إن قال ما كان يجول في خاطره، إن أنكرها، إن تركها للحياة أو للموت وهو أشد رحمة معلنا أنه لا يعرفها، أنه لم يرها قط، فأين إذن رونق الفعل الذي حاول القيام به ليستر باسمه امرأة كانت بحاجة إلى اسم؟ فلم يكن ليفرق معه، على أي حال، في ليلة العاصفة أي امرأة تحمل اسمه ما دامت كانت ستستعيد به الكبرياء وإرثا لائقا لطفل لم يولد، الذي قال الطبيب إنه «طفل صغير معافى.» لكنه إن نطق فلن يظل الطفل الصغير المعافى بخير. سيصبح طفل العار، مجرد شيء يستدعي الشفقة، مثارا للسخرية، ينقل من منظمة خيرية إلى أخرى. سيلقى به إلى العالم محروما من حقه في بيت أو محبة أو تربية لائقة. ولن يصبح من المستغرب إن ابتلعته أي موجة من موجات الجريمة أو العار مما لا يخطر على بال إنسان. والفتاة. أخذ جيمي يحملق بشدة. وأدرك أنه لو كان ثمة دماء في ذلك الوجه الشاحب شحوب الخزف، ولو كان ثمة حمرة في شفتيها، ولو كان ثمة لمعة في شعرها، ولو كشف هذان الجفنان الرقيقان عن عينيها، متضرعتين يملؤهما الحزن، كانت ستبدو جميلة. ربما هناك في العالم رجل استطاع أن يتبرأ منها. لكن جيمي لم يستطع. ليس جيمي ماكفارلين من يفعل ذلك. لقد ماتت الكلمات دون أن ينطق بها.
قال بصوت أجش: «هل تقصد أنه من الغريب أنني لم أتعرف عليها؟ ربما الألم هو السبب، لقد تزوجنا منذ شهور عديدة.»
فقال الطبيب: «لقد علمت أن في هذا العالم الكثير جدا من الأشياء الغريبة وبعض الأشياء المستعصية على التفسير، لكنني لا أستطيع ألا أعرب عن رأيي بأنك زوج سيئ ما دمت تركت زوجتك تمر بشيء عصيب مثل الاقتراب من الوضع بما فيه من ألم عصبي وألم جسدي من دون أن تبدي أي تعاطف أو تبادر بأي اهتمام. إنه تصرف لا يكاد يبدو إنسانيا.»
لعق جيمي شفتيه وخضع للتوبيخ. لم يستطع أن يقول أي شيء يدافع به عن نفسه من دون أن يلقي بظلال الشك على الفتاة أمامه، وخلال الدقائق القليلة التي قضاها واقفا يحملق فيها أدرك أن أنفاسها تتلاحق. وصارت اليد التي كان يحملها ثقيلة في أصابعه. فقبض عليها وشرع يفركها.
وهتف قائلا: «بحق الله! حاول أن تفعل شيئا! دعك من وعظي الآن! افعل شيئا! لا ... لا تتركها تضيع هكذا!»
نظر الطبيب إلى جيمي وقال بهدوء: «لم يترك ثلاثة من أفضل الأطباء في المدينة شيئا مما يعرفونه في علم الطب دون أن يفعلوه طوال الليل، كذلك أدت بعض الممرضات الممتازات واجباتهن على أكمل وجه. يجدر بك أن تعي أن نهايتها وشيكة جدا. اعتقدت أنها قد تتحسن. اعتقدت أنها ربما قد تريد إخبارك بشيء. اعتقدت أنك ينبغي أن تكون هنا حين تحتاج إليك، وقد أخبرتك بالحقيقة حين قلت إن ابنك صبي صغير جميل. فإنه مثال على جمال الطفولة. وبداخله بذرة رجل محترم، ونحن بحاجة إلى الرجال في هذا البلد. إذ يبدو أن لدينا فائضا من المنحطين في الوقت الحالي.»
مرة أخرى تجرع التوبيخ. وكان مذاقه مرا على لسانه؛ لأنه ليس «منحطا». ولم يكن كذلك قط. فلم يكن عليه أدنى التزام تجاه السيدة الراقدة أمامه، بخلاف الالتزام الذي يدين به أي رجل لكل النساء؛ أن يحبهن بإخلاص، ويهتم بهن برفق، ويحترم أجسادهن باعتبارها الأوعية التي يعمر من خلالها العالم. وقد غرس فيه ذلك المبدأ منذ أصبح بالغا كفاية ليفهم معناه ولو فهما طفيفا. لا بد أن يكون مهذبا مع النساء. لا بد أن يكون كريما معهن. لا بد أن يلقين الرعاية لأن بهن تكتمل الأسرة؛ فهن من ينجبن الأطفال الصغار. لا بد من احترامهن. إنهن الأوعية التي تحتوي بذور الحياة. ومن أرحامهن يخرج الرؤساء والساسة، والمحافظون ورجال الأعمال، والقباطنة والبحارة والجنود وفلاحو الأرض والقساوسة الذين يملئون المنابر والمعلمون الذين يشكلون عقول الصغار في مدارسنا.
وأمامه كانت تحتضر واحدة من النساء؛ تحتضر في شبابها، تموت وهي جميلة، من خجلها من نفسها، في خزي، وكرب شديد؛ لأن رجلا ما، في مكان ما، استخف بجسدها واستباحه ليحكم عليها بشهور من الوجع المعنوي، وساعات من الكرب المؤلم، ووحشة الموت من دون حبيب. ومن ثم ترنح جيمي فدفعت الممرضة مقعدا تحته.
ونظرت إليه نظرة نافذة ثم قالت بترو: «في الأمر شيء لا أعيه أيها الطبيب، لكنني لن أشاركك في الاعتقاد باقتران أي من صفات انعدام الرجولة بالسيد ماكفارلين. فخلال الأيام التي قضتها السيدة ماكفارلين هنا قبل ولادة الطفل بدا لي أنها تعشقه. فهي لم تبح بأي كلمة خبيثة في حقه.» «ماذا تقولين؟» سألها الطبيب محتدا.
فأجابته الممرضة: «أخبرك بالحقيقة. لقد قالت إنه أنبل الرجال، أرقى الرجال في العالم بأسره. قالت إنه أتى فعلا غاية في العظمة والسمو ما كان ليفعله أي رجل آخر. وقالت إنها تشعر أنها لن تعيش بعد ولادة الطفل. وحين أرتني عقد زواجها، اعتقدت أنها تريد مني استدعاءه. فبحثت عن عنوانه. فقد قالت إنه إن كتب لطفلها العيش، فقد أعدت له السبل لذلك، لكنها أبدت لي أمنيتها في أن يذهب إلى رجل شديد الفضل مثله. لا أدري كيف أفسر سبب انفصالهما بعضهما عن بعض خلال هذه الشهور، لكنني أعلم يقينا أن الخطأ ليس من ناحية السيد ماكفارلين.»
ناپیژندل شوی مخ