Nafahat Min Ulum Al-Quran
نفحات من علوم القرآن
خپرندوی
دار السلام
د ایډیشن شمېره
الثانية
د خپرونکي ځای
القاهرة
ژانرونه
مقدمة المؤلف للطبعة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل القرآن تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. والصلاة والسلام على خير الأنام. سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد- ﵊ وعلى آله وصحبه الكرام .... أما بعد:
فإن القرآن العظيم هو الكنز الزاخر والبحر الوافر الذي لا تنقضي عجائبه، قد حوى لنا الكثير والكثير من العلوم والمعارف مما لا يمكن حصره مهما ظهر للبشر من علومه فإنه لا يزال به الكثير من المعارف والعلوم والحكم والتشريعات الإلهية، التي يستقيم بها أمر البشرية كلما غاصوا في بحوره واستخلصوا من معانيه. وقد جدّ كثير من أهل العلم في التحصيل من هذا البحر الزاخر قديما وحديثا، ومع هذا كله لم يزل بكرا.
ومن الذين أدلوا بدلوهم في هذا الميدان من المتقدمين. الإمام السيوطي في تأليف كتابه «الإتقان في علوم القرآن»، والإمام الزركشي في كتابه «البرهان في علوم القرآن»، والزرقاني في كتابه «مناهل العرفان» وغيرهم كثير من السابقين الذين ألّفوا في علوم القرآن.
وفي هذا العصر كتب الكثيرون في علوم القرآن ومنهم: فضيلة الشيخ منّاع القطّان، والشيخ الصابوني، والدكتور الذهبي وآخرون. ولم تزل علوم القرآن في حاجة إلى الإيضاح والبيان من أهل العلم والعرفان.
ومع علمي بأنني لست من فرسان هذا الميدان إلّا أنّ حبّي لكتاب الله تعالى وفهم معانيه والوقوف على بعض أسراره، مع رغبتي في تيسير فهم بعض أبواب علوم القرآن، فقد أدليت بدلوي في إيضاح بعض أبواب علوم القرآن بأسلوب سهل ميسور يدور فيه الحوار على شكل سؤال وجواب، حتّى يسهل على القارئ فهم ما بهذا المؤلّف من علوم القرآن العظيم.
ولقد أسميت هذا المؤلّف (نفحات من علوم القرآن) وأوردت فيه بعد كل باب
1 / 3
من أبوابه أسئلة وتمرينات ليتمكن القارئ من فهمه بعد قراءته لاستخلاص الأحكام وتثبيت ما ورد من معان وأفهام.
هذا ولقد بذلت فيه قصارى جهدي ولا أخلي نفسي من التقصير، فإن الإنسان مهما وصل من العلم فهناك من هو أعلم منه، وصدق الله تعالى حيث يقول في كتابه المكنون: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
وإنّني أرجو من أخي القارئ الكريم إن وجد فيه شيئا من التقصير فلينبّهني إليه، وإن وجده تامّا نافعا فليدع لي بخير، وكما قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى:
وإن كان خرق فادّركه بفضلة ... من الحلم وليصلحه من جاد مقولا
وجزى الله خيرا كل من نظر في هذا الكتيب بعين الرضا، ونأى بنفسه عن الهوى والغرض، وأرشدني إلى الأصلح.
والله أسأل أن ينفع بهذا الكتاب كل قارئ. وأن يجعله خادما للقرآن الكريم مبينا لبعض علومه، كما أسأله ﵎ أن يتقبله مني وأن يجعله في ميزان حسناتي وأن يتجاوز بهذا العمل المتواضع عن زلّاتي، إنه جواد كريم. ولقد حاولت جاهدا أن يكون ما يحويه هذا المؤلّف متمشيا مع منهج الأزهر الشريف خدمة لطلابه الكرام.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد خير خلق الله على الإطلاق، وعلى آله وأصحابه وأحبابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التلاق.
المؤلف
خادم القرآن الكريم والعلم
محمد أحمد معبد
مدرس القرآن الكريم والتجويد
بالمسجد النبوي الشريف
1 / 4
تقريظ لكتاب (نفحات من علوم القرآن)
للدكتور محمد أحمد رضوان صالح الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين إلى يوم الدين .. وبعد:
فإن القرآن الكريم هو الكتاب المبارك الذي أنزله الله رحمة للعالمين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.
وإن العمل في رحاب هذا الكتاب الكريم لهو شرف لا يعدله شرف، وإن خدمة هذا النور الإلهيّ والهدى الربانيّ لهو من أجلّ ما يتشرف به الإنسان ويعتزّ به حيث شهد له من أنزل عليه هذا الكتاب صلوات الله وتسليماته عليه بالخيرية والأفضلية عند ما قال: (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه) رواه البخاري.
وصدق الله حيث قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وكان من دلائل صدق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه الكريم إلى يوم الدين أن قيّض له
من أولي العلم والنّهى من بذلوا جهودا مشكورة، وصنّفوا المصنفات، وألّفوا المؤلفات في العلوم التي تتصل بهذا الكتاب الكريم وتشكّل سياجا منيعا للحفاظ عليه، تلك التي عرفت ب «علوم القرآن».
وكان من توفيق الله ﷾ للشيخ الفاضل الأستاذ محمد أحمد معبد أن شارك بهذا الجهد الطيب في هذا المضمار.
وقد وهب الرجل حياته لخدمة كتاب الله تعالى حفظا وتلاوة وتعليما، وله في هذا المجال باع طويل، وقد تخرج على يديه جيل من الحفظة لكتاب الله وتلاميذ مجيدون لتلاوته من جنسيات مختلفة. وكانت هذه المسيرة المباركة مع كتاب الله تعالى- والتي أربت على الأربعين عاما- فى بلده وموطنه الأصلي كنانة الله في أرضه- مصر- ثم في قبة الإسلام وأرض الإيمان ودار الهجرة ومثوى الحلال والحرام طيبة الطيبة المدينة النبوية الزاهرة على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليمات.
أما هذا السّفر المبارك فقد بذل فيه المؤلف جهدا طيّبا لذا فهو مفيد في بابه نافع في
1 / 5
مجاله، وقد أجاد فيه المؤلف وأفاد حيث جاءت المعلومات فيه بأسلوب سهل ميسّر مع التنظيم والترتيب، واشتماله على قدر كبير من الموضوعات التي تفيد المسلم ثقافة ومعرفة بكتاب الله تعالى، وكان من توفيق الله للشيخ المؤلّف أن ساق المعلومات في هذا الكتاب (نفحات من علوم القرآن) على طريقة السؤال والجواب. وهذه الطريقة تفيد في تثبيت المعلومات، وتساعد طلاب العلم على الاستيعاب والتحصيل.
وهذا الكتاب أيضا يعتبر حلقة في سلسلة متصلة من جهاد الرجل وجهوده في خدمة القرآن الكريم فله أيضا كتاب (الملخص المفيد في علم التجويد) أفاد فيه وأجاد أيضا. هذا عدا البرامج الإذاعية والتلفازية التي قدمها وسهر على رعايتها وإعدادها في هذا المجال الطيب الميمون.
جزى الله الشيخ المؤلف خير الجزاء وأوفاه على هذا العمل العلمي النافع المفيد، وجعله خالصا لوجهه الكريم، ونفع به كل قارئ له ومطلع عليه.
كما أسأله جل في علاه أن يزيدنا وإياه في كل يوم علما، وأن يعلّمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا. إنه سبحانه وليّ التوفيق. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
دكتور محمد أحمد رضوان صالح المدرس بكلية أصول الدين جامعة الأزهر والباحث بمركز خدمة السنة والسيرة النبوية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
1 / 6
مقدمة عن علوم القرآن الكريم
س: ما المقصود بعلوم القرآن؟
ج: المقصود بعلوم القرآن: الأبحاث التي تتعلق بهذا الكتاب العظيم الخالد؛ من حيث نزوله، وجمعه، وتدوينه، وترتيب آياته وسوره، ومعرفة المكي منه والمدني، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وتفسير آياته، ومعرفة أحكامه وغير ذلك من الأبحاث الكثيرة التي تتعلق بالقرآن العظيم أو لها صلة به ..
س: ما هو الغرض من هذه الدراسة؟
ج: الغرض من هذه الدراسة: فهم كلام الله تعالى على ضوء ما جاء عن رسول الله ﷺ من توضيح وبيان، وما نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين. حول تفسيرهم لآيات القرآن، وأيضا معرفة طرق المفسرين، وأساليبهم في التفسير مع بيان مشاهيرهم، ومعرفة خصائص كلّ منهم، وشروط التفسير وغير ذلك من حقائق هذا العلم المفيد.
ولقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعرفون عن القرآن وعلومه ما عرف العلماء وفوق ما عرف العلماء في كل عصر، ولكن معارفهم لم توضع في ذلك العهد كفنون مدونة ولم تجمع في كتب مؤلفة، لأنهم لم تكن لهم حاجة إلى التدوين والتأليف.
- أما الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فلأنه كان يتلقى الوحي عن الله وحده لا شريك له. والله تعالى كتب على نفسه الرحمة، ومن رحمته تعالى برسوله الكريم، جمعه القرآن له في صدره، وإطلاق لسانه بقراءته وترتيله، وكشف له عن أسراره ومعانيه. اقرأ قول الله تعالى:
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١).
_________
(١) سورة القيامة، الآيات ١٦، ١٧، ١٨، ١٩.
1 / 7
ولقد بلّغ الرسول ﷺ ما أنزل عليه لأصحابه، ثم شرح لهم القرآن بقوله وبعمله وبتقريره وبخلقه، أي بسنته الجامعة لأقواله وأفعاله، مصداقا لقوله ﷾:
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١).
- وأمّا الصحابة رضوان الله عليهم فكانوا وقتئذ عربا خلّصا متمتعين بجميع خصائص العروبة ومزاياها الكاملة، من قوة في الحافظة، وذكاء في القريحة، وتذوق للبيان، وتقرير للأساليب، ووزن لما يسمعون بأدق المعايير حتى أدركوا من علوم القرآن، ومن إعجازه بسليقتهم وصفاء فطرتهم، ما لا نستطيع نحن أن ندركه مع زحمة العلوم وكثرة الفنون.
وكان بعض الصحابة رضوان الله عليهم مع هذه الخصائص أمّيّين، وأدوات الكتابة لم تكن ميسرة لديهم. والرسول ﷺ قد نهاهم عن أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن.
وقال لهم في أول العهد عند نزول القرآن فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لا تكتبوا عنّي ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».
س: ما سبب نهي رسول الله ﷺ عن الكتابة لغير القرآن؟
ج: سبب نهي رسول الله ﷺ عن الكتابة لغير القرآن: مخافة أن يلتبس القرآن بغيره، أو يختلط بالقرآن ما ليس منه ما دام الوحي نازلا بالقرآن الكريم.
فلتلك الأسباب المتضافرة لم تدون علوم القرآن كما لم يدون الحديث الشريف.
ومضى الرعيل الأول على ذلك في عهد الشيخين الكبيرين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. ولكن الصحابة كانوا مضرب الأمثال في نشر الإسلام وتعاليمه، والقرآن وعلومه، والسنة وتحريرها. تلقينا لا تدوينا، ومشافهة لا كتابة.
ثم جاءت خلافة عثمان ﵁ وقد اتسعت رقعة الإسلام واختلط العرب الفاتحون بالأمم التي لا تعرف العربية، وخيف أن تذوب خصائص العروبة من هؤلاء العرب الخلّص من جراء هذا الفتح والاختلاط. بل خيف على القرآن نفسه أن
_________
(١) سورة النحل، آية ٤٤.
1 / 8
يختلف المسلمون فيه، فأمر عثمان ﵁ بجمع القرآن في مصحف إمام، وأن تنسخ منه مصاحف يبعث بها إلى أقطار الإسلام، وأن يحرق الناس كل ما عداها ولا يعتمدوا شيئا سواها، كما سيأتيك في باب جمع القرآن وتدوينه إن شاء الله تعالى. وبهذا العمل العظيم وضع عثمان- ﵁ الأساس لما نسميه علم (رسم القرآن أو علم الرّسم العثماني).
ولكن هذه الهمّة في النشر يصح أن نعتبرها كتمهيد لتدوينها. وكان على رأس من ضرب بسهم وافر في هذه الرواية: الخلفاء الأربعة، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وكلهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وكان على رأس التابعين في تلك الرواية:
مجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والحسن البصري، ومالك بن أنس من تابعي التابعين ﵃ أجمعين.
وهؤلاء جميعا يعتبرون أنهم هم واضعوا الأساس لما يسمى علم التفسير، وعلم أسباب النزول، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم غريب القرآن، ونحو ذلك. وستجد بسطا لهذا الإجمال في بابه إن شاء الله تعالى.
ثم جاء عصر التدوين: فألّفت كتب في أنواع علوم القرآن. واتجهت الهمم قبل كل شيء إلى التفسير باعتباره أصل العلوم القرآنية لما فيه من التعرض لها. ومن أوائل الذين كتبوا في التفسير: شعبة بن الحجاج، ووكيع بن الجراح، وسفيان بن عيينة، وتفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين، وهؤلاء من علماء القرن الثاني الهجري، ثم تلاهم ابن جرير الطبري المتوفى سنة (٣١٠ هـ) وكتابه من أجلّ التفاسير وأعظمها.
أما علوم القرآن الأخرى ففي مقدمة المؤلفين فيها: علي بن المديني شيخ الإمام البخاري إذ أنه ألّف في أسباب النزول، وأبو عبيد القاسم بن سلام إذ كتب في الناسخ والمنسوخ، وكلاهما من علماء القرن الثالث الهجري.
وفي مقدمة من ألف في غريب القرآن: أبو بكر السجستاني، وهو من علماء القرن الرابع الهجري. وفي طليعة من صنف في إعراب القرآن علي بن سعيد الحوفي،
1 / 9
وهو من علماء القرن الخامس الهجري. ومن أوائل من كتب في مبهمات القرآن: أبو القاسم عبد الرحمن المعروف بالسبيلي وهو من علماء القرن السادس الهجري. وفي القراءات: علم الدين السخاوي، وهو من علماء القرن السابع الهجري. وهكذا قويت العزائم وتبارت الهمم، ونشأت علوم جديدة للقرآن وظهرت مؤلفات في كل نوع منها، سواء كان ذلك في أقسام القرآن أو أمثال القرآن أو حجج القرآن أو بدائع القرآن أو رسم القرآن، وما أشبه ذلك. ثم لا يزال المؤلفون إلى عصرنا هذا يزيدون، وعلوم القرآن ومؤلفاته تنمو وتزدهر وتزيد. أليس هذا إعجازا آخر للقرآن الكريم؟
يريك إلى أي حدّ بلغ علماء الإسلام في خدمة التنزيل، ويريك أنه كتاب لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي معارفه. ولن يستطيع أحد أن يحيط بأسراره إلا صاحبه ومنزله.
ﷻ .. والله تعالى أعلم.
أسئلة وتطبيقات
س ١: اذكر الحديث الشريف الذي نهى فيه رسول الله ﷺ عن كتابة شيء سوى القرآن في حياته.
س ٢: من الذي وضع الأساس لما نسميه علم رسم القرآن أو علم الرسم العثماني؟
س ٣: اذكر أسماء أربعة من صحابة رسول الله ﷺ الذين مهدوا لتدوين علوم القرآن الكريم.
س ٤: اذكر أسماء العلوم القرآنية التي ألف فيها هؤلاء العلماء الأفاضل:
١ - علي بن المديني شيخ الإمام البخاري.
٢ - أبو عبيد القاسم بن سلام.
٣ - علم الدين السخاوي.
س ٥: من هو أول من كتب في علم التفسير؟
1 / 10
تعريف القرآن الكريم
س: ما هو القرآن الكريم؟
ج: القرآن الكريم: هو كلام الله تعالى المعجز المنزّل على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد ﷺ بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇ المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة والمختتم بسورة الناس، والمتحدى بأقصر سورة منه.
(فالكلام) جنس في التعريف يشمل كل كلام. وإضافته إلى الله تعالى تخرج كلام غيره من الإنس والجن والملائكة. (والمنزّل) تخرج كلام الله تعالى الذي استأثر به ﷾، كما قال تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١).
وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ (٢).
وبقولنا المنزل على محمد ﷺ يخرج ما أنزل على الأنبياء من قبله مثل التوراة والإنجيل وغيرهما. وجملة (المتعبد بتلاوته) تخرج قراءات الآحاد والأحاديث القدسية، إذا صح أنها منزلة من عند الله بألفاظها، لأن التعبد بتلاوته معناه الأمر بقراءته في الصلاة وغيرها، على وجه العبادة، وليست قراءة الآحاد والأحاديث القدسية كذلك (٣) .. والله تعالى أعلم.
أسئلة وتطبيقات
س ١: اذكر تعريف القرآن الكريم.
س ٢:ماذا يستفاد من كلمة (المنزّل)؟
س ٣:ماذا تخرج عبارة (المتعبد بتلاوته)؟
_________
(١) سورة الكهف آية ١٠٩.
(٢) سورة لقمان آية ٢٧.
(٣) مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان ص ١٨ بتصرف.
1 / 11
الفرق بين القرآن والحديث النبوي والحديث القدسي
س: سبق أن ذكرنا تعريف القرآن فما هو تعريف الحديث النبوي والحديث القدسي؟
ج: أولا: الحديث النبوي:
الحديث في اللغة ضد القديم، ويطلق ويراد به كل كلام يتحدث به وينقل ويبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي، في يقظته أو في منامه. وبهذا المعنى سمّي القرآن حديثا. مصداق ذلك قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (١).
وأما الحديث في الاصطلاح: فهو ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة.
س: ما هو مثال القول؟
ج: مثال القول: كقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢). رواه البخاري.
س: ما هو مثال الفعل؟
ج: مثال الفعل: كالذي ثبت من تعليمه ﷺ لأصحابه كيفية الصلاة ثم قال ﷺ لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣). وما ثبت أيضا من حجه ﷺ، وقد قال حينئذ: «خذوا عني مناسككم» (٤).
س: ما هو مثال الإقرار؟
ج: مثال التقرير أو الإقرار كأن يقرّ أمرا علمه عن أحد من الصحابة من قول أو فعل. سواء أكان ذلك في حضرته ﷺ أم في غيبته ثم بلغه ذلك. ومن أمثلة ذلك:
_________
(١) سورة النساء آية ٨٧.
(٢) من حديث طويل رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ﵁.
(٣) رواه البخاري.
(٤) أخرجه مسلم وأحمد والنسائي.
1 / 12
أولا:- أكل الضّبّ على مائدته صلوات الله وسلامه عليه (رغم أنه لم يأكل منه). فهذا يعتبر إقرارا منه ﷺ بإباحة أكله. كما في الصحيحين.
ثانيا:- ما روي أن رسول الله ﷺ بعث رجلا على سرّية. وكان هذا الرجل يقرأ في صلاته فيختم قراءته بقراءة سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال ﷺ: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك» فلما سألوه قال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﵊: «أخبروه أن الله يحبه» (١) هكذا في باب فضائل القرآن للبخاري.
س: ما هو مثال الصفة؟
ج: مثال الصفة كما روي من أنه ﷺ كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب. بل كان صلوات الله وسلامه عليه كامل الصفات الحميدة كلها.
ثانيا:- الحديث القدسي س: عرفنا فيما سبق تعريف القرآن وتعريف الحديث النبوي فما هو تعريف الحديث القدسي حتى نعرف الفرق بينهم؟
ج: عرفنا فيما سبق تعريف كلمة الحديث في اللغة. وأما كلمة القدسي، فنسبة إلى التقديس وهي نسبة تدل على التشريف والتعظيم لأن مادة هذه الكلمة تدل على التنزيه والتطهير في اللغة. فالتقديس هو تنزيه الله تعالى. والتقديس هو التطهير.
وتقدس: أي تطهر، وقد قال الله تعالى حكاية عن ملائكته: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ (٢) أي نعظمك ونكبرك. وأما تعريف الحديث القدسي في الاصطلاح: هو ما يضيفه النبي ﷺ من الكلام إلى الله تعالى. أي أن النبي ﷺ يرويه على أنه من كلام الله تعالى. فالرسول راو لكلام الله تعالى بلفظ من عنده ﷺ، وإذا رواه أحد يكون قد رواه عن رسول الله ﷺ مسندا إلى الله ﷿، فيقول مثلا:- قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿. أو يقول: قال
_________
(١) رواه البخاري ومسلم.
(٢) سورة البقرة آية ٣٠.
1 / 13
رسول الله ﷺ: قال الله تعالى. أو يقول الله تعالى.
فمثال الأول: عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: «يد الله ملأى لا (١) يفيضها نفقة (٢) سحّاء الليل والنهار» (٣) ومعنى لا يفيضها: أي لا ينقصها- والسحّ: هو الصبّ الدائم، نفقه: أي ما أنفق.
ومثال الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» (٤). فالرسول ﷺ إذا تحدث بالحديث النبوي لم ينسبه إلى ربه جل وعلا، وإذا تحدث بالحديث القدسي نسبه إلى الله ﷿. والله تعالى أعلم.
أسئلة وتطبيقات
س ١: عرّف الحديث النبوي في الاصطلاح؟
س ٢: ما مثال القول؟ وما مثال الفعل؟ وما مثال الإقرار؟
س ٣: اذكر تعريف الحديث القدسي في الاصطلاح.
س ٤: اذكر مثالا على إسناد الحديث القدسي إلى الله تعالى عن لسان رسول الله ﷺ.
س ٥: ما معنى الحديث في اللغة؟
_________
(١) يفيضها وفي رواية يغيضها- من غاض الماء يغيض إذا نقص.
(٢) سحّاء- بالحاء المهملة.
(٣) أخرجه البخاري ومسلم البخاري- كتاب التفسير- سورة هود (فتح الباري ٨/ ٣٥٢) وكتاب التوحيد- باب قول الله تعالى لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (فتح الباري ١٣/ ٣٩٣).
وأخرجه مسلم- كتاب الزكاة- باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف (صحيح مسلم بشرح النووي ٧/ ٨٠) والترمذي- أبواب تفسير القرآن- تفسير سورة المائدة (تحفة الأحوذي ٨/ ٤٠٩) والإمام أحمد (المسند ٢/ ٣١٣).
(٤) أخرجه البخاري ومسلم.
1 / 14
الفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي
س: ما الفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي؟
ج: هناك عدة فروق بين القرآن الكريم والحديث القدسي نذكر أهمها فيما يلي:
أولا: أن القرآن الكريم كلام الله تعالى أوحى الله به إلى رسوله محمد ﷺ بلفظه وتحدى به- أي بالقرآن- العرب جميعا فعجزوا عن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله أو بسورة واحدة من مثله، ولا يزال التحدي به قائما إلى يوم القيامة، فهو معجزة خالدة إلى يوم الدين. وهذا بخلاف الحديث القدسي فلا يتحدى بتلاوته.
ثانيا: القرآن الكريم لا ينسب إلّا إلى الله تعالى فيقال: قال الله تعالى. والحديث القدسي- كما سبق- قد يروى مضافا إلى الله تعالى وتكون النسبة إليه حينئذ نسبة إنشاء. فيقال: قال الله أو يقول الله تعالى. وقد يروى مضافا إلى رسول الله ﷺ وتكون النسبة حينئذ نسبة إخبار لأنه ﷺ هو المخبر به عن الله ﷿ فيقال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿.
ثالثا: القرآن الكريم كله منقول بطريق التواتر، فهو قطعي الثبوت. والأحاديث القدسية أكثرها أخبار آحاد، فهي ظنية الثبوت. وقد يكون الحديث القدسي صحيحا وقد يكون حسنا، وقد يكون ضعيفا.
أما القرآن فلا تعتريه هذه الأحوال، لأنه كله صحيح من عند الله.
رابعا: القرآن الكريم من عند الله تعالى لفظه ومعناه. فهو وحي باللفظ والمعنى.
والحديث القدسي معناه من عند الله تعالى ولفظه من عند رسول الله ﷺ على القول الصحيح فهو وحي بالمعنى دون اللفظ ولذا تجوز روايته بالمعنى عند جمهور المحدثين (١).
خامسا: القرآن الكريم متعبد بتلاوته فهو الذي تتعين القراءة به في الصلوات لقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (٢). فقراءته في الصلاة وفي غير الصلاة
_________
(١) هكذا بتصرف من كتاب (مباحث في علوم القرآن) للشيخ مناع القطان.
(٢) سورة المزمل آية ٢٠.
1 / 15
عبادة يثيب الله تعالى عليها كما جاء في الحديث الشريف: «من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول الم حرف. ولكن ألف حرف.
ولام حرف. وميم حرف» (١).
وبالمقابل لهذا فإن الحديث القدسي لا يجزئ في الصلاة ويثيب الله عليه ثوابا عاما. فلا يتحقق في قراءته الثواب الذي ورد ذكره في الحديث الشريف على قراءة القرآن الكريم بكل حرف عشر حسنات؛ وبهذا يكون قد اتضح الفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي .. والله أعلم.
أسئلة وتطبيقات
س ١: هناك عدة فروق بين القرآن الكريم والحديث القدسي، اذكر ثلاثة منها.
س ٢: اذكر الحديث الذي ورد في فضل قراءة القرآن وأجر الثواب على قراءته.
_________
(١) رواه الترمذي عن ابن مسعود وقال: حديث حسن صحيح.
1 / 16
الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي
س: عرفنا فيما سبق الفرق بين القرآن والحديث القدسي، فما هو الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي؟
ج: الحديث النبوي قسمان: قسم توقيفي وقسم توفيقي.
س: ما هو التوقيفي؟
ج: القسم التوقيفي: هو الذي تلقى الرسول صلوات الله وسلامه عليه مضمونه من الوحي فبيّنه للناس بكلامه ﷺ. وهذا القسم التوقيفي وإن كان مضمونه منسوبا إلى الله جل وعلا فإنه (من حيث هو كلام) حريّ بأن ينسب إلى الرسول ﷺ، لأن الكلام إنما ينسب إلى قائله وإن كان ما فيه من المعنى قد تلقاه من غيره.
س: ما هو القسم الثاني (التوفيقي)؟
ج: القسم الثاني التوفيقي: هو الذي استنبطه الرسول صلوات الله وسلامه عليه من فهمه للقرآن بتوفيق من الله تعالى، لأنه صلوات الله وسلامه عليه مبيّن للقرآن، أو استنبطه بالتأمل والاجتهاد، وهذا القسم الاستنباطي الاجتهادي من الرسول ﷺ يقره الوحي إذا كان صوابا، وإذا وقع فيه خطأ جزئي نزل الوحي بالصواب. ومثال
ذلك ما وقع في أسرى بدر فإن الرسول ﷺ أخذ برأي أبي بكر وقبل من الأسرى الفداء، فنزل القرآن الكريم بالصواب للنبي ﷺ. بقوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (١).
ويتبيّن من ذلك أن الأحاديث النبوية بقسميها التوقيفي والتوفيقي، يمكن أن يقال عنها أن مردها جميعا بجملتها إلى الوحي، وهذا معنى قوله تعالى في رسولنا الكريم ﷺ: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٢).
ولكن الحديث القدسي معناه من عند الله ﷿ يلقي المعنى إلى الرسول ﷺ
_________
(١) سورة الأنفال آية ٦٧.
(٢) سورة النجم آية ٣، ٤.
1 / 17
بأي كيفية من كيفيات الوحي. أما ألفاظه فمن عند رسول الله ﷺ على الراجح ونسبته إلى الله تعالى نسبة للمضمون وليست نسبة للألفاظ. ولو كان لفظ الحديث القدسي من عند الله لما كان هناك فرق بينه وبين القرآن ولوقع به التحدي بأسلوبه والتعبد بتلاوته .. ويتضح من هذا أن الحديث النبوي من عند رسول الله ﷺ قولا ومعنى. ينسب إليه بلفظه ومعناه. ولم ينسبه إلى الله ﷿.
وأما الحديث القدسي فهو ما يضيفه الرسول ﷺ من الكلام إلى الله تعالى.
أي أن الرسول ﷺ يرويه عن ربه على أنه من كلام الله تعالى. والرسول ﷺ راو له فقط من عنده هو. وإذا ما رواه أحد من الصحابة يكون قد رواه عن الرسول ﷺ مسندا إلى الله تعالى.
مثال ذلك هذا الحديث (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: يقول عن ربه. قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي. وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) الصحيحان، فالرسول إذا تحدث بالحديث النبوي لم ينسبه إلى ربه جل علاه. وإذا تحدث بالحديث القدسي نسبه إلى الله تعالى. هذا وبالله التوفيق.
والله تعالى أعلم.
أسئلة وتطبيقات
س ١ - للحديث النبوي قسمان فما هما مع التوضيح؟
س ٢ - مما درست تبيّن لك الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي فما هو؟
1 / 18
نزول القرآن الكريم
س: ما هي كيفية نزول القرآن الكريم؟
ج: القرآن الكريم: أنزله الله ﵎ على رسولنا محمد ﷺ لهداية البشر أجمعين فكان نزوله حدثا عظيما يشير إلى مكانته لدى أهل السماء وأهل الأرض.
وقد شرّف الله هذا القرآن بأن جعل له تنزلات ثلاث.
س: ما هو التنزل الأول للقرآن الكريم؟
ج: التنزل الأول: إلى اللوح المحفوظ، ودليله قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (١) ولقد كان هذا التنزل إلى اللوح المحفوظ بطريقة وفي وقت لا يعلمهما إلا الله تعالى ومن أطلعه على غيبه من خلقه. وكان جملة لا مفرقا. وهذا هو الظاهر من اللفظ القرآني عند الإطلاق. ولأن أسرار تنجيم القرآن على النبي ﷺ لا يعقل تحققها في هذا التنزيل لأن الرسول لم يكن قد بعث بعد.
س: ما هو التنزيل الثاني للقرآن المجيد؟
ج: التنزيل الثاني للقرآن الكريم كان إلى بيت العزة في السماء الدنيا. والدليل عليه قوله ﷾: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (٢).
وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ (٣). وقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ (٤). وقد دلت هذه الآيات الثلاث على أن القرآن أنزل في ليلة واحدة توصف بأنها مباركة أخذا من آية سورة الدخان، وتسمى ليلة القدر أخذا من سورة القدر، وهي من ليالي شهر رمضان أخذا من آية سورة البقرة. وهذا التنزل أيضا كان جملة لا منجما. وهذا التنزل الثاني يعتبره بعض العلماء التنزل الأول (٥).
_________
(١) سورة البروج آية ٢١، ٢٢.
(٢) سورة القدر آية ١.
(٣) سورة الدخان آية ٣.
(٤) سورة البقرة آية ١٨٥.
(٥) انظر كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج ١ ص ٣٩ - ٤٤.
1 / 19
س: ما هو التنزل الثالث للقرآن الكريم؟
ج: التنزل الثالث للقرآن الكريم كان بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇ حيث نزل به منجما (أي مفرقا) على قلب المصطفى ﷺ، على مدى ثلاث وعشرين سنة، وهذه هي فترة نزول الوحي من حين البعثة إلى وفاته ﷺ. ولقد كانت هذه المرحلة الأخيرة للتنزلات الثلاثة هي التي شع منها النور على العالم ووصلت بها هداية الله تعالى إلى الخلق.
ودليل هذا التنزل الأخير قول الله تعالى مخاطبا للرسول ﵊: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١).
ودليل نزول القرآن منجما قول الله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (٢). وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣). صدق الله العظيم .. والله تعالى أعلم.
أسئلة وتطبيقات
س ١ - اذكر التنزل الثاني للقرآن مع ذكر الدليل.
س ٢ - ما هو التنزل الثالث مع ذكر ما يدل عليه من القرآن الكريم؟
س ٣ - ما معنى: نزل منجما؟
س ٤ - في كم عام نزل القرآن على رسول الله ﷺ؟
_________
(١) سورة الشعراء من آية ١٩٢ - ١٩٥.
(٢) سورة الإسراء آية ١٠٦.
(٣) سورة الفرقان آية ٣٢.
1 / 20
مراحل جمع القرآن وتدوينه
س: ما هي مراحل جمع القرآن الكريم وتدوينه؟
ج: جمع القرآن الكريم (أي بمعنى كتب) على ثلاث مراحل.
المرحلة الأولى: جمعه في العهد النبوي الشريف.
المرحلة الثانية: جمعه في عهد أبي بكر الصديق ﵁.
المرحلة الثالثة: جمعه في عهد عثمان بن عفان ﵁.
س: كيف كانت طريقة كتابته في عهد رسول الله ﷺ؟
ج: كانت طريقة جمعه في العهد النبوي الشريف عبارة عن كتابة الآيات وترتيبها ووضعها في مكانها الخاص من سورها. فقد كانوا يكتبون القرآن على العسيب (١) واللخاف (٢) والرقاع (٣) وعظام الأكتاف وغيرها. وذلك لأن صنع الورق لم يكن مشتهرا عند العرب في ذلك الوقت. بل كان عند الفرس والروم. ويصعب الحصول عليه في ذلك الحين.
س: ما هو المقصود من هذا الجمع؟
ج: المقصود من هذا الجمع (أي الذي بمعنى الكتابة): زيادة التحري في ضبط ألفاظ القرآن وحفظ كلماته زيادة على ما في ذلك من تقديس القرآن والتنبيه على رفعة شأنه كما كان الشأن في تقييد الأشياء النفيسة. هذا وإن كان المعمول به في ذلك الوقت هو مجرد الحفظ في الصدور. وكانت صدورهم منشرحة للقرآن تماما حفظا وكتابة وتطبيقا لأحكامه.
س: هذا في عهد الرسول ﷺ فكيف جمع في عهد أبي بكر الصديق ﵁؟
_________
(١) العسيب: جمع عسب وهو جريد النخل بعد كشف الخوص عنه.
(٢) اللخاف: جمع لخفة (بفتح اللام وسكون الخاء) وهي الحجارة الرقيقة.
(٣) الرقاع: جمع رقعة وهي قد تكون من الجلد أو الورق أو غيرها.
1 / 21
ج: أما جمعه في عهد أبي بكر الصديق فكان عبارة عن نقل القرآن جميعه من العسيب واللخاف والرقاع والعظام وكتابته في مكان واحد، وهي الصحف مرتبة الآيات والسور مقتصرة فيه على ما ثبتت قرآنيته بالتواتر.
س: ما هو الغرض من هذا الجمع في عهد أبي بكر الصديق؟ ولماذا؟
ج: كان الغرض من هذا الجمع الاحتياط والمبالغة في حفظ هذا الكتاب خوفا عليه أو على شيء منه من الضياع بسبب موت كثير من حملته وحفّاظه الكبار الذين قتل منهم عدد يزيد على (٧٠) سبعين في معركة اليمامة. وقد روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: أرسل إليّ أبو بكر ﵁ مقتل أهل اليمامة (أي عقب استشهاد كبار الحفاظ) فإذا عمر جالس عنده، فقال أبو بكر: إن عمر جاءني فقال: (إن القتل قد استحرّ- أي كثر واشتد- يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في كل المواطن، فيذهب من القرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت: وكيف أفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ، فقال عمر- ﵁: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى.
قال زيد بن ثابت: فقال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك. وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن واجمعه. قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ قال: (أي أبو بكر) هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسيب واللخاف وصدور الرجال. ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (١) إلخ.
أي حتى خاتمة سورة براءة. فكانت هذه هي الصحف الأولى للقرآن الكريم التي كانت عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت
_________
(١) سورة التوبة آية ١٢٨ و١٢٩.
1 / 22