا لو مثلته لنا العواطف شيئا جميلا، إذ لا يكفي أن تعلم الخير بعقلك، بل يجب أن ترغب فيه بعواطفك أيضا.
وتتلخص الأخلاق عند ديكارت في السيطرة على العواطف، وفيما ينتج عن ذلك من رغبة فيما نعلم أنه حق وخير، وهذه الرغبة في أن نحيا حياة فاضلة ينشأ عنها اطمئنان الضمير، وهو أوفى جزاء للأخلاق. (1-4) مالبرانش
Nicolas Malepranche
لقد رأيت في حديثنا عن ديكارت كيف أنه حلل الوجود إلى عنصرين متضادين هما: العقل والمادة، فلما أن تصدى للبحث في الإنسان، وأراد أن يفسر ما فيه من اتحاد ظاهر بين العقل والجسد، فرض أن في المخ غدة خاصة تنظم الصلة بينهما، فعن طريقها تصل الآثار الحسية إلى العقل كما تصدر الأوامر من العقل إلى الأعصاب، فالعضلات بواسطتها أيضا.
جاء بعد ديكارت تلميذ من تلاميذه الكثيرين هو «جلنكس»
Geulinex
فتناول فلسفة أستاذه بتعديل طفيف، إذ أراد أن يبلغ بالمذهب الإثنيني حدا من التطرف أبعد مما ذهب إليه أستاذه، فعمد إلى هذا البرزخ الضيق الذي فرضه ديكارت صلة بين العقل والجسد في الإنسان، فبتره بترا، وأنكر أن يكون ثمة وسيط ينقل الصور الحسية من العالم المادي إلى إدراكنا العقلي، أو يحمل الأوامر العقلية إلى الأعضاء لتحريكها، ولكن بماذا إذن يفسر جلنكس هذه العلاقة بين العقل والجسم، وهي ظاهرة تدل عليها التجربة دلالة لا تقبل الشك؟ يرى جلنكس أن هذه العلاقة لا تتم إلا بتدخل الله في الأمر، بما له من قوة مطلقة. فإذا ما انطبع على أعضاء الحس أثر جاءها من العالم الخارجي، وتريد أن تنقله إلى العقل، أو عندما يرغب العقل في أن يحرك أحد أعضاء الجسد، فإن الله هو الذي يتمم هذا أو ذاك بمعجزة منه، أي دون أن يتصل الجسم بالعقل، أو العقل بالجسم فيما يريد أحدهما أن ينقل إلى الآخر، ولما كانت هذه الرابطة بين العقل والجسم معتمدة على المصادفة، سمي المذهب بمذهب المصادفة أو الاتفاق
Occasionalism
ناپیژندل شوی مخ