605

هذا لطيف لأن بلد القاضي النزيلي هي المحويت وهو من مغارب بلاد اليمن فاتفق أنه التقى صاحب الترجمة، والقاضي علي العنسي في بعض المواكب، فسلم عليه صاحب الترجمة، وكان القاضي علي مشغولا بالتفكير في مسألة فلم يرد عليه السلام، فكتب إليه يعاتبه بقوله(1):

قل للجمالي رفيع القدر والنسب ... ومن غدا الآية الكبرى في الأدب

ما باله مال عني في الخروج وما ... رد السلام وهذا غاية العجب

ولم أكن جانيا ذنبا إليه سوى ... محبة فيه أعددها من القرب

والحال ما حال ودي لكم أبدا ... وليس ذا بيننا من شيمة الأدب

وقد حملت على التأويل فيه كما ... جاء الحديث به في أوضح الكتب

وقلت إذ ملت عني غير ملتفت ... يا معرضين بلا ذنب ولا سبب

فأجاب عليه القاضي علي العنسي-رحمه الله تعالى- بقوله(2):

لا نلت من وصل معسول اللما أربي ... ولا بلغت من اللقيا مطلبي

ولا نعمت وثوب الليل منسدل ... من ريقه العذب بين الخمر والضرب

ولا لثمت له والوصل يجمعنا ... خدا يؤلف بين الماء واللهب

ولا سفكت دم العنقود يوم لقا ... لم يعترضني فيه حرفة الأدب

ولا ابتهجت لسيف الماء حين سطا ... بالراح واتخذت درعا من الحبب

ولا غدوت بليل الوصل ذا صمم ... عن الصباح يناديني فلم أجب

ولا اطرحت خلاعاتي ولذتها ... رعيا وحفظها لعهد المجد والحسب

ولا صفحت عن الجاني وإن رغمت ... أنفي على كتم ما أخفيه من غضب

ولا تجرمت من خلق اللئيم ولا ... جانبته كاجتناب الصحف للجنب

ولا تظلمت للحر الكريم وقد ... رما بآماله دهرا فلم يصب

ولا سررت بذي علم وذي أدب ... وهزني لاستماعي لقطة طربي

إن لم أصلك من قلبي بحيث أبي ... عن أن تفتش عنه بابنة العتب

مهلا وجيه الهدى الحبر الأديب فقد ... روحت بالعتب قلبا غير منقلب

حيا من المجد أن يعز إلى خلق ... خلائقا قبحت في العجم والعرب

مخ ۲۰۹