حجارة، وقد سدت جميع الطرق بين يدي الدكاكين، ووقف الوزير وعظم الازدحام وكان في موضع طباخين، والدخان في وجه الوزير، وعلى ثيابه، وقد كاد يهلك المشاة، وكدت أهلك في جملتهم. وأكثر دروب القاهرة ضيقة مظلمة كثيرة التراب والأزبال، والمباني عليها من قصب وطين مرتفعة قد ضيّقت مسلك الهواء والضوء بينها، ولم أر في جيمع بلاد المغرب أسوأ منها حالًا في ذلك، ولقد كن إذا مشيت فيها يضيق صدري، وتدركني وحشة عظيمة، حتى أخرج إلى بين القصرين.
ومن عيوب القاهرة أنها في أرض النيل الأعظم ويموت الإنسان فيها عطشًا لبعدها عن مجرى النيل، لئلا يصادرها ويأكل ديارها، وإذا احتاج الإنسان إلى فرجة في نيلها مشى في مسافة بعيدة بظاهرها بين المباني التي خارج السور إلى موضع يعرف بالمقس، وجوّها لا يبرح كدرًا بما تنثره الأرض من التراب الأسود، وقد قلت فيها حين أكثر عليّ رفاقي من الحض على العود فيها:
يقولون سافة إلى القاهرة ... وما لي بها راحةٌ ظاهره
زحامٌ وضيقٌ وكربٌ وما ... تثير بها أرجلٌ سائره وعندما يقبل المسافر عليها يرى سورًا أسود كدرًا، وجوًّا مغبرًّا، فتنقبض نفسه، ويفرّ أنسه، وأحسن موضع في ظواهرها للفرجة أرض الطبالة، ولا سيّما ارض القرط والكتان، وقلت:
سقى الله أرضًا كلما زرت روضها ... كساها وحلاّها بزينته القرط
تجلّت عروسًا والمياه عقودها ... وفي كل قطر من جوانبها قرط وفيها خليج لا يزال يضعف بين حضرتها حتى يصير كما قال الرصافي:
ما زالت الأمحال تأخذه ... حتى غدا كذؤابة النّجم