مختصر المعاني
مختصر المعاني
(ونصب) أي وبنصب (القرينة على ارادة خلاف الظاهر) في الاستعارة لما عرفت انه لابد للمجاز من قرينة مانعة عن ارادة المعنى الحقيقي الموضوع له بخلاف الكذب فان قائله لا ينصب فيه قرينة على ارادة خلاف الظاهر بل يبذل المجهود في ترويج ظاهره (ولا تكون) أي الاستعارة (علما) لما سبق من انها تقتضي ادخال المشبه في جنس المشبه به بجعل افراده قسمين متعارفا وغير متعارف ولا يمكن ذلك في العلم (لمنافاته الجنسية) لانه يقتضى التشخص ومنع الاشتراك والجنسية يقتضى العموم وتناول الافراد (الا إذا تضمن) العلم (نوع وصفية) بواسطة اشتهاره بوصف من الاوصاف (كحاتم) المتضمن للاتصاف بالجود وكذا ومادر بالبخل وسحبان بالفصاحة وباقل بالفهاهة. فحينئذ يجوز ان يشبه شخص بحاتم في الجود ويتأول في حاتم فيجعل كأنه موضوع للجواد سواء كان ذلك الرجل المعهود أو غيره كما مر في الاسد. فبهذا التأويل يتناول حاتم الفرد المتعارف والمعهود والفرد الغير المتعارف ويكون اطلاقه على المعهود اعني حاتما الطائى حقيقة وعلى غيره ممن يتصف بالجود استعارة نحو رأيت اليوم حاتما. (وقرينتها) يعنى ان الاستعارة لكونها مجاز لابد لها من قرينة مانعة عن ارادة المعنى الموضوع له وقرينتها (ما امر واحد كما في قولك رأيت اسدا يرمى أو اكثر) أي امران أو امور يكون كل واحد منها قرينة (كقوله وان تعافوا) أي تكرهوا (العدل والايمانا، فان في ايماننا نيرانا) أي سيوفا تلمع كشعل النيران فتعلق قوله تعافوا بكل واحد من العدل والايمان قرينة على ان المراد بالنيران السيوف لدلالته على ان جواب هذا الشرط تحاربون وتلجأون إلى الطاعة بالسيوف (أو معان ملتئمة) مربوطة بعضها ببعض يكون الجميع قرينة لا كل واحد. وبهذا ظهر فساد قول من زعم ان قوله أو اكثر شامل لقوله أو معان فلا يصح جعله مقابلا له وقسيما (كقوله وصاعقة من نصله) أي من نصل سيف الممدوح (تنكفى بها) من انكفاء أي انقلب والباء للتعدية والمعنى رب نار من حد سيفه يقلبها (على ارؤس الاقران خمس سحائب) أي انامله الخمس التى هي في الجود وعموم العطايا سحائب أي تصبها على اكفائه في الحرب فيهلكهم بها. ولما استعار السحائب لانامل الممدوح ذكر ان هناك صاعقة وبين انها من نصل سيفه ثم قال على ارؤس الاقران ثم قال خمس فذكر العدد الذى هو عدد الانامل فظهر من جميع ذلك انه اراد بالسحائب الانامل (وهى) أي الاستعارة (باعتبار الطرفين) المستعار منه والمستعار له (قسمان لان اجتماعهما) أي اجتماع الطرفين (في شئ اما ممكن نحو احييناه) في قوله تعالى (أو من كان ميتا فاحييناه، أي ضالا فهديناه) استعار الاحياء من معناه الحقيقي وهو جعل الشئ حيا للهداية التى هي الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب. والاحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما في شئ واحد. وهذا اولى من قول المصنف ان الحياة والهداية مما يمكن اجتماعهما في شئ واحد لان المستعار منه هو الاحياء لا الحياة. وانما قال نحو احييناه لان الطرفين في استعارة الميت للضال مما لا يمكن اجتماعهما في شئ إذا الميت لا يوصف بالضلال (ولتسم) الاستعارة التى يمكن اجتماع طرفيها في شئ (وفاقية) لما بين الطرفين من الاتفاق (واما ممتنع) عطف على اما ممكن (كاستعارة اسم المعدوم للموجود لعدم غنائه) هو بالفتح النفع أي لانتفاءه النفع في ذلك الموجود كما في المعدوم. ولا شك ان اجتماع الوجود والعدم في شئ ممتنع وكذلك استعارة اسم الموجود لمن عدم أو فقد لكن بقيت آثاره الجميلة التى تحى ذكره وتديم في الناس اسمه (ولتسم) الاستعارة التى لا يمكن اجتماع طرفيها في شئ (عنادية) لتعاند الطرفين وامتناع اجتماعهما. (ومنها) أي من العنادية الاستعارة (التهكمية والتمليحية وهما ما استعمل في ضده) أي الاستعارة التى استعملت في ضد معناها الحقيقي (أو نقيضه لما مر) أي لتنزيل التضاد أو التناقص منزلة التناسب بواسطة تمليح أو تهكم على ما سبق تحقيقه في باب التشبيه (نحو فبشرهم بعذاب اليم،) أي انذرهم. استعيرت البشارة التى هي الاخبار بما يظهر سرورا في المخبر له للانذار الذى هو ضده بادخال الانذار في جنس البشارة على سبيل التهكم والاستهزاء وكقولك رأيت اسدا وانت تريد جبانا على سبيل التمليح والظرافة. ولا يخفى امتناع اجتماع التبشير والانذار من جهة واحدة وكذا الشجاعة والجبن. (و) الاستعارة (باعتبار الجامع) أي ما قصد اشتراك الطرفين فيه (قسمان لانه) أي الجامع (ما داخل في مفهوم الطرفين) المستعار له والمستعار منه (نحو) قوله عليه الصلاة والسلام خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه (كلما سمع هيعة طار إليها) أو رجل في شعفة في غنيمة يعبد الله حتى يأتيه الموت. قال جار الله الهيعة الصيحة التى تفزع منها واصلها من هاع يهيع إذا جبن والشعفة رأس الجبل والمعنى خير الناس رجل اخذ بعنان فرسه واستعد للجهاد في سبيل الله أو رجل اعتزل الناس وسكن في رؤس بعض الجبال في غنم له قليل يرعاها ويكتفى بها في امر معاشه ويعبد الله حتى يأتيه الموت. استعار الطيران للعدو والجامع داخل في مفهومهما (فان الجامع بين العدو والطيران هو قطع المسافة بسرعة وهو داخل فيهما) أي في مفهوم العدو والطيران الا انه في الطيران اقوى منه في العدو. والاظهر ان الطيران هو قطع المسافة بالجناح والسرعة لازمة له في الاكثر لا داخلة في مفهومه فالاولى ان يمثل باستعارة التقطيع الموضوع لازالة الاتصال بين الاجسام الملتزقة بعضها ببعض لتفريق الجماعة وابعاد بعضها عن بعض في قوله تعالى وقطعناهم في الارض امما. والجامع ازالة الاجتماع الداخلة في مفهومهما وهى في القطع اشد، والفرق بين هذا وبين اطلاق المرسلين على الانف مع ان في كل من المرسن والتقطيع خصوص وصف ليس في الانف وتفريق الجماعة هو ان خصوص الوصف الكائن في التقطيع مرعى وملحوظ في استعارته لتفريق الجماعة بخلاف خصوص الوصف في المرسن. والحاصل ان التشبيه ههنا منظور بخلافة ثمة. فان قلت قد تقرر في غير هذا الفن ان جزء الماهية لا يختلف بالشدة والضعف فيكف يكون جامعا والجامع يجب ان يكون في المستعار منه اقوى. قلت امتناع الاختلاف انما هو في الماهية الحقيقية والمفهوم لا يجب ان يكون ماهية حقيقية بل قد يكون امرا مركبا من امور بعضها قابل للشدة والضعف فيصح كون الجامع داخلا في مفهوم الطرفين مع كونه في احد المفهومين اشد واقوى الا ترى ان السواد جزء من مفهوم الاسود اعني المركب من السواد والمحل مع اختلافه بالشدة والضعف (واما غير داخل) عطف على اما داخل (كما مر) من استعارة الاسد للرجل الشجاع والشمس للوجه المتهلل ونحو ذلك لظهور ان الشجاعة عارض للاسد لا داخل في مفهومه، وكذا التهلل للشمس. (وايضا) للاستعارة تقسيم آخر باعتبار الجامع وهو انها (اما عامية وهى المبتذلة لظهور الجامع فيها نحو رأيت اسدا يرمى أو خاصية وهى الغريبة) التى لا يطلع عليها الا الخاصة الذين اوتو اذهنا به ارتفعوا عن طبقة العامة. (والغرابة قد تكون في نفس الشبه) بان يكون تشبيها فيه نوع غرابة (كما في قوله) في وصف الفرس بانه مؤدب وانه إذا نزل صاحبه عنه والقى عنانه في قربوس سرجه وقف مكانه إلى ان يعود إليه (وإذا احتبى قربوسه) أي مقدم سرجه (بعنانه، علك الشكيم إلى انصراف الزائر) الشكيم والشكيمة هي الحديدة المعترضة في فهم الفرس. واراد بالزائر نفسه شبه هيئة وقوع العنان في موقعه من قربوس السرج ممتدا إلى جانبى فم الفرس بهيئة وقوع الثوب في موقعه من ركبتي المحتبى ممتدا إلى جانبى ظهره ثم استعار الاحتباء وهو ان يجمع الرجل ظهره وساقيه يثوب أو غيره لوقوع العنان في قربوس السرج فجائت الاستعارة غريبة لغرابة التشبيه.
مخ ۲۲۸