واحتقن بالغضب صدره، عز عليه جدا ألا يحظى على حبه العظيم إلا بهذا الإعراض البارد المتعجرف، وحز في نفسه ألا يتمخض غضبه إلا عن الحب والولاء، وإلا يرد اللطمة إلا بالابتهال والدعاء، ولو كان المتجني عليها شخصا آخر، ولو كان حسين شداد نفسه لقطعه دون تردد، أما وهو المعبود فقد ردت شظايا الغضب إلى نحره، وانصبت العداوة على هدف واحد هو نفسه، فنزعت به الرغبة في الانتقام إلى إنزال العقاب بالجاني - الذي هو نفسه - قضى عليها بالحرمان من الدنيا، وامتلأ بشعور عنيد محزون أملى عليه الإعراض عنها إلى الأبد. رضي فيما رضي بصداقتها، بل اعتبرها فوق أحلام مطمعه بالرغم من أن قوة حبه تضيق عنها السماوات والأرض، ورضي أكثر من هذا باليأس من حبها قانعا من عربدة الأماني بابتسامة حلوة أو كلمة رقيقة، ولو تكون ابتسامة الوداع وكلمته، غير أن التجاهل أحزنه وأذهله وخبله، ثم من الدنيا جميعا نبذه، ولعله أتاح له أن يشعر بشعور الميت لو كان ميت يشعر، لم ترحمه الفكر ساعة من ساعات يقظته طول الأسبوع الذي قضاه بعيدا عن قصر آل شداد، وتهالك شعوره في اجترار الخيبة التي قرعته لحظة بعد أخرى، وهو في البيت صباحا يفطر على مائدة أبيه، وهو في الطريق يسير بحواس زائفة، وهو في مدرسة المعلمين يسمع بعقل غائب، وهو يقرأ مساء بانتباه مشتت، وهو يتذلل للنوم كي يقبله في ملكوته، ثم وهو يفتح عينيه في الصباح الباكر فإذا بالفكر تتخاطفه كأنما كانت على عتبة الوعي ترصده، أو كأنما هي التي طرقته بجزع النهم كي تواصل التهامه كرة أخرى، ألا ما أفظع النفس إذا خانت صاحبها!
ويوم الجمعة ذهب إلى قصر الحب والعذاب، فبلغه قبل الميعاد المعتاد بقليل. لماذا ترقب هذا اليوم بصبر نافد؟ ماذا يرجو عنده؟ هل يطمع أن يجد ولو نبضا بطيئا ضعيفا؛ ليوهم نفسه بأن جثة الأمل لم تفارقها الحياة بعد؟ هل يحلم بمعجزة ترد معبوده إلى الرضا على غير انتظار وبلا سبب كما غضب على غير انتظار وبلا سبب؟ أو أنه يستزيد من الجحيم نارا ظمأ إلى برودة الرماد؟ سار في ممر الذكريات إلى الحديقة، وإذا به يرى عايدة جالسة على كرسي واضعة بدور على حافة المائدة أمامها، وليس في الكشك سواها أحد. توقف عن المسير وفكر في العودة إلى الخارج قبل أن تلتفت ناحيته، ولكنه نبذ هذه الفكرة بتحد وازدراء، وتقدم صوب الكشك تدفعه رغبة شديدة في مواجهة العذاب وكشف النقاب عن اللغز الذي فتك بأمنه وسلامه، هذا الكائن اللطيف الجميل، هذا الروح الشفاف المتنكر في فستان امرأة، هل يدري ماذا فعل به جفاه؟ هل ينام ضميره قرير العين لو شكا إليه ما عاناه، ما أشبه استبداده باستبداد الشمس بالأرض الذي قضى عليها بأن تدور حولها في دائرة مرسومة - لا تقترب منها فتندمج، ولا تبتعد عنها فتنتهي - إلى الأبد! لو تجود بابتسامة فيتداوى بها من آلامه جميعا؟ وكان يقترب منها متعمدا أن يحدث في مشيته صوتا لتنبيهها، فأدارت رأسها نحوه كالمتسائلة، ثم لم تفصح أساريرها عن شيء، فوقف على بعد ذراعين من مجلسها، وحنى رأسه في خشوع، وقال باسما: صباح الخير.
فحنت رأسها حنوة صغيرة، ولكنها لم تنبس، ثم نظرت فيما أمامها.
لم يعد ثمة شك في أن الأمل جثة هامدة. وخيل إليه أنها ستصيح به: «اذهب عني برأسك وأنفك حتى لا يحجبا عني ضوء الشمس!» غير أن بدور لوحت له بيدها، فمالت عيناه إلى وجهها الجميل المشرق، ومضى نحوها ليداري في عطفها البريء هزيمته فتعلقت بذراعيه، فهوى برأسه إليها وقبل خدها قبلة حنان وامتنان، وإذا بالصوت الذي فتح له فيما مضى أبواب الموسيقى الإلهية يقول بجفاء: من فضلك لا تقبلها، القبلة تحية غير صحية.
ندت عنه ضحكة حائرة لم يدر كيف ولا لم ندت، ثم امتقع لونه، وبعد دقيقة واجمة ذاهلة قال منكرا: إنها ليست القبلة الأولى فيما أذكر.
فرفعت كتفيها كأنما تقول «هذا لا يغير من الحقيقة شيئا!» آه، أيمضي إلى أسبوع جديد من العذاب دون أن ينطق بكلمة دفاعا عن نفسه؟ - اسمحي لي أن أتساءل عن سر هذا التغير الغريب، فقد جعلت أتساءل عنه طوال الأسبوع الماضي دون أن أظفر بجواب!
لم يبد عليها أنها سمعته، وبالتالي لم تعن بالرد عليه؛ فعاد يقول وقد وشى صوته بحيرته وألمه: إن ما يحزنني حقا هو أني بريء لم أجن ما أستحق عليه العقاب.
ولم تزل مصرة على الصمت، فخاف أن يجيء حسين قبل أن يستدرجها إلى الكلام، فبادر يقول بلهجة جمعت بين التشكي والترجي: ألا يستحق صديق قديم مثلي أن يكاشف على الأقل بذنبه؟
فرفعت نحوه جانب رأسها، ولحظته بنظرة مكفهرة اكفهرار السحاب المنذر بالمطر، ثم قالت بلهجة غاضبة: لا تدع البراءة الكاذبة.
يا رب السماوات هل ترتكب الذنوب بلا وعي من الجاني؟ قال في نبرات متدافعة، وهو يربت بحركة آلية يدي بدور التي حاولت أن تجذبه إليها وهي لا تدرك مما يدور شيئا: صدقت ظنوني وا أسفاه، هذا ما حدثني به قلبي فكذبته، إني مذنب في نظرك، أليس كذلك؟ ولكن بأي ذنب تتهمينني؟ خبريني وحياتك، لا تنتظري أن أكون البادئ بالاعتراف لسبب بسيط؛ وهو أنني لم أجن شيئا يستحق الاعتراف، مهما أنقب في زوايا نفسي وحياتي وتاريخي فلن أعثر على نية أو كلمة أو فعل وجه ضدك بسوء، إني أعجب كيف لا تأخذين هذا مأخذ البديهات من الأمور؟
ناپیژندل شوی مخ