كان سلمان أحمد رجلا شديد المراس شريرا فاسقا عرف ببطشه ودهائه، فاتخذه بعض الحكام الأشرار آلة في أيديهم، وهكذا كان هو يستفيد من هؤلاء الحكام الأشرار فيتخذهم معوانا للشر ولابتزاز الأموال وللربح الحرام.
والذي زاد تحرج الحالة أن جماعة من أعيان المتاولة أسسوا جمعية في بعلبك؛ لنصرة أبناء دينهم ورفع شأنهم، فتحول بعض فروعها تباعا إلى نوادي عصابات تعمل للفتك بأعداء الطائفة، وتهديد الآمنين من أبنائها إذا لم يكونوا من مؤيدي العصابات. فبدلا من أن تعمل الجمعية على لم شعث الطائفة، وإنشاء المدارس والمكاتب لتنوير العقول وتهذيب الشبان، وإقامة الحفلات الأدبية وما أشبه مما كان ينوي القائمون بأمرها أن يفعلوا لرفع مستوى الأخلاق وإعلاء شأن الأمة، أصبحت الجمعية في يد فتيان لا يقيمون للأمور وزنا، ولا يعرفون كيف تعمر البلدان وتصلح الأديان النفوس، فاندس بين أفراد الجمعية السفحة والمجرمون وأفسدوا على المصلحين خطتهم، وضاع ما كانوا يأملون.
ولسوء الحظ أن سلمان أحمد رئيس فرع الجمعية في قريته المجاورة لقرية العمروسة، جعل من الجمعية سلما يرتقي بواسطته إلى أغراضه السافلة.
سار سلمان أحمد في طريقه، وإذا بشاب جميل الطلعة، ممتلئ البدن، تبدو على محياه أمارات الطيبة ومكارم الأخلاق، قد أقبل على الشيخ محييا، وقال: من هؤلاء الذين مروا بك؟ فكأن الشر كان باديا على محياهم، ولولا حرمة الشيخ لكان لي معهم شأن، فقد سمعتهم يشتمون أهل قريتنا ويتوعدون، وعرفت منهم سلمان أحمد، وهو شيخ قريته، وكان الأجدر به أن يتخذ له من الأصحاب غير هؤلاء الأجلاف.
فأنصت الشيخ إلى كلام محمد الهلالي الذي كان يكلمه، وقال: آه يا محمد إن سلمان أحمد زعيم هؤلاء، وهو أكثرهم شرا، وأبعدهم عن الفضائل، وأقلهم رجولية عند اشتداد النوائب؛ فهو جبان يسطو حين لا يجد من يدافع، ويجبن حين يلاقي الشجعان البواسل، وهذه شيمته التي عرف بها، فكم كان علة لخراب بيوت، يتم أطفالها، ورمل نساءها، ثم تظاهر لها بالمودة والإخاء، وأوقع الشر بين أفراد العائلة الواحدة، متهما بالجريمة بعض الأبرياء، وما ذلك إلا حبا بربح يسير، أو بالظهور بمظهر المتنفذ لدى الحكام، أو جرا للمغانم لنفسه ولو على جثث القتلى، فقال محمد - وقد عراه الذهول: ويحه وهو يريد أن يكون لنا صهرا! ثم سكت متألما.
وكان محمد شابا جميل الطلعة، بشوش الوجه، شديد الجسم، مفتول العصب، تلقى مبادئ العلوم على يد الشيخ صالح بعد أن تعلم مبادئ القراءة في مدرسة القرية الصغيرة، أما الشيخ صالح فكان رجلا تقيا فاضلا ، عكف على درس الكتب والتبحر في العلوم، قانعا بعيش رضي بعيدا عن الفخفخة والمجد الباطل، يجول في الصباح في الحقول عاملا بضع ساعات في زراعته مشرفا عليها بنفسه، ثم يعود إلى منزله فيأخذ في الدرس، أو يقصد بعض إخوانه حيث يجتمع به بعض الطلاب الأذكياء من أبناء القرية، فيأخذون عنه مبادئ العلم، وحيث حل الشيخ صالح كان مجلسه مجلس وقار، فإذا تكلم أنصت كل من حضر إلى سماع أقواله وإلقاء الأسئلة عليه، فكان يجيب السائل بما آتاه الله من علم وشاهده في رحلاته الكثيرة من الاختبار.
وكأن الله أراد الخير لتلك القرية، فأوجد فيها ذلك الشيخ الصالح وزوده بعلم غزير، وعقل راجح، وقلب كبير، وصدر رحب، وخبرة واسعة، وأعده لمثل هذه المهمة؛ إذ دعته أحواله العائلية وهو صغير إلى التغرب عن قريته، فقضى سنوات في دمشق في أيام حداثته، ثم عرضت لوالده أمور حملته على التغرب إلى مصر، فحمل ابنه صالحا معه حيث كان يتردد على الأزهر ويدرس على أئمته، ثم انتقل من مصر إلى جهات مختلفة، فكان يخالط علماءها وأدباءها ويستفيد مما يراه علما واختبارا؛ حتى إذا عاد إلى قريته الصغيرة كان قد خبر حلو الزمان ومره، ودرس أحوال العمران، وشهد من غرائب الأمور ما جعله خبيرا بأمور العباد، عالما فاضلا ساعيا للخير مجردا عن الهوى، ورأى تأخر قومه فسعى سعيا حثيثا لإزالة أسباب الجفاء بين العائلات مبتدئا بقريته الصغيرة، فكانت كلمته مسموعة عند الجميع، خصوصا وأنه لم يظهر تغرضا لعائلته، بل كان في كل أموره عنوان التسامح ومكارم الأخلاق، وكان كريما جوادا لا يبخل بماله عند الحاجة، بل يجود بنفسه وماله في سبيل إغاثة الملهوف وإصلاح الأمور.
وكان أول ما فعله أن حث أهل بلدته على إصلاح زراعتهم والاهتمام بأمورهم الخاصة، فأوجد بينهم حركة جدية أدت إلى تحسين زراعاتهم وجودة غلالهم، وتحسين نتاج مواشيهم، فكان ذلك مدعاة إلى تفضيل التجار حاصلات تلك القرية على حاصلات ما سواها من قرى البقاع، فضلا عما كانوا يجدونه من أهلها من التسامح وكرم الضيافة وحسن المعاملة.
وكان يوسف الهلالي والد محمد تلميذ الشيخ أكثر أصدقاء الشيخ اجتهادا في إصلاح أموره الدنيوية والانقطاع إلى أعماله، فكان عنوان الاجتهاد، فوفقه الله في أعماله ووسع عليه رزقه ورزق عياله، وكان منزله بمثابة مضافة لأهل القرية ولمن يقصدها من الغرباء.
وكان ليوسف الهلالي أيضا ابنة حسناء شبت على الفضيلة ومكارم الأخلاق، ومع أنها لم تتلق من العلم إلا مبادئ القراءة البسيطة، كانت إذا جلست تتكلم مع رفيقاتها خلتها على جانب عظيم من العلم والتهذيب؛ وذلك لأن والديها كانا من خاصة القوم؛ فأبوها كان - كما أسلفنا - واسع الخبرة عرف بين أقرانه برجاحة العقل، وأمها كانت من فضليات السيدات، اشتهرت بتدبير منزلها وإخلاصها لزوجها، وحسن قيامها بتربية ولديها، فكأن هيفاء ورثت الكثير من خلال والديها، وكانت نفسها تواقة إلى العلم والاطلاع، وهي سريعة الفهم شديدة الملاحظة، فساعدها ذلك على التحصيل، فكانت تأخذ ما لديها من الكتب وتجلس أحيانا أمام أخيها تقرأ ما يعن لها بصوت عال، وتتوسل إليه أن يصلح هفواتها ويساعدها على تفهم ما استعصى عليها، وفضلا عن ذلك فإنها كانت كلما علمت أن الشيخ صالح عندهم تجلس في غرفة محاذية لا يفصلها عن مجلسه إلا فاصل خشبي، وتصغي إلى أقواله وتعاليمه حينما كان يلقي الدروس على الفتيان الذين يجتمعون مع أخيها للاستفادة من الشيخ، وهكذا أخذت هيفاء عن الشيخ كثيرا من آرائه الفلسفية وتعاليمه المتنوعة، دون أن يشعر بها أحد أو تدرك هي سر تأثير ذلك في نفسها.
ناپیژندل شوی مخ