سر هائل في هذا الكون يجعل القوة سائدة وهي مفصولة عن الخير، فكأنما قد قدر على الصلاح أن يلازم الضعف ويرضخ أبدا للجور، فيفتخر بالانكسار وتكون حياته بالضحية.
توسط القمر كبد السماء، وأصبحت أشعته الساقطة عموديا على الأرض تقصر الأشباح، وتضم كل خيال لجرمه، فأنيرت المروج العارية حول الصفصافة، وأصبح خيالها مستديرا يغطي جذعها والدائرة المنبسطة حولها، فكأن القمر رأى ما سيكون هنالك فضن على المجرم بنوره، وخشي أن تتلطخ أشعته الفضية بدماء الطهارة المهدورة.
هنالك لم يكن حبيبان، هنالك لم يكن غير خادع ومخدوع، قاتل وقتيل. •••
ساد السكوت وتوالت الساعات وكان القمر قد جنح إلى جانب الأفق محمرا كأنه متشرب من أبخرة الجريمة المستورة، ودامت الأرض سائرة في هذا الكون الفسيح لتتمم دورتها اليومية.
تكحل الشرق بغبار ذهبي، وهب نسيم الصبح عليلا ليحيي الروض الشاخص إلى السماء بجمود المفتكر، فاتخذت مياه الغدير لونا ذهبيا يتوهج على الحصباء بين المرج وقد ظهرت عليه زهرة حمراء جديدة بين أزاهر الطبيعة البيضاء الطاهرة ...
كان الوسن لم يزل سائدا على أجفان الإنسان، وهنالك في الكوخ الحقير اختلطت ذرات النهار بنور السراج الضئيل، وقد شح زيته وقارب الانطفاء، وعلى الصفصافة القديمة التي زرعها أبو سلمى على تلك الأغصان الخضراء الناضرة، بين السكوت المجلل الطبيعة بخشوعها، كان عصفور صغير قد فتح عينيه للنور وبدأ يغرد! •••
أشرقت الشمس على ثغر بيروت المفتر بكل جماله أمام بحر الروم الصافي فكانت السماء تبتسم للأرض، والأرض تهدي السماء أبخرة الصباح الزرقاء المتصاعدة إلى العلا كأنها عرف البخور، وهنالك عند أقدام لبنان حيث ترتفع الصخور على صفحة الماء الممتد إلى أطراف الأفق كان الترامواي اللبناني سائرا مخلفا وراءه المعاملتين وجونيه ووجهته بيروت.
من ركاب الطبقة الثانية كان الشاب عاشق سلمى مسندا يده إلى نافذة القطار، وأنظاره تسبح على وجه الماء وتسير نحو الأفق كأنها تريد الوصول إلى ما وراء الحجاب، وكان يفتكر: لقد مضت سنة منذ وطئت رجلاي أرض أجدادي، فأخال هذا العام قرنا طويلا، ما أثقل رجل الزمان السائرة على قلب فارق وسطه ولم يعد يشعر بالحياة إلا على ما تعود! هنالك في الولايات المتحدة لا يحتاج الإنسان لإجهاد الفكر ليعيش هنالك، كل شيء مرتب؛ التجارة والصناعة حتى الكذب والاحتيال والسرقة لها أبواب معلومة ونظام متبع، وهنا إذا أراد المرء الإتيان بعمل فعليه أن يحارب العناصر والأحياء معا، عليه أن ينكر ذاته لقاء الصالح العام، فينجح من حوله ويبقى هو تعيسا، في كل بلاد الله ينجح الفرد ليعم التقدم كل الأمة، أما هنا فيجب أن يسقط أفراد كثيرون ليدخل الرقي عن الطريق العامة ويعود مقسما على الأفراد، كان معي حين حضوري سبع مائة ليرة ضخمت كيسي بعد جهاد أربع سنوات، وها أنا ذا أرى بأسف أن داء الهزال يسطو على هذا الكيس، فهو كالمريض الذي تجهده الحمى ولا يتغذى، فقد أصيب بفقر الدم، وكل مدة يجب أن أحضر لبيروت؛ لأنها تمثل لي خيال البلاد المتمدنة، فلا أخرج منها إلا منهوك القوى فارغ الجيب.
بيروت استغرقت نصف مالي، ولكن بيروت ستعوض علي.
بنات الهوى يفرغن الكيس، ولكن أولغا ستملؤه، أبوها تاجر معتبر وواسع الثروة، فلا تقل الدوطة عن الست مائة ليرة وحينئذ وداعا يا لبنان!
ناپیژندل شوی مخ