نفائس تویل
* بسم الله الرحمن الرحيم
[المقدمة الأولى : في الخطاب وأقسامه وأحكامه وفيها أمور : ]
[الأول : تعريف الخطاب]
والخطاب هو الكلام إذا وقع على بعض الوجوه ، وليس كل كلام خطابا ، وكل خطاب كلام. والخطاب يفتقر في كونه كذلك على إرادة المخاطب لكونه خطابا لمن هو خطاب له ومتوجها إليه ، والذي يدل على ذلك أن الخطاب قد يوافقه في جميع صفاته من وجود وحدوث وصيغة وترتيب ما ليس بخطاب ، فلا بد من أمر زائد به كان خطابا ، وهو قصد المخاطب. ولهذا قد يسمع كلام الرجل جماعة ويكون الخطاب لبعضهم دون بعض لأجل القصد الذي أشرنا إليه المخصص لبعضهم من بعض ، ولهذا جاز أن يتكلم النائم ، ولم يجز أن يخاطب ، كما لم يجز أن يأمر وينهى.
[الثاني : أقسام الخطاب]
وينقسم الخطاب إلى قسمين مهمل ومستعمل.
فالمهمل : ما لم يوضع في اللغة التي أضيف أنه مهمل إليها لشيء من المعاني ، والفوائد.
وأما المستعمل : فهو الموضوع لمعنى ، أو فائدة. وينقسم إلى قسمين.
أحدهما : ما له معنى صحيح وإن كان لا يفيد فيما سمى به كنحو الألقاب مثل قولنا : زيد وعمرو ، وهذا القسم جعله القوم بدلا من الإشارة ولهذا لا
مخ ۱۱۹
يستعمل في الله تعالى. والفرق بينه وبين المفيد أن اللقب يجوز تبديله وتغييره ، واللغة على ما هي عليه ، والمفيد لا يجوز ذلك فيه ؛ ولهذا كان الصحيح أن لفظة شيء أليست لقبا ، بل من قسم مفيد الكلام ؛ لأن تبديلها وتغييرها لا يجوز ، واللغة على ما هي عليه.
وإنما لم تفد لفظة شيء ، لاشتراك جميع المعلومات في معناها ، فتعذرت فيها طريقة الإبانة والتمييز. فلأمر يرجع إلى غيرها لم تفد ، واللقب لا يفيد لأمر يرجع إليه.
والقسم الثاني من القسمة المتقدمة : هو المفيد الذي يقتضى الإبانة. وهو على ثلاثة أضرب : أحدها : أن يبين نوعا من نوع ، كقولنا : لون ، وكون ، واعتقاد ، وإرادة. وثانيها : أن يبين جنسا من جنس كقولنا : جوهر ، وسواد ، وحياة ، وتأليف. وثالثها : أن يبين عينا من عين كقولنا : عالم ، وقادر ، وأسود ، وأبيض (1).
[الثالث : البحث في الحقيقة والمجاز]
وينقسم المفيد من الكلام إلى ضربين : حقيقة ومجاز. فاللفظ الموصوف بأنه حقيقة هو ما أريد به ما وضع ذلك اللفظ لإفادته إما في لغة ، أو عرف ، أو شرع. ومتى تأملت ما حدت به الحقيقة وجدت ما ذكرناه أسلم وأبعد من القدح. وحد المجاز هو اللفظ الذي أريد به ما لم يوضع لإفادته في لغة ، ولا عرف ، ولا شرع.
ومن حكم الحقيقة وجوب حملها على ظاهرها إلا بدليل. والمجاز بالعكس من ذلك ، بل يجب حمله على ما اقتضاه الدليل. والوجه في ثبوت هذا الحكم للحقيقة أن المواضعة قد جعلت ظاهرها للفائدة المخصوصة ، فإذا خاطب
مخ ۱۲۰
الحكيم قوما بلغتهم وجرد كلامه عما يقتضي العدول عن ظاهره ، فلا بد من أن يريد به ما تقتضيه المواضعة في تلك اللفظة التي استعملها.
ومن شأن الحقيقة ان تجري في كل موضع تثبت فيه فائدتها من غير تخصيص ، إلا أن يعرض عارض سمعي يمنع من ذلك ، هذا إن لم يكن في الأصل تلك الحقيقة وضعت لتفيد معنى في جنس دون جنس ، نحو قولنا : أبلق ، فإنه يفيد اجتماع لونين مختلفين في بعض الذوات دون بعض ؛ لأنهم يقولون : فرس أبلق ، ولا يقولون : ثور أبلق.
وإنما أوجبنا اطراد الحقيقة في فائدتها ؛ لأن المواضعة تقتضي ذلك ، والغرض فيها لا يتم إلا بالاطراد ، فلو لم تجب تسمية كل من فعل الضرب بأنه ضارب ، لنقض ذلك القول بأن أهل اللغة إنما سمو الضارب ضاربا ، لوقوع هذا الحدث المخصوص الذي هو الضرب منه.
وإنما استثنينا المنع السمعي لأنه ربما عرض في إجراء الاسم على بعض ما فيه فائدته مفسدة ، فيقبح إجرائه ، فيمنع السمع منه ، كما قلنا في تسميته تعالى بأنه فاضل.
واعلم أن الحقيقة يجوز أن يقل استعمالها ، ويتغير حالها فيصير كالمجاز ، وكذلك المجاز غير ممتنع أن يكثر استعماله في العرف فيلحق بحكم الحقائق. وإنما قلنا ذلك ، من حيث كان إجراء هذه الأسماء على فوائدها في الأصل ليس بواجب ، وإنما هو بحسب الاختيار ، وإذا صح في أصل اللغة التغيير والتبديل ، فكذلك في فرعها ، والمنع من جواز ذلك متعذر. وإذا كان جائزا ، فأقوى ما ذكر في وقوعه وحصوله أن قولنا : غائط ، كان في الأصل اسم للمكان المطمئن من الأرض ، ثم غلب عليه الاستعمال العرفي ، فانتقل إلى الكناية عن قضاء الحاجة والحدث المخصوص ، ولهذا لا يفهم من إطلاق هذه اللفظة في العرف إلا ما ذكرناه ، دون ما كانت عليه في الأصل. وأما استشهادهم على ذلك بالصلاة والصيام ، وأن المفهوم في الأصل من لفظة الصلاة الدعاء ، ثم صار بعرف
مخ ۱۲۱
الشرع المعروف سواه ، وفي الصيام الإمساك ، ثم صار في الشرع لما كان يخالفه ، فإنه يضعف ، من حيث أمكن أن يقال إن ذلك ليس بنقل ، وإنما هو تخصيص ، وهذا غير ممكن في لفظة الغائط.
[الرابع : ما تعرف به الحقيقة]
وأقوى ما يعرف به كون اللفظ حقيقة هو نص أهل اللغة ، وتوقيفهم على ذلك ، أو يكون معلوما من حالهم ضرورة.
ويتلوه في القوة أن يستعملوا اللفظ في بعض الفوائد ، ولا يدلونا على أنهم متجوزون بها مستعيرون لها ، فيعلم أنها حقيقة ، ولهذا نقول : إن ظاهر استعمال أهل اللغة اللفظة في شيء دلالة على أنها حقيقة فيه إلا أن ينقلنا ناقل عن هذا الظاهر.
وقد قيل فيما يعرف به الحقيقة أشياء غيرها ، عليها إذا تأملتها حق التأمل طعن ، وفيها قدح. وما ذكرناه أبعد من الشبهة.
[الخامس : تحقيق معنى قولهم : المجاز لا يستعمل في غير مواضعه]
ويمضى في الكتب كثيرا أن المجاز لا يجوز استعماله إلا في الموضع الذي استعمله فيه أهل اللغة من غير تعد له. ولا بد من تحقيق هذا الموضع فإنه تلبيس.
والذي يجب ، أن يكون المجاز مستعملا فيما استعمله فيه أهل اللغة أو في نوعه وقبيله. ألا ترى أنهم لما حذفوا المضاف ، وأقاموا المضاف إليه مقامه في قوله تعالى : ( وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها ) (1)، أشعرونا بأن
مخ ۱۲۲
حذف المضاف توسعا جائز ، فساغ لنا أن نقول : سل المنازل التي نزلناها ، والخيل التي ركبناها ، على هذه الطريقة في الحذف. ولما وصفوا البليد بأنه حمار تشبيها له به في البلادة ، والجواد بالبحر تشبيها له به في كثرة عطائه ، جاز أن نصف البليد بغير ذلك من الأوصاف المنبئة عن عدم الفطنة ، فنقول : إنه صخرة ، وإنه جماد ، وما أشبه ذلك. ولما أجروا على الشيء اسم ما قارنه في بعض المواضع ، فقلنا مثل ذلك للمقارنة في موضع آخر. ألا ترى أنهم قالوا : سل القرية في قرية معينة ، وتعديناها إلى غيرها بلا شبهة للمشاركة في المعنى ، وكذلك في النوع والقبيل. وليس هذا هو القياس في اللغة المطرح ، كما لم يكن ذلك قياسا في تعدى العين الواحدة في القرية.
وبعد فإنا نعلم أن ضروب المجازات الموجودات الآن في اللغة لم يستعملها القوم ضربة واحدة في حال واحدة ، بل في زمان بعد زمان ، ولم يخرج من استعمل ذلك ما لم يكن بعينه مستعملا عن قانون اللغة ، فكذلك ما ذكرناه (1).
[السادس : البحث في أقسام الخطاب وبيان مراتبه]
واعلم أن الخطاب إذا انقسم إلى لغوي ، وعرفي ، وشرعي ، وجب بيان مراتبه وكيفية تقديم بعضه على بعض ، حتى يعتمد ذلك فيما يرد منه تعالى من الخطاب.
وجملة القول فيه أنه إذا ورد منه تعالى خطاب ، وليس فيه عرف ، ولا شرع ، وجب حمله على وضع اللغة ؛ لأنه الأصل.
فإن كان فيه وضع ، وعرف ، وجب حمله على العرف دون أصل الوضع ؛ لأن العرف طار على أصل الوضع ، وكالناسخ له والمؤثر فيه.
مخ ۱۲۳
فإذا كان هناك وضع ، وعرف ، وشرع ، وجب حمل الخطاب على الشرع دون الأمرين المذكورين ، للعلة التي ذكرناها ، ولأن الأسماء الشرعية صادرة عنه تعالى ، فتجري مجرى الأحكام في أنه لا يتعدى عنها.
واعلم أن الناس قد طولوا في أقسام الكلام ، وأورد بعضهم في أصول الفقه ما لا حاجة إليه.
[السابع : البحث في أقسام الكلام المفيد]
وأحصر ما قسم الكلام المفيد إليه ، أنه إما أن يكون خبرا أو ما معناه معنى الخبر. وعند التأمل يعلم دخول جميع أقسام الكلام تحت ما ذكرناه ؛ لأن الأمر من حيث دل على أن الآمر مريد للمأمور به ، كان في معنى الخبر. والنهي إنما كان نهيا ؛ لأن الناهي كاره لما نهى عنه ، فمعناه معنى الخبر ، ولأن المخاطب غيره إما أن يعرفه حال نفسه ، أو حال غيره ، وتعريفه حال غيره يكون بالخبر دون الأمر ، وتعريفه حال نفسه يكون بالأمر والنهي ، وإن جاز أن يكون بالخبر.
[الثامن : في جواز الاشتراك ووقوعه]
واعلم أن المفيد من الأسماء إما أن يختص بعين واحدة ولا يتعداها ، أو يكون مفيدا لما زاد عليها. فمثال الأول قولنا : إله وقديم وما جرى مجرى ذلك مما يختص به القديم تعالى ولا يشاركه فيه غيره. فأما ما يفيد أشياء كثيرة فينقسم إلى قسمين : إما أن يفيد في الجميع فائدة واحدة ، أو أن يفيد فوائد مختلفة ، فمثال الأول قولنا : لون ، وإنسان. ومثال الثاني قولنا : قرء ، وعين ، وجارية.
ومن خالف في جواز وقوع الاسم على مختلفين أو على ضدين ، لا يلتفت إلى خلافه ، لخروجه عن الظاهر من مذهب أهل اللغة.
مخ ۱۲۴
[التاسع : جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى]
واعلم أنه غير ممتنع أن يراد باللفظة الواحدة في الحال الواحدة من المعبر الواحد المعنيان المختلفان. وأن يراد بها أيضا الحقيقة والمجاز. بخلاف ما حكى عمن خالف في ذلك من أبي هاشم وغيره. والذي يدل على صحة ما ذكرناه أن ذلك لو كان ممتنعا لم يخل امتناعه من أن يكون لأمر يرجع إلى المعبر ، أو لما يعود إلى العبارة ، وما يستحيل لأمر يرجع إلى المعبر ، تجب استحالته مع فقد العبارة ، كما أن ما صح لأمر يعود إليه ، تجب صحته مع ارتفاع العبارة ، وقد علمنا أنه يصح من أحدنا أن يقول لغيره لا تنكح ما نكح أبوك ، ويريد به لا تعقد على من عقد عليه ولا من وطئه. ويقول أيضا لغيره إن لمست امرأتك فأعد الطهارة ، ويريد به الجماع واللمس باليد. وإن كنت محدثا فتوضأ ، ويريد جميع الأحداث. وإذا جاز أن يريد الضدين في الحالة الواحدة ، فأجوز منه أن يريد المختلفين. فأما العبارة فلا مانع من جهتها يقتضى تعذر ذلك ؛ لأن المعنيين المختلفين قد جعلت هذه العبارة في وضع اللغة عبارة عنهما ، فلا مانع من أن يرادا بها ، وكذلك إذا استعملت هذه اللفظة في أحدهما مجازا شرعا أو عرفا ، فغير ممتنع أن يراد بالعبارة الواحدة ؛ لأنه لا تنافي ولا تمانع. وإنما لا يجوز أن يريد باللفظة الواحدة الأمر والنهي ، لتنافي موجبيهما ؛ لأن الأمر يقتضي إرادة المأمور به ، والنهى يقتضي كراهة المنهي عنه ، ويستحيل أن يكون مريدا كارها للشيء الواحد على الوجه الواحد. وكذلك لا يجوز أن يريد باللفظة الواحدة الاقتصار على الشيء وتعديه ؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون مريدا للشيء وأن لا يريده.
وقولهم لا يجوز أن يريد باللفظة الواحدة استعمالها فيما وضعت له والعدول بها عما وضعف له ، ليس بصحيح ؛ لأن المتكلم بالحقيقة والمجاز ليس يجب أن يكون قاصدا إلى ما وضعوه وإلى ما لم يضعوه ، بل يكفي في كونه متكلما بالحقيقة ، أن يستعملها فيما وضعت له في اللغة ، وهذا القدر كاف في
مخ ۱۲۵
كونه متكلما باللغة ، من غير حاجة إلى قصد استعمالها فيما وضعوه. وهذه الجملة كافية في إسقاط الشبهة (1).
[العاشر : في حد العلم وأقسامه]
واعلم أن العلم ما اقتضى سكون النفس. وهذه حالة معقولة يجدها الإنسان من نفسه عند المشاهدات ، ويفرق فيها بين خبر النبي صلى الله عليه وآلهوسلم بأن زيدا في الدار وخبر غيره. غير أن ما هذه حاله ؛ لا بد من كونه اعتقادا يتعلق بالشيء على ما هو به. وإن لم يجز إدخال ذلك في حد العلم ؛ لأن الحد يجب أن يميز المحدود ، ولا يجب أن يذكر في جملة ما يشاركه فيه ما خالفه. ولئن جاز لنا أن نقول في حد العلم : إنه اعتقاد للشيء على ما هو به مع سكون النفس ، ونعتذر ، بأنا أبناه ، بقولنا اعتقاد ، من سائر الأجناس. وبتناوله المعتقد على ما هو به ، من الجهل ، وبسكون النفس ، من التقليد ، فألا جاز أن نقول في حده عرض ، لبينه عن الجوهر ، ويوجب حالا للحي ، لبينه مما يوجب حالا للمحل. ويحل القلب ولا يوجد إلا فيه ، لبينه مما يحل الجوارح.
والعلم ينقسم إلى قسمين ؛ أحدهما : لا يتمكن العالم به من نفيه عن نفسه بشبهة إن انفرد ، وإن شئت قلت لأمر يرجع إليه ، وإن شئت قلت على حال من الحالات ، والقسم الآخر : يتمكن من نفيه عن نفسه على بعض الوجوه.
والقسم الأول على ضربين : أحدهما : مقطوع على أنه علم ضروري ومن فعل الله تعالى فينا ، كالعلم بالمشاهدات وكل ما يكمل به العقل من العلوم. والقسم الثاني : مشكوك فيه ويجوز أن يكون ضروريا ومن فعل الله فينا ، كما يجوز أن يكون من فعلنا ، كالعلم بمخبر الإخبار عن البلدان والحوادث الكبار. وإنما شرطنا ما ذكرناه من الشروط ، احترازا من العلم المكتسب إذا قارنه علم
مخ ۱۲۶
ضروري ، ومتعلقهما واحد. وأما العلم الذي يمكن نفيه عن العالم على الشروط الذي ذكرناها ، فهو مكتسب ، ومن شأنه أن يكون من فعلنا ، لا من فعل غيرنا فينا. وما بعد هذا من أقسام العلوم الضرورية ، وما يتفرع عليه ، غير محتاج إليه [ههنا].
والنظر في الدلالة على الوجه الذي يدل عليه ، يجب عنده العلم ويحصل لا محالة.
[الحادي عشر : في الظن والأمارة]
وأما الظن فهو ما يقوى كون ما ظنه على ما يتناوله الظن ، وإن جوز خلافه. فالذي يبين به الظن التقوية والترجيح. ولا معنى لتحقيق كون الظن من غير قبيل الاعتقاد هيهنا ، وإن كان ذلك هو الصحيح ، لأنه لا حاجة تمس إلى ذلك.
وما يحصل عنده الظن ، يسمى أمارة.
ويمضى في الكتب كثيرا ، أن حصول الظن عند النظر في الأمارة ليس بموجب عن النظر ، كما نقوله في العلم الحاصل عند النظر في الدلالة ، بل يختاره الناظر في الامارة لا محالة لقوة الداعي.
وليس ذلك بواضح ؛ لأنهم إنما يعتمدون في ذلك على اختلاف الظنون من العقلاء والأمارة واحدة ، وهذا يبطل باختلاف العقلاء في الاعتقادات والدلالة واحدة. فإن ذكروا اختلال الشروط وأن عند تكاملها يجب العلم ، أمكن أن يقال مثل ذلك بعينه في النظر في الأمارة (1).
مخ ۱۲۷
[الثاني عشر : في عدم جواز العمل بالظن
* في أصول الفقه وأصول الديانات]
وإن قيل : ما دليلكم على أن تكليفكم في أصول الفقه إنما هو العلم دون العمل التابع للظن وإذا كنتم تجوزون أن تكليفكم الشرايع تكليف يتبع الظن الراجح إلى الأمارة فألا كان التكليف في أصول الفقه كذلك؟
قلنا : ليس كل أصول الفقه يجوز فيه أن يكون الحق في جهتين مختلفتين ؛ لأن القول بأن المؤثر في كون الأمر أمرا إنما هو إرادة المأمور به وأنه لا تعلق لذلك بصفات الفعل في نفسه وأنه تعالى لا يجوز أن يريد إلا ما له صفة زائدة على حسنه ولا ينسخ الشيء قبل وقت فعله وما أشبه ذلك وهو الغالب والأكثر فلا يجوز أن يكون الحق فيه إلا واحدا كما لا يجوز في أصول الديانات أن يكون الحق إلا في واحد.
اللهم إلا أن يقول جوزوا أن يكلف الله تعالى من ظن بأمارة مخصوصة تظهر له أن الفعل واجب ، أن يفعله على وجه الوجوب ، ومن ظن بأمارة أخرى أنه ندب ، أن يفعله على هذا الوجه ، وكذلك القول في الخصوص والعموم ، وسائر المسائل ؛ لأن العمل فيها على هذا الوجه هو المقصود دون العلم ، واختلاف أحوال المكلفين فيه جائز ، كما جاز في فروع الشريعة.
فإذا سئلنا على هذا الوجه ، فالجواب أن ذلك كان جائزا ، لكنا قد علمنا الآن خلافه ؛ لأن الأدلة الموجبة للعلم قد دلت على أحكام هذه الأصول ، كما دلت على أصول الديانات ، وما إليه طريق علم لا حكم للظن فيه ، وإنما يكون للظن حكم فيما لا طريق إلى العلم به ، ألا ترى أننا لو تمكنا من العلم بصدق الشهود لما جاز أن نعمل في صدقهم على الظن ، وكذلك في أصول العقليات. لو أمكن أن نعلم أن في الطريق سبعا ، لما علمنا على قول من نظن صدقه من المخبرين عن ذلك ، وإذا ثبتت هذه الجملة ، وعلمنا أن على هذه الأصول أدلة
مخ ۱۲۸