136

مصطفى النحاس

مصطفى النحاس

ژانرونه

لقد اجتمع يومئذ في صدر مصطفى النحاس إحساس المجاهد الوطني الذي هوجم بأكذب التهم في حق وطنيته، وحيكت الدسيسة لتلويث سمعته، ونسجت المكيدة للقضاء على قوته المعنوية وسلطانه الروحي في أمته؛ وشعور الصديق الوفي الصافي القلب الطاهر السريرة، يرى أخوين له مهددين بالموت، موشكين على وقفة الإعدام؛ وعاطفة المحامي الكبير الذي يبحث عن الحق ويرتاد له، ويذود عنه بكل قواه وبراعته ومنطقه.

بهذه العوامل النفسية المجتمعة أكب مصطفى على أوراق القضية يدرسها دراسة المدقق المتفحص، مشتركا في تنظيم الدفاع مع أربعة من زملائه، وهم مرقص حنا باشا، ومحمد نجيب الغرابلي باشا، والأستاذ مكرم عبيد، والأستاذ أحمد بك لطفي، موغلا في قلب القضية، لا يغادر صغيرة ولا دقيقة إلا فحصها أدق الفحص، وبحثها أعمق البحث، والتمس للتدليل على صحتها أو كذبها كل ما في مكنته من تدليل وتبرير.

وحل موعد نظر القضية أمام قاضي الإحالة في الحادي والثلاثين من يناير سنة 1926، فتجلى مصطفى بأروع نواحيه الثلاث محاميا، ووطنيا وصديقا وفيا، وراح صوت المحامي المنطيق الذواد عن الحق يدوي في ساحة القضاء دويا، كما انبعث إيمان الوطني الأبي رائعا جليلا يغمر أفق العدالة غمرا، ويشع على الظلام فيحيله نورا، وانطلق صوت الصديق الحاني والصاحب البر، والولي الحميم، حنانا متهدجا باكيا.

لقد كانت تلك تبعة خطيرة إلى أبعد ما يكون الخطر، تبعة رهيبة تلك التي راح يحملها مصطفى وزملاؤه المحامون المشتركون في هيئة الدفاع معه، فإن أخوين له على شرف من الموت، وفي مقترب من المشنقة، فإذا لم ينتهيا من المحاكمة بالنجاة، وإذا لم يعن الدفاع على البراءة، قضى عليهما، وتلوثت سمعة الوفد، وكسب خصومه أخطر قضية ضده، وذهب أمره فرطا، وكان المصير مجهولا، والعاقبة شرا مستطيرا.

وكانت خطورة التبعة تقتضي بلا ريب آخر جهد الحق والمنطق، وأقصى براعة المحامي القوي النفاذ البصر المدقق، وأبعد حد من الشجاعة والصبر والسكينة في البحث عن أدلة النفي، ومكان الاصطناع من التهمة، ومواضع الضعف في القضية، ومآتي الهجوم على الخصوم، وإبراز الحقائق من وسط غمرة الأكاذيب.

وفي هذا الموطن برز مصطفى النحاس المحامي الذي يرى المحاماة فنا، ويعتقد أنه رسول الحق، ووسيط العدالة، تحفزه بجانب ذلك كله عاطفة الصديق، ووفاء الوفي، ووطنية الوطني، وتبعثه كرامة الفكرة التي يعتنقها، وحرمة العقيدة التي يدين بها؛ فإذا هو أمام ساحة القضاء أروع محام في أخطر قضية.

وقد أدلى بدفاع مجيد خليق حقا بالخلود؛ لأنه استوفى في كافة صفات المرافعة البليغة الصحيحة المدققة الجريئة في أشرف ما تكون الجرأة، الجرأة للحق في غير مبالاة بعد ذلك بأي اعتبار.

وما كان في الحق أروع وقفته! إذ تناول تقريرا من التقارير التي كتبها شفيق منصور، فأثبت بالأدلة الملموسة أن النيابة كانت قد اطلعت عليه قبل أن يتم وضعه؛ ولكنها حين سئلت في ذلك عللته بأنه كان قد جاءها خلوا من التاريخ فردته لكي يؤرخ، وأن هذا التعليل غير صحيح، فقد صاح مصطفى بأعلى صوته في هذا الموضع من مرافعته مطالبا النيابة بتفسير صحيح، فأسقط في يدها، وقالت: «فسروا أنتم»! وعند ذلك راح مصطفى بمنتهى ما تكون جرأة المدافع عن الحق ينادي بصوته الداوي قائلا: ... تريد النيابة أن أفسر، إذن فلأفسر! وتفسيري أن هذه التقارير تطبخ بمعرفتكم جميعا ... أفسر أكثر من ذلك، وهو أن هذه التقارير ترتب في معمل مخصوص جزءا جزءا، وهذا المعمل تطلع النيابة على ما حضره جزءا جزءا، وأن النيابة في يوم 15 يونيو سنة 1925 قبل أن يتم ترتيب التقرير بجميع أجزائه كانت قد اطلعت على الجزء الخاص بحادثة ... والذي اتفق على أن يكتب باعتبار أنه صادر من شفيق منصور؛ ولهذا أجرت تحقيقا عن هذا الجزء من التقرير في يوم 15 يونيو، قبل أن يتم وضع جميع الأجزاء الخاصة به في المعمل المخصوص، وقبل أن تعطى إلى شفيق منصور لينسخها ويوقع عليها، وقبل أن ترسل رسميا من الضابط الحارس إلى الحكمدار، ومنه إلى النائب العام ... اكتبوا هذا عني، وانشروه على الملأ، وقولوا: إني أتهم. «إني أتهم علنا، وفي مجلس القضاء، النيابة العمومية بالاشتراك مع رجال السلطات في التدبير لاغتيال ماهر والنقراشي».

والدليل ثابت مادي لا يمكن النيابة أن تخرج منه بأي حال من الأحوال ...!

هذا هو الصوت الرهيب الذي دوى في ساحة العدالة على الملأ من النظارة والحاضرين، فأكبرته النفوس، واهتزت له الأرواح، صوت محام شجاع في الحق، شديد على الباطل، رفيع الجرأة، غير هياب ولا منزو من قولة الصدق، مهما كان في قولها من خطر أو عقاب.

ناپیژندل شوی مخ