غمست الفرشاة في زجاجة الطلاء. كان لونه أحمر داكنا، مثل توت العليق. أحبت روز رائحته. كانت أصابع كورا كبيرة، وردية اللون، ثابتة، ودافئة. «أليس ذلك جميلا؟ ألن تبدو أظافرك جميلة؟»
اتبعت كورا الأسلوب الصعب السائد آنذاك في طلاء الأظافر، ولم يعد مستخدما الآن، وهو أن تترك الشكل الهلالي على أطراف الأظافر والمساحة البيضاء بلا طلاء. «سأطليها باللون الوردي لتتماشى مع اسمك. اسمك جميل يا روز. يعجبني كثيرا، بل يعجبني أكثر من اسم كورا. فأنا أكره اسم كورا. أصابعك متجمدة بالرغم من دفء الجو اليوم. أليست متجمدة مقارنة بأصابعي؟»
كانت تتغزل في نفسها، وتتدلل، كعادة الفتيات في تلك السن؛ فكن يجربن سحرهن على أي شيء؛ الكلاب أو القطط أو على صورتهن في المرآة. كان تأثير الموقف على روز قويا على نحو حال دون استمتاعها بتلك اللحظات. شعرت بالوهن والانبهار، ارتعبت من ذلك المعروف الكبير الذي كانت تسديه لها كورا.
منذ ذلك اليوم، صارت روز مهووسة بكل ما في كورا؛ فقضت وقتها في محاولة السير مثل كورا، والتشبه بها، مكررة كل كلمة سمعتها منها. حاولت أن تكون هي، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. رأت روز سحرا في كل إيماءة من كورا، في طريقة غرزها القلم الرصاص في شعرها الكثيف الخشن، في تأوهاتها أحيانا في المدرسة بسبب الملل الشديد، في لعقها لإصبعها، وصقلها لحاجبيها برفق. فلعقت روز إصبعها مثلها، وصقلت حاجبيها، آملة في أن يصيرا داكني اللون، بدلا مما كانا عليه من لون باهت وشكل يكاد يكون غير مرئي.
لم يكن تقليد كورا كافيا، وإنما فعلت روز ما هو أكثر من ذلك؛ فتخيلت أنها مريضة، وتم استدعاء كورا بشكل ما لتتولى رعايتها؛ تمنحها عناقا قبل النوم، وتمسد على جسدها، وتهدهدها. اختلقت، كذلك، قصصا عن تعرضها للمخاطر وإنقاذ كورا لها، وعن حوادث وامتنان بينهما. في تلك القصص كانت تنقذ فيها روز كورا أحيانا، وكورا تنقذها في أحيان أخرى، لتسود بينهما بعد ذلك حالة من الدفء والمودة والبوح بالأسرار.
هذا اسم جميل.
اصعدي هنا، يا عزيزتي.
بداية الحب، تزايده، تدفق المشاعر. حب جنسي، لم تكن متأكدة بعد مما يجب التركيز عليه بالضبط. لا بد أنه كان هناك من البداية، مثل العسل الأبيض المتجمد في الدلو الذي ينتظر الوقت المناسب للذوبان والتدفق. افتقر الأمر إلى بعض الحدة، بعض الضرورة الملحة؛ كانت هناك اختلافات عرضية في جنس من وقع عليه اختيارها عند تفكيرها في ذلك الأمر. لكن فيما عدا ذلك، كان ما يعتريها هو نفس الشيء الذي أخذ يباغتها منذ ذلك الحين؛ المد العالي؛ الحماقة المستعصية؛ الاجتياح الجارف.
مع ازدهار كل شيء في الأرجاء، من أزهار الليلك، وأشجار التفاح، والبعرور البري على طول الطريق، كان يحل موعد لعبة الجنائز التي كانت تنظمها الفتيات الأكبر سنا. والشخصية التي من المفترض أن تلعب دور المتوفى - وهي فتاة، لأن الفتيات فقط هن من كن يلعبن تلك اللعبة - كانت تستلقي أعلى سلم الحريق. أما باقي الفتيات، فكن يصعدن السلم بتؤدة، وهن يغنين إحدى الترنيمات، ويلقين بالورد الذي ملأن به أذرعهن. كن ينحنين متظاهرات بالبكاء (بعضهن بكى بالفعل)، ويلقين على المتوفاة النظرة الأخيرة، وبذلك تنتهي اللعبة. كان من المفترض أن تنال جميع الفتيات فرصة لعب دور الشخصية المتوفاة، لكن الأمور لم تسر على هذا النحو؛ فبعد أن كانت الفتيات الأكبر سنا يؤدين ذلك الدور، لم يكن ليزعجن أنفسهن بلعب دور ثانوي في جنائز الفتيات الصغيرات. وبعد مغادرتهن، سرعان ما كانت الفتيات الصغيرات يدركن أن اللعبة قد فقدت أهميتها وسحرها، فيرحلن بدورهن، تاركات بعض العنيدات اللاتي لا أهمية لهن ينهين اللعبة. وكانت روز من بينهن؛ إذ تعلقت بأمل صعود كورا سلم الحريق في جنازتها، لكن كورا تجاهلت الأمر.
كان على الفتاة التي تلعب دور المتوفاة اختيار الترنيمة التي ستتغنى بها الفتيات في الجنازة، فاختارت كورا: «كم هي جميلة السماء!» استلقت كورا وحولها أكوام من الزهور، أغلبها من الليلك، وارتدت فستانها الوردي المصنوع من قماش الكريب الرقيق. كان هناك أيضا بعض الخرزات، ودبوس زينة منقوش عليه اسمها بالترتر الأخضر، كسا وجهها قدر كبير من المسحوق، الذي ارتعش على الشعيرات الناعمة الموجودة على أطراف فمها. خفقت أهدابها. كان تعبير وجهها يوحي بالتركيز، والعبوس، والموت على نحو صارم. تغنت روز بالترنيمة بصوت حزين، ووضعت الليلك من يدها، وكانت على وشك القيام بطقس تعبدي ما، لكنها لم تتوصل إلى أي شيء يمكنها فعله. فما كان منها إلا أن أخذت تجمع التفاصيل للتفكير فيها لاحقا. لون شعر كورا، لمعة الخصلات الداخلية التي شدت لتوضع خلف أذنيها، والتي بدت ذات لون عسلي أكثر دفئا من الخصلات الموجودة أعلاها. كانت ذراعاها مكشوفتين، داكنتي اللون، مسطحتين، أشبه بذراعي امرأة ثقيلتين، والشراشيب منسدلة عليهما. ما كانت رائحتها الحقيقية؟ عم كان حاجباها المشذبان، العابسان الدالان على رضاها عن نفسها، يعبران؟ بذلت روز جهدا كبيرا لاحقا وهي وحدها لاستدعاء تلك التفاصيل، وإدراكها، وتذكرها إلى الأبد. ما كان نفع ذلك؟ عندما كانت تفكر في كورا، كانت تشعر ببقعة داكنة مشرقة، بمركز ذائب، برائحة الشوكولاتة المحترقة ومذاقها، الأمور التي لم تستطع نيلها أبدا.
ناپیژندل شوی مخ