مختصر المعاني
مختصر المعاني
(وفيه) أي في تفسير التخييلية بما ذكره (تعسف) أي اخذ على غير الطريق لما فيه من كثرة الاعتبارات التى لا تدل عليها دليل ولا تمس إليها حاجة وقد يقال ان التعسف فيه هو انه لو كان الامر كما زعم لوجب ان تسمى هذه الاستعارة توهمية لا تخييلية. وهذا في غاية السقوط لانه يكفى في التسمية ادنى مناسبة على انهم يسمون حكم الوهم تخييلا ذكر في الشعاء ان القوة المسماة بالوهم هي الرئيسة الحاكمة في الحيوان حكما غير عقلي ولكن حكما تخييليا (ويخالف) تفسيره للتخييلية بما ذكره (تفسير غيره لها) أي غير السكاكى للتخييلية (بجعل الشئ للشئ) كجعل اليد للشمال وجعل الاظفار للمنية. قال الشيخ عبد القاهر انه لا خلاف في ان اليد استعارة ثم انك لا تستطيع ان تزعم ان لفظ اليد قد نقل عن شئ إلى شئ إذ ليس المعنى على انه شبه شيءا باليد بل المعنى على انه اراد ان يثبت للشمال يداء ولبعضهم في هذا المقام كلمات واهية بينا فسادها في الشرح. نعم نتيجته ان يقال ان صاحب المفتاح في هذا الفن خصوصا في مثل هذه الاعتبارات ليس بصدد التقليد لغيره حتى يعترض عليه بان ما ذكره هو مخالف لما ذكره غيره. (ويقتضى) ما ذكره السكاكى في التخييلية (ان يكون الترشيح) استعارة (تخييلية للزوم مثل ما ذكره) السكاكى في التخييلية من اثبات صورة وهمية (فيه) أي في الترشيح لان في كل من التخييلية والترشيح اثبات بعض ما يخص المشبه به للمشبه فكما اثبت للمنية التى هي المشبه ما يخص السبع الذى هو المشبه به من الاظفار كذلك اثبت لاختيار الضلالة على الهدى الذى هو المشبه ما يخص المشبه به الذى هو الاشتراء الحقيقي من الربح والتجارة فكما اعتبر هنا لك صورة وهمية شبيهة بالاظفار فليعتبر ههنا ايضا امر وهمى شبيه بالتجارة وآخر شبيه بالربح ليكون استعمال الربح والتجارة بالنسبة اليهما استعارتين تخييليتين إذ لا فرق بينهما الا بان التعبير عن المشبه الذى اثبت له ما يخص المشبه به كالمنية مثلا في التخييلية بلفظ الموضوع له كلفظ المنية وفى الترشيح بغير لفظه كلفظ الاشتراء المعبر به عن الاختيار والاستبدال الذى هو المشبه مع ان لفظ الاشتراء ليس بموضوع له. وهذا الفرق لا يوجب اعتبار المعنى المتوهم في التخييلية وعدم اعتباره في الترشيح فاعتباره في احدهما دون الاخر تحكم. والجواب ان الامر الذى هو من خواص المشبه به لما قرن في التخييلية بالمشبه كالمنية مثلا جعلناه مجازا عن امر متوهم يمكن اثابته للمشبه وفى الترشيح لما قرن بلفظ المشبه به لم يحتج إلى ذلك لان المشبه به جعل كأنه هو هذا المعنى مقارنا للوازمه وخواصه حتى ان المشبه به في قولنا رأيت اسدا يفترس اقرانه وهو الاسد الموصوف بالافتراس الحقيقي من غير احتياج إلى توهم صورة واعتبار مجاز في الافتراس بخلاف ما إذا قلنا رأيت شجاعا يفترس اقرانه فانا نحتاج إلى ذلك ليصح اثباته للشجاع فليتأمل ففى الكلام دقة ما. (وعنى بالمكنى عنها) أي اراد السكاكى بالاستعارة المكنى عنها (ان يكون) الطرف (المذكور) من طرفي التشبيه (هو المشبه) ويراد به المشبه به (على ان المراد بالمنية) في مثل انشبت المنية اظفارها هو (السبع بادعاء السبعية لها) وانكار ان يكون شيءا غير السبع (بقرينة اضافة الاظفار) التى هي من خواص السبع (إليها) أي إلى المنية فقد ذكر المشبه وهو المنية واراد به المشبه به وهو السبع فالاستعارة بالكناية لا تنفك عن التخييلية بمعنى انه لا توجد استعارة بالكناية بدون الاستعارة التخييلية لان في اضافة خواص المشبه به إلى المشبه استعاره تخييلية. (ورد) ما ذكره من تفسير الاستعارة المكنى عنها (بان لفظ المشبه فيها) أي في الاستعارة بالكناية كلفظ المنية مثلا (مستعمل فيما وضع له تحقيقا) للقطع بان المراد بالمنية هو الموت لا غير (والاستعارة ليست كذلك) لانه قد فسرها بان تذكر احد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الاخر ولما كان ههنا مظنة سؤال وهو انه لو اريد بالمنية معناها الحقيقي فما معنى اضافة الاظفار إليها اشار إلى جوابة بقوله (واضافة نحو الاظفار قرينة التشبيه) المضمر في النفس يعنى تشبيه المنية بالسبع وكان هذا الاعتراض من اقوى اعتراضات المصنف على السكاكى. وقد يجاب عنه بانه وان صرح بلفظ المنية الا ان المراد به السبع ادعاءا كما اشار إليه في المفتاح من انا نجعل ههنا اسم المنية اسما للسبع مرادفا له بان ندخل المنية في جنس السبع للمبالغة في التشبيه بجعل افراد السبع قسمين متعارفا وغير متعارف ثم يخيل ان الواضع كيف يضع اسمين كلفظي المنية والسبع لحقيقة واحدة ولا يكونان مترادفين فيتأتى لنا بهذا الطريق دعوى السبعية للمنية مع التصريح بلفظ المنية. وفيه نظر لان ما ذكره لا يقتضى كون المراد بالمنية غير ما وضعت له بالتحقيق حتى يدخل في تعريف الاستعارة للقطع بان المراد بها الموت، وهذا اللفظ موضوع له بالتحقيق وجعله مرادفا للفظ السبع بالتأويل المذكور لا يقتضى ان يكون استعماله في الموت استعارة. ويمكن الجواب بانه قد سبق ان قيد الحيثية مراد في تعريف الحقيقة أي هي الكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له بالتحقيق ولا نسلم ان استعمال لفظ المنية في الموت مثل اظفار المنية استعمال فيما وضع له بالتحقيق من حيث انه موضوع له بالتحقيق في مثل قولنا دنت منية فلان بل من حيث ان الموت جعل من افراد السبع الذى لفظ المنية موضوع له بالتأويل. وهذا الجواب وان كان مخرجا له عن كونه حقيقة الا ان تحقيق كونه مجازا أو مرادا به الطرف الاخر غير ظاهر بعد (واختار) السكاكى (رد) الاستعارة (التبعية) وهى ما تكون في الحروف والافعال وما يشتق منها (إلى) الاستعارة (المكنى عنها بجعل قرينتها) أي قرينة التبعية استعارة مكنيا عنها (و) جعل الاستعارة (التبعية قرينتها) أي قرينة الاستعارة المكنى عنها (على نحو قوله) أي قول السكاكى (في المنية واظفارها) حيث جعل المنية استعارة بالكناية واضافة الاظفار إليها قرينتها ففى قولنا نطقت الحال بكذا جعل القوم نطقت استعارة عن دلت بقرينة الحال والحال حقيقة وهو يجعل الحال استعارة بالكناية عن المتكلم ونسبة النطق إليها قرينة الاستعارة وهكذا في قوله نقريهم لهذميات بجعل اللهذميات استعارة بالكناية عن المطعومات الشهية على سبيل التهكم ونسبة القرى إليها قرينة الاستعارة، وعلى هذا القياس وانما اختار ذلك ايثارا للضبط وتقليلا للاقسام. (ورد) ما اختاره السكاكى (بانه ان قدر التبعية) كنطقت في نطقت الحال بكذا (حقيقة) بان يراد بها معناها الحقيقي (لم تكن) التبعية استعارة (تخييلية لانها) أي التخييلية (مجاز عنده) أي عند السكاكى لانه جعلها من اقسام الاستعارة المصرح بها المفسرة بذكر المشبه به وارادة المشبه الا ان المشبه فيها يجب ان يكون مما لا تحقق لمعناه حسا ولا عقلا بل وهما فتكون مستعملة في غير ما وضعت له بالتحقيق فتكون مجازا وإذا لم تكن التبعية تخييلية (فلم تكن) الاستعارة (المكنى عنها مستلزمة للتخييلية) بمعنى انها لا توجد بدون التخييلية. وذلك لان المكنى عنها قد وجدت بدون التخييلية في مثل نطقت الحال بكذا على هذا التقدير. (وذلك) أي عدم استلزام المكنى عنها للتخييلية (باطل بالاتفاق) وانما الخلاف في ان التخييلية هل تستلزم المكنى عنها فعند السكاكى لا تستلزم كما في قولنا اظفار المنية الشبيهة بالسبع. وبهذا ظهر فساد ما قيل ان مراد السكاكى بقوله لا تنفك المكنى عنها عن التخييلية ان التخييلية مستلزمة للمكنى عنها لا على العكس كما فهمه المصنف. نعم يمكن ان ينازع في الاتفاق على استلزام المكنى عنها للتخييلية لان كلام الكشاف مشعر بخلاف ذلك. وقد صرح في المفتاح ايضا في بحث المجاز العقلي بان قرينة المكنى عنها قد تكون امرا وهميا كاظفار المنية وقد تكون امرا محققا كالانبات في انبت الربيع البقل والهزم في هزم الامير الجند الا ان هذا لا يدفع الاعتراض عن السكاكى لانه قد صرح في المجاز العقلي بان نطقت في نطقت الحال بكذا امر وهمى جعل قرينة للمكنى عنها وايضا فلما جوز وجود المكنى عنها بدون التخييلية كما في انبت الربيع البقل ووجود التخييلية بدونها كما في اظفار المنية الشبيهة بالسبع فلا جهة لقوله ان المكنى عنها لا تنفك عن التخييلية (والا) أي وان لم تقدر التبعية التى جعلها السكاكى قرينة المكنى عنها حقيقة بل قدرها مجاز (فتكون) التبعية كنطقت الحال مثلا (استعارة) ضرورة انه مجاز علاقته المشابهة والاستعارة في الفعل لا تكون الا تبعية فلم يكن ما ذهب إليه السكاكى من رد التبعية إلى المكنى عنها (مغنيا عما ذكره غيره) من تقسيم الاستعارة إلى التبعية وغيرها لانه اضطر آخر الامر إلى القول بالاستعارة التبعية. وقد يجاب بان كل مجاز تكون علاقته المشابهة لا يجب ان يكون استعارة لجواز ان يكون له علاقة اخرى باعتبارها وقع الاستعمال كما بين النطق والدلالة فانها لازمة للنطق بل انما يكون استعارة إذا كان الاستعمال باعتبار علاقته المشابهة وقصد المبالغة في التشبيه، وفيه نظر لان السكاكى قد صرح بان نطقت ههنا امر مقدر وهمى كاظفار المنية المستعارة للصورة الوهمية الشبيهة بالاظفار المحققة ولو كان مجازا مرسلا عن الدلالة لكان امرا محققا عقليا على ان هذا لا يجرى في جميع الامثلة. ولو سلم فحينئذ يعود الاعتراض الاول وهو وجود المكنى عنها بدون التخييلية. ويمكن الجواب بان المراد بعدم انفكاك الاستعارة بالكناية عن التخييلية ان التخييلية لا توجد بدونها فيما شاع من كلام الفصحاء إذ لا نزاع في عدم شيوع مثل اظفار المنية الشبيهة بالسبع. وانما الكلام في الصحة، واما وجود الاستعارة بالكناية بدون التخييلية فشائع على ما قرره صاحب الكشاف في قوله تعالى [الذين ينقضون عهد الله]، وصاحب المفتاح في مثل انبت الربيع البقل، فصار الحاصل من مذهبه ان قرينة الاستعارة بالكناية قد تكون استعارة تخييلية مثل اظفار المنية ونطقت الحال وقد تكون استعارة تحقيقية على ما ذكر في قوله تعالى يا ارض ابلعى ماءك ان البلع استعارة عن غور الماء في الارض والماء استعارة بالكناية عن الغذاء، وقد تكون حقيقة كما في انبت الربيع.
مخ ۲۵۲