فإني لما وقفت على [337ج] تلك الأبيات الرائعة، والفرائد الثمينة الفائقة، التي نقص عند تمامها أبو تمام، ووسمه لسانها الفصيح بالتمتام، ودنى لرفيعها أبو العلا ومر لديها في قريض ابن سكره ما حلا ولعمري أنها للعرائس التي كان إلى أكفائها زفافها والجواهر المجلوب إلى سوق السباق شفافها، والكوكب التي اتخذت الأفلاك طروسا والليل مدادا، والقلائد التي تحيرت من الملوك أطولها أجيادا، وأتمها انقادا، حرك قريضها من القريحة معطفا لا يكاد يلين، وأنطق فصيحها معجم لسان لا يكاد يبين، ودعى سابقها السكيت إلى الجري في ميدانه وأغرابه رقيقها فجذبه برسنه وعنانه، فبلغ في اقتفاء أثره ما في وسعه، واتفق على حلبته ما يملكه من خفية ورفعة، حتى قعد به عن إدارك أمده الشوط ورق لجسده من فرط كده السوط، وصار له من الأسعار بالعجز أي أشعار، وخلع قبول الاعتذار عن خده العذار، وتلقينا ما استفاده من ذلك الإرقال بلا إمهال، وطرحناه في زوايا الإغفال والإهمال، لتعرف بذلك الوضع قدره، وتتبين [78ب-ب] أنها لن تحمله إلى تلك الرتبة قدره، فضربت عليه خدورا نواسج العنكبوت، واعقب المدة في طرسه شوامخ البيوت، ولما تجاوز البين حده، ونصب الفقدان على الصبر حده، أهاجت بلابل الصبر هواتف الأشواق، وجاشت بما تخفيه وغنت به في الأوراق، وشب عن الطوق [338ج] من الشوق عمره، وطال من زمن المطال عمره، وأورى ذكر من الفكر زبدا خامدا، وأذاب واريه من القريحة معينا جامدا، فأجرت منه مدمعا في خدود الرقاع، وفصلت حمائمها بما شدت به من لطيف الإسجاع، حتى أذن بدر مديحها في التمام وتلقت طي نشر طرسها يد الختام، هبت الذاكرة من سنة النسيان وتذكرت مستودع القريحة من التقريض في سالف الأزمان، فأتت به وقد تضل من صبغ التشبيه نفسه ونسخ آية ليلة ببياضه طرسه فالتقينا في بواتق الصدور صفرة بعد التكسير، وجعلنا هذا الحديث لقديمه كالإكسير، وبعثناهما برغد فريصهما من الوجل ويستر
مخ ۳۰۴