6
فخلت والله أن الأرض قد زلزلت علي، وأحسست قلبي يتمشى من الروع في صدري حتى يصك حنجرتي، فجمعت ثوبي للهرب، فجذب صاحبك فضل ردائي، ولو قد أطلقني ما أصبت المهرب، فلقد تخاذلت عني ساقاي، وأظلم ما بيني وبين وجه الطريق، وجعلت ألتمس آية الكرسي أستعصم بها من هذا الشيطان، فأذهبها الرعب عني، وكأني لم أحفظ منها في دهري الأطول كلمة واحدة! ولما رأى صاحبي ما بي قال لي: خفض عليك يا شيخ! قلت: وهذا العفريت! قال: لن ينالك منه مكروه إن شاء الله، فلقد قيدوا ساقه، وشدوا وثاقه، فما يجد له من إساره فكاكا، ولا يستطيع في محبسه حراكا، قلت: أفيسجن سليمان المردة في قماقم من نحاس أو من ذهب، وأنتم لا تبالون أن تسجنوها في جماجم من خشب؟ فانثنى عني إلى الدمية فعرك أذنها الثانية، فسرعان ما سكن هديرها، وبطل زئيرها، وإذا العفريت يتحدث في لين صوت واطمئنان نبرة كما يتحدث عرفاء القوم
7
إذا اجتمع لهم في الهينات القوم، وإذا هو ينطق بالحكمة بعد الحكمة، ويرسل العبرة في عقب العبرة، فأفرخ ذلك من روعي
8
حتى كادت ترتد إلي نفسي، ووالذي نفسي بيده لو كان حديث هذا العفريت مما يطعم لكان أحلى من الجلاب،
9
أو لو كان مما يبصر لكان أصفى من العسجد المذاب.
10
على أن صاحبك لم يلبثه حتى يأتي على غاية حديثه، فلقد قام إلى دميته فعرك هذه المرة أنفها، فجعلت عينها تدور في محجرها، ثم تركها فاستقرت، ولم يرعني إلا أن أسمع من جوفها عزيف عود، وصوت مزمار كأنما ينفخ فيه داود، وهما يتعطفان على نقر دف أحسبهم قد علقوا فيه صنوجا دقاقا،
ناپیژندل شوی مخ