نزهة المشتاق في اختراق الآفاق

نزهة المشتاق في اختراق الآفاق

خپرندوی

عالم الكتب

شمېره چاپونه

الأولى

د چاپ کال

١٤٠٩ هـ

د خپرونکي ځای

بيروت

الشريف الإدريسي
ولد «محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس بن يحيى بن علي بن حمود ابن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب»، المعروف بالشريف الإدريسي، والحمودي، والصقلي، والقرطبي في مدينة «سبتة» في المغرب سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة للهجرة (١١٠٠ م) . ومنها كان منطلقه إلى بلدان المغرب حيث نشأته الأولى بها بحثا عن العلم والمعرفة هناك، تماما كما كانت قرطبة- فيما بعد- نقطة انطلاق لجولات كثيرة في الأندلس إلى أن قدّر له الارتحال إلى المشرق العربي لزيارة مصر وغيرها، ثم العودة منه إلى «سبتة»، حيث استقدمه «رجار الثاني» - ملك صقلية- إليها سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة للهجرة (١١٣٨ م) . ليستقر بها، مقربا من بلاط الملك، الذي أكرم نزله، وبالغ في تعظيمه، بحيث كان يأتي إليه راكبا، فإذا صار عنده تنحى عن مجلسه، وأجلسه بجانبه، وقد رتبت له كفاية لا تكون إلا للملوك على حد قول «الصفدي» فيه.
ويبدو أن هذه المعاملة، وهذا العيش الرغد لم يتبدلا بعد وفاة «رجار» (ت ٥٤٨ هـ / ١١٥٤ م)، وأن «الإدريسي» قد عاش عيشة رغدة في كنف خلفه «غليالم الأول» - وإن تبدلت حال الدول- إلى أن قدرت وفاته هناك سنة ستين وخمسمائة للهجرة (١١٦٥- ٦٤ م)، على أرجح الأقوال.
آثاره
لم يكن الإدريسي جغرافيًا، خرائطيًا فقط، وإنما كان مع ذلك عالمًا متعدد المعارف والمهارات، تذكر له مشاركة في كثير من فروع العلم الأخرى، كالصيدلة، والطب، والنباتات، كما كان أديبا جيد الأدب، شاعرًا و..
يبدو أنه ترك في كلّ مؤلفات متعددة، وإن لم يبق منها أو من ذكراها سوى:
- الجامع لأشتات النبات، ويعرف كذلك باسمي: «المفردات»، و«الأدوية المفردة» .
- روض الأنس ونزهة النفس، أو المسالك والممالك.
- نزهة المشتاق في اختراق الآفاق.

ناپیژندل شوی مخ

[المجلد الاول]
الإدريسي وكتابه «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»
دراسة وتعريف
حياته:
ولد «محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس بن يحيى بن علي بن حمود ابن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب»، المعروف بالشريف الإدريسي، والحمودي، والصقلي، والقرطبي في مدينة «سبتة» في المغرب سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة للهجرة (١١٠٠ م)، ومنها كان منطلقه إلى بلدان المغرب حيث نشأته الأولى بها بحثا عن العلم والمعرفة هناك، تماما كما كانت قرطبة- فيما بعد- نقطة انطلاق لجولات كثيرة في الأندلس إلى أن قدّر له الارتحال إلى المشرق العربي لزيارة مصر وغيرها، ثم العودة منه إلى «سبتة»، حيث استقدمه «رجار الثاني» - ملك صقلية- إليها سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة للهجرة (١١٣٨ م) . ليستقر بها، مقربا من بلاط الملك، الذي أكرم نزله، وبالغ في تعظيمه، بحيث كان يأتي إليه راكبا، فإذا صار عنده تنحى عن مجلسه، وأجلسه بجانبه، وقد رتبت له كفاية لا تكون إلا للملوك- على حد قول «الصفدي» فيه.
ويبدو أن هذه المعاملة، وهذا العيش الرغد لم يتبدلا بعد وفاة «رجار» (ت ٥٤٨ هـ/ ١١٥٤ م)، وأن «الإدريسي» قد عاش عيشة رغدة في كنف خلفه «غليالم الأول» - وإن تبدلت حال الدول- إلى أن قدرت وفاته هناك سنة ستين وخمسمائة للهجرة (٦٤- ١١٦٥ م)، على أرجح الأقوال.
وللأول منهما كان قيامه بأعباء تصنيف «نزهة المشتاق»، حيث أمضى في جمع وترتيب مادته قرابة الخمسة عشر عاما، وللثاني كان اضطلاعه بتأليف «روض الأنس ونزهة النفس»، مختصرا فيه كتابه الأول.
€

المقدمة / 1

مصنفاته:
لم يكن الإدريسي- فيما نعلم- جغرافيا، خرائطيا- فقط- وإنما كان مع ذلك عالما متعدد المعارف والمهارات، تذكر له مشاركة في كثير من فروع العلم الأخرى، كالصيدلة، والطب، والنباتات، كما كان أديبا جيد الأدب، شاعرا..
يبدو أنه ترك في كلّ مؤلفات متعددة، وإن لم يبق منها أو من ذكراها سوى:
١- الجامع لأشتات النبات، ويعرف كذلك باسمي: «المفردات»، و«الأدوية المفردة» .
وهو مؤلف دال على علم واسع بالنباتات والأعشاب والأدوية، امتاز بالدقة في رسم أسماء العقار ووصف خصائصه، تحتفظ مكتبة الفاتح في استامبول بشطر منه، يحتوي على ثمان وأربعين ومائة ورقة، تحت رقم: ٣٦١٠، وعنه مصورة دار الكتب المصرية، ذات الرقم: ١٥٢٤.
٢- روض الأنس ونزهة النفس، أو المسالك والممالك، وهو مخط.
مفقود حتى الآن، وإن بقي له مختصران، أحدهما في مكتبة حكيم أوغلو في استانبول برقم: ٦٨٨، والآخر في دمشق، يحملان عنواني: «أنس المهج وروض الفرج»، أو «روض الفرج ونزهة المهج»، ويقع أولهما في اثنتين وستين ومائة ورقة.
٣- نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، وهو هذا، والذي أشار في فاتحته إلى أنه فرغ من تأليفه- بعد خمسة عشر عاما- في شوال سنة ثمان وأربعين وخمسمائة للهجرة (يناير ١١٥٤ م) .
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق:
رسم «الإدريسي» خريطة كروية شاملة للعالم- معتمدا فيها على خريطة «بطلميوس» بعد تصحيحها- مقسما محيط الكرة الأرضية طولا إلى عشرة أجزاء متساوية، بخطوط تبدأ من قطب الكرة الأعلى، وتنتهي عند قطبها الأسفل، جاعلا الخط الرئيس فيها هو الخط المار بالجزائر الخالدات في المحيط الأطلسي، ثم عمد إلى تقسيمها إلى سبعة أحزمة عرضية فوق خط الاستواء (تنقسم في داخلها إلى تسعين قسما أو درجة، منحصرة فيما بين خط الاستواء والقطب الشمالي)، وبذلك انقسمت خريطته إلى سبعين جزءا، نقلها إلى
€

المقدمة / 2

مستطيلات، عمد إلى شرحها والتعريف بها طبيعيا وبشريا في «النزهة»، مقسما كتابه إلى مقدمة مقتضبة، أتبعت بسبعة أبواب، ضمت في داخلها سبعين فصلا.
أما المقدمة، فقد اشتملت على:
١- ذكر هيئة الأرض، وقسمتها بأقاليمها، وذكر البحار بمبادئها وانتهاءاتها وأحوازها، وما يلي سواحلها من البلاد والأمم، وقد انبنت- في معظمها- على مفهومات علمية صحيحة عن كروية الأرض «والأرض في ذاتها مستديرة، لكنها غير صادقة الاستدارة»، وخط الاستواء «والأرض مقسومة بقسمين، بينهما خط الاستواء»، والأقاليم المناخية المتدرجة شمالا وجنوبا من خط الاستواء، واستطراق البحار بعضها إلى بعض، وتعادل منسوب الماء ...
وتلك مفهومات علمية يؤكد ثباتها في فكر موردها عدم تعارضها لديه بنظريات أخرى يترك لقارئ كتابه الموازنة فيما بينها في سبيل الحكم عليها أو الاختيار منها، كما فعل سابقوه من الجغرافيين والرحالة المسلمين في مؤلفاتهم.
٢- دافعه إلى تأليف كتابه هذا، وهو رغبة «رجار الثاني» - ملك صقلية- في الوقوف على حقيقة العالم، بكتاب مطابقي للخريطة الكروية المصورة له، «غير أنه يزيد عليها بوصف أحوال البلاد والأرضين في خلقها وبقاعها، وأماكنها، وصورها، وبحارها، وجبالها، ومسافاتها، ومزدرعاتها، وغلاتها، وأجناس بنائها، وخواصها، والاستعمالات التي تستعمل بها، والصناعات التي تنفق بها، والتجارات التي تجلب إليها وتحمل منها، والعجائب التي تذكر عنها وتنسب إليها، وحيث هي من الأقاليم السبعة، مع ذكر أحوال أهلها وهيئاتهم وخلقهم ومذاهبهم وزيهم وملابسهم ولغاتهم» .
٣- تنظيم الكتاب إلى أبواب سبعة، ينقسم كل منها في داخله إلى أجزاء عشرة.
٤- التنبيه على احتواء الكتاب على اثنتين وسبعين خريطة توضيحية- خلت هذه الطبعة منها- «... ورسمنا في كل واحد من هذه الأجزاء ما له من المدن والأكوار والعمارات، ليرى الناظر في ذلك ما خفي عن عيانه أو لم يبلغه علمه، أو لم يمكنه الوصول إليه لتعذر الطرقات واختلاف الأمم، فيصبح له الخبر بالعيان، ومبلغ أعداد هذه المصورات الآتية بعد هذا سبعون مصورة، غير
€

المقدمة / 3

النهايتين اللتين إحداهما نهاية المعمورة من جهة الجنوب، وأكثرها خلاء لشدة الحر وقلة المياه، والنهاية الثانية نهاية المعمورة في جهة الشمال، وأكثرها خلاء لشدة البرد، وأيضا بان مع ما ذكرناه وقدمنا وصفه أن الناظر إذا نظر إلى هذه الصفات المصورة والبلاد المذكورة رأى منها وضعا صحيحا وشكلا صبيحا، لكن يبقى عليه بعد ذلك أن يعلم صفات الممالك وهيئات الأمم وحلاها وزيها وطرقاتها المسلوكة بأميالها وفراسخها وعجائب بلادها» .
وأما الأبواب السبعة المتتالية، فقد خصّص كل باب منها للتعريف بإقليم من هذه الأقاليم «السبعة» المتعارف عليها في الجغرافية القديمة لدى «بطلميوس» ومن تابعه، مع توزيعها في داخلها على عشرة أجزاء، يسير في وصفها من الغرب إلى الشرق، ابتداء بالمحيط الأعظم (الأطلسي) عند الجزائر الخالدات، وانتهاء ببحر الصين، معتمدا في هذه الطريقة الوصفية على «المدن» كنقط ارتكاز للوصف، وكأنه يسير في رحلة في نواحي الجزء الذي يصفه.
وبهذا نجد أن «النزهة» قد امتازت عن غيرها من المؤلفات الجغرافية التراثية السالفة عليها بأنها تحمل تصورا عاما يشمل الكرة الأرضية كلها على أنها «كل واحد» جدير بالوصف والتحقيق، المبني على المشاهدة، والقياس، والمقارنة، والربط بين الأجزاء، مع مراعاة النسب فيما بينها، وإن أدى تقسيمها إلى أبواب وفصول إلى تقطيع البلد الواحد في أجزاء متناثرة في الأقاليم، يتطلب جمعها مجهودا خاصا.
مصادر مادة الكتاب:
أجمل «الإدريسي» في مقدمة كتابه جل مصادره، قائلا: «... فمن بعض معارفه (معارف رجار الثاني) السنية، ونزعاته الشريفة العلوية، أنه لما اتسعت أعمال مملكته، وتزايدت همم أهل دولته، وأطاعته البلاد الرومية، ودخل أهلها تحت طاعته وسلطانه، أحب أن يعرف كيفيات بلاده حقيقة، ويقتلها يقينا وخبرة، ويعلم حدودها ومسالكها برا وبحرا، وفي أي إقليم هي، وما يخصها من البحار والخلجان الكائنة بها، مع معرفة غيرها من البلاد والأقطار في الأقاليم السبعة التي اتفق عليها المتكلمون، وأثبتها في الدفاتر الناقلون والمؤلفون، وما لكل إقليم منها من قسم بلاد يحتوي عليه ويرجع إليه، ويعد منه، بطلب ما في الكتب المؤلفة في هذا الفن من علم ذلك كله، مثل: كتاب
€

المقدمة / 4

العجائب للمسعودي، وكتاب أبي نصر، سعيد الجيهاني، وكتاب أبي القاسم عبيد الله بن خرداذبة، وكتاب أحمد بن عمر العذري، وكتاب أبي القاسم محمد الحوقلي البغدادي، وكتاب خاناخ بن خاقان الكيماكي، وكتاب موسى بن قاسم القردي، وكتاب أحمد بن يعقوب المعروف باليعقوبي، وكتاب إسحاق بن الحسن المنجم، وكتاب قدامة البصري، وكتاب بطلميوس الأقلودي، وكتاب أرسيوس الأنطاكي.
فلم يجد ذلك فيها مشروحا مستوعبا مفصلا، بل وجده فيها مغفلا، فأحضر لديه العارفين بهذا الشأن، فباحثهم عليه، وأخذ معهم فيه، فلم يجد عندهم علما أكثر مما في الكتب المذكورة، فلما رآهم على مثل هذه الحال بعث إلى سائر بلاده، فأحضر العارفين بها المتجولين فيها، فسألهم عنها بواسطة جمعا وأفرادا، فما اتفق فيه قولهم، وصح في جمعه نقلهم، أثبته وأبقاه، وما اختلفوا فيه أرجأه وألغاه، وأقام على ذلك نحوا من خمس عشرة سنة لا يخلي نفسه في كل وقت من النظر في هذا الفن، والكشف عنه، والبحث عن حقيقته إلى أن تم له فيه ما يريده» .
ومن هذا النص على طوله نستنتج الآتي:
أولا- أن «النزهة» قد كتبت في ظروف غير اعتيادية، إذ هي تؤلف في جوّ علمي خالص، يعتمد على المكتوب والمسموع والمشاهد، وتلك بيئة علمية أتيحت لها في بلاط ملك عاشق لموضوعها، باحث عن معطياتها.
ثانيا- أن المصادر المصرح في المقدمة بالأخذ عنها قد كتبت في معظمها في القرن الرابع الهجري، بينما كان تحرير «النزهة» في القرن السادس الهجري، فهل كان هناك قصور لدى مؤلفها في الإحاطة بمصادر ما هو بصدد الكتابة فيه؟
هذا ما مال إليه البعض ممن تعرض للإدريسي بالتعريف، ولمؤلفه بالدراسة والبحث، وهو مما لا يتطابق مع الواقع الملموس، المتبدى في سائر مادة الكتاب، إذ جرت عادة المؤلفين المسلمين- فيما قبل وبعد الإدريسي- على الاقتصار في مقدمات مؤلفاتهم على التصريح ببعض المصادر دون بعض، مع الاختلاف النسبي في درجة الأهمية المكتسبة للمؤلف المصرح بالأخذ عنه، سواء بالنقل المتتابع عنه، أو بأهميته في ذاته.. كما أن مصادر «النزهة» غير
€

المقدمة / 5

المصرح بالأخذ عنها في المقدمة، قد نسب إلى معظمها في مادة الفصول والأبواب، كنحو إسناده إلى «الجاحظ» في كتابه «الحيوان» وغيره، بل نجده قد صرح من خلال مادة الكتاب- كذلك- بأسماء بعض المصادر التي اكتفى في المقدمة بذكر مؤلفيها إهمالا لمسمياتها، كنحو إسناده إلى «قدامة» في كتابه «الخزانة»، وليس «الخراج» كما توهم البعض.
ثالثا- أن جل اعتماد «الإدريسي» في جمع مادته على الجوالة والتجار، أو بمصطلح عصرنا «شاهد العيان»، ولذا كثيرا ما تطالعنا في ثنايا الكتاب مواد مسندة إلى هذا الصنف من المصادر، كنحو قوله: «ولقد أخبر بعض السفار الثقات، وكان قد تجول في بلاد السودان نحوا من عشرين سنة ...»، «...
وهذا مشهور معلوم، يعلمه تجار أهل تلك البلاد، ويحكونه عنهم»، «وحكى بعض المسافرين إلى مدائن كوار أن ...»، «حكى بعض المخبرين أن ...»،
«ونأتي فيه بما ذكره المتجولون، ونقله المسافرون، واتفقت عليه أقاويل الناقلين، حسب الطاقة ومبلغ الجهد» .
رابعا- أن كل ذلك قد امتزج امتزاجا طيبا بمشاهدات «الإدريسي» عينه، وخبراته كرحالة وجغرافي وخرائطي.
تقويم مادة الكتاب:
لم يقتصر «الإدريسي» في «النزهة» - كما قدمنا- على الجغرافية الطبيعية البحتة، بعناصرها، وإنما عني إلى جانبها بالجغرافية البشرية بشتى عناصرها المتاحة لديه، بما يخدم مجالات المعرفة الأخرى، من اجتماع ونظم وعقائد وتأريخ وأدب ... كما لم ينحصر دوره فيها على جمع وتنظيم المعلومات في أبواب وفصول، وإنما كان- علاوة عن ذلك- صاحب رؤية علمية، وذوق فطري سليم، صاحبا أكثر مادة الكتاب، وتبديا في عقد كثير من الموازنات بين ما شهرت به المدن لديه من بناء وعمارة، أو مزروعات ومعادن، أو معايش وتجارات، وما وصف به بعض الأجناس البشرية في مواضع بالجمال الفائق، وفي أخرى بالقبح الفاحش، مع التعليل في كل، وما تطرق إليه من تعديد أنواع الصنف الواحد من المخلوقات، والموازنة فيما بينها من خصائص وصفات، على نحو ما سوف يطالعك من تعديد للموز والأسماك والحديد، والتعريف ببعض الحيوانات، وطرقهم في تحصيل معايشهم بصيد «الأسماك» و«الحيتان»
€

المقدمة / 6

و«القردة»، أو استخراج «الملح» من الملاحات، أو جمع «القرنفل» و«العود»، وما يتطرق إليهما من الغش والتدليس.
يضاف إلى ذلك استبعاده لمئات من الخرافات التي وردت فيما اطلع عليه من مؤلفات، ورد الكثير منها بالمنطق المعقول، ومنه قوله:
«... وحكى الجاحظ في كتاب الحيوان أن هذه الدابة (الكركدّن) تقيم في جوف أمها سبع سنين، وأنها تخرج رأسها وعنقها من فرج أمها، فترعى الحشيش، ثم تعيد رأسها إلى جوف أمها، فإذا ابتدأ تكون قرنها امتنعت عن الخروج للرعي على حسب عادتها، فتنقر في جوف أمها حتى تبقر جوفها، وتخرج، فتموت الأم.
وهذا محال من قوله، غير مسموع، لأن الأمر لو كان كما وصفه لفني هذا النوع حتى لا يوجد إلا ذكره» .
وإن لم يسلم «الإدريسي» مع ذلك من التسليم ببعض الخرافات والأخطاء العلمية، التي أملتها عليه طبيعة العصر، وقصور ما تحت يديه من المصادر والروايات، كنحو قوله بجبل «قاف»، واعتقاده بثبات الأرض وسط قبة الهواء، ودوران الكواكب الأخرى حولها، وقتل بعض الحيات للناس بالنظر، والتسليم بولادة السلاحف والأسماك وإرضاعها لصغارها، ومسخ الظالمين إلى تماثيل حجرية، وتطاير الأقزام من البشر في الهواء إيذانا بإتيان الرياح.. وإن سلم في معظمها بأنها «عجائب يقع واصفها في حد التكذيب» أو أنها «أمور لا تقبلها العقول من جهة الإخبار عنها، لكن الله على ما يشاء قدير» .
ولذا تفاوتت القيمة العلمية لأجزاء الكتاب، تبعا لتفاوت ما توفر لمؤلفه من مادته، بحيث لا ترقى معلوماته عن «مصر» أو «الصين» إلى منزلة تلك الواردة بشأن «جزيرة العرب» و«المغرب» و«صقلية» و«الأندلس» ... وهكذا.
هذه الطبعة من الكتاب:
طبعت النزهة طبعات متعددة، كاملة أو منفصلة الأجزاء، متفاوتة طولا وقصرا، فكانت أقدمها على الإطلاق، تلك الطبعة العربية الصادرة في مدينة «ميديشتي» في روما سنة ١٥٩٢ م. باسم: «نزهة المشتاق في ذكر الأمصار والأقطار والبلدان والجزر والمدائن والآفاق» وهي طبعة مكتملة نسبيا، وإن شابتها أخطاء كثيرة، اعتنى بإبرازها كثير من المستشرقين.
€

المقدمة / 7

كما طبعت أجزاء متفرقات منها في كل من: «باريس» سنة ١٦١٩ م، و«مدريد» سنة ١٧٩٩ م، و«لبسك» سنة ١٨٢٨ م، و«ليون» سنة ١٨٦٤ م، و«مدريد» سنة ١٨٨١ م، و«روما» سنة ١٨٨٥ م.
ثم سعى «المعهد الإيطالي للشرق الأدنى والأقصى» في روما، في جمع مصورات الكتاب المخطوطة، ونشرها على أيدي أساتذة متخصصين، فصدر الكتاب في تسعة أجزاء فيما بين سنتي ١٩٧٠ و١٩٨٤ م اشتملت الثمانية الأولى منه على متن الكتاب، بينما خصص تاسعها للفهارس العلمية.
وحرصا من «عالم الكتب» على توفير نشرة علمية من هذا الكتاب القيم لقرائها الأعزاء، فإنها قامت بضم أجزاء هذا الكتاب إلى بعضها في مجلدين اثنين، روعي فيهما القسمة العلمية، بحيث ينتهي كل مجلد منهما بنهاية آخر الأبواب أو الأقاليم المبحوثة فيه، مع الحفاظ على الترقيم الأصلي لصفحات الكتاب، باعتبار هذه الطبعة هي الطبعة العلمية المرجوع إليها حتى الآن لدى الباحثين والدارسين؛ وإن عدلت في هذه الطبعة أرقام الصفحات لتأتي بأرقام عربية، متتابعة من اليمين إلى اليسار، مع تعريب عنوانات الأبواب والفصول، فضلا عن إعادة صف الفهارس بالحروف الطباعية العربية المناسبة لطبيعة القارئ العربي وذوقه، والذي تسعى الدار- دائما- إلى تزويده بكل ما هو جيد ومفيد في بابه.
وبالله التوفيق، ومنه العون والسداد.
الناشر

المقدمة / 8

مقدّمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
الحمد لله ذي العظمة والسلطان والطول والامتنان والفضل والإنعام والآلاء الجسام الذي قدر فحكم ورزق فأنعم وقضى فأبرم ودبر فأتقن وذرأ وبرأ فأحسن ما صور فاتصلت بالعقول معرفته وقامت في النفوس حجته ووضح للعيون برهانه وقهر الألباب قدرته وسلطانه الهادي إلى سبيل عزه تفضلا وإرشادا والدالّ على ارتباط النعم به قولا واعتقادا جاعل عجائب مخلوقاته وبدائع مصنوعاته سبيلا إلى معرفته وسلما إلى علم قدمه وأزليته وإن في بعض ما خلق لعبرة لأولي الأبصار وذكرى لذوي الخواطر الصقيلة والأفكار فمن آياته خلق السماوات والأرض فأما السماء فرفع سمكها ونظم سلكها وزينها بالنجوم وجعل فيها الشمس والقمر آيتين يستضاء بهما في الليل والنهار ويستعلم بمجاريهما تعاقب الدهور والأعصار فأما الأرض فبسط مهادها وأرسى أطوادها وأخرج منها ماءها ومرعاها وأسكنها خلقه فبوأهم أملاكها وأجرى لهم أفلاكها وعرفهم مسالكها وعلمهم منافعها ومضارها وهداهم إلى السير فيها برا وبحرا وسهلا ووعرا كل ذلك منه جلت قدرته بحكمة وتدبير ومشيئة وتقدير فتعالى من هذا ملكه وسلطانه وصنعه وبرهانه.
فإن أفضل ما عني به الناظر واستعمل فيه الأفكار والخواطر ما سبق (إليه)

1 / 3