خطاب من الخديو
وعلى أثر هذا الاتفاق وصلني خطاب من سمو الخديو قال فيه: ... نشكر دولتكم عظيم الشكر ... وبمناسبة انتهاء المفاوضات، وإمضاء العقد نخبر دولتكم برضانا وارتياحنا، ونرجو لدولتكم دوام التوفيق في كل ما قمتم وتقومون به من صالح العمل الكثير لسعادة مصر سياسيا، واقتصاديا وإداريا، بما عرف عن دولتكم من القدرة والكفاية، وما اشتهرتم به من الحكمة، وأصالة الرأي وحبكم للبلاد.
ونخص بالذكر علاجكم الحكيم لإنقاذ مصر من هذه الأزمة العالمية الطاحنة، وتخفيف وطأتها على مصر العزيزة، وتثبيت ماليتها، كذلك إصداركم للدستور الجديد الذي نرجو أن تمنح البلاد في ظله طمأنينة وحياة كلها تقدم ورخاء، حتى تصل بحسن سعيكم، وسعي المخلصين من أبنائها، إلى ما تصبو إليه من إتمام استقلالها وتوثيق مجدها ...
عباس حلمي
وقد كان هذا الخطاب مكتوبا بخط يده؛ رحمه الله رحمة واسعة.
طلقت الحزبية ...
لم أكن أريد أن أؤلف حزبا، أو أصبح رئيسا لحزب يوما من الأيام؛ لأني لا أميل إلى الحزبية، وليس من طبيعتي التشيع لشخص من الأشخاص، ولو كان شخصي، أو لفكرة من الأفكار إلا إذا كنت مؤمنا بها إيمانا مطلقا عن كل غرض أو قيد من القيود ... ولكن ظروف الحكم والحياة الدستورية اضطرتني إلى تأليف «حزب الشعب»؛ لأستند إلى تأييده بعدما تخلى عني جانب ذو شأن من حزب الأحرار، وانضم إلى الوفد لمعارضتي، ومحاربة دستور سنة 1930، حتى إذا تركت الحكم، وسايرت التيار الحزبي بعض الوقت، لمست أن لا فائدة من اتصالي بحزب معين، واستقلت استقالة مسببة بينت فيها أن الحزبية في مصر ليست من النوع الذي يتحقق منه للبلاد نفع؛ لأنها عندنا ذات صفة شخصية؛ أي إنها تتصل بالأشخاص لا بالمبادئ، وذلك شأنها في البلاد التي لم تنضج فيها الحياة النيابية، ولم تستقر فيها مبادئ الحكم الديموقراطي، حيث يجتمع الناس حول أشخاص لا حول مبادئ ... وقد كانت هذه هي حال بلاد اليونان في زمن مضى، بل لقد وصلت هذه البلاد في ذلك الاتجاه إلى أن كانت تسمى الأحزاب بأسماء رؤسائها.
والواقع أننا في مصر لا نختلف عن ذلك في شيء، فالأحزاب عندنا أفراد جمعتهم وحدة حال، أو صداقة، أو ذكريات مشتركة، أو أقسام من أحزاب انفصلت عن حزبها الأول لاختلاف في بعض وجهات النظر، فكونوا من الأحزاب أحزابا، ولست أدري لهذا كله من فائدة غير تلك التي تهيئ للمتحزبين أسباب الحكم ...! وأنت إذا استعرضت جميع الأحزاب المصرية، واستطلعت اتجاهاتها العامة، لم تفز بأي فارق بينها ... وإذا كان لي أن أبذل نصحا، فهو أن تعمل الأحزاب على وضع برامجها، وأن تعرض هذه البرامج على البلاد؛ لتتكون حول الأحزاب جمهرة مريديها العاملين على نصرتها ... وهناك من شئون الحكم مسائل كثيرة لا بد أن يفهم الحكام اتجاه البلاد نحوها، فإننا في مصر لم تتكون لنا حتى الآن فكرة عامة تتعلق بكنه ما نريده من الاستقلال ... هل هو استقلال مجرد عن الاتصال بالغير؛ أي ضيق في مراميه، أم استقلال مبني على التعاون مع باقي الدول، ولم نكون رأيا في سياستنا الخارجية بعد ما انقسم العالم إلى كتلتين شرقية وغربية، ولم نحدد موقفنا من كل منهما، أو نقرر أي الكتلتين هي الأصلح للانضمام إليها لصيانة استقلالنا، وتحقيق أهدافنا ... لم نفعل ذلك ... بل لم نكون خطة صالحة في القضايا الاجتماعية، وهي ذات خطر كبير في الوقت الحاضر، ولا في القضايا المالية والاقتصادية وسياسة التعليم، تلك القضايا التي هي مثار الأبحاث الدقيقة في البلاد الأخرى، وإنما الذي نراه من حكامنا هو الارتجال، كلما عرض لهم شيء من هذه المسائل!
وأملى كله في الهيئة البرلمانية أن يتكون لها من المران، ومن الشعور بالواجب ما يدفعها إلى نهج جديد تسير فيه على غرار البلاد الأخرى، التي نرى نتائج بحوثها ومساعيها الطيبة نحو رقي البلاد، وإسعاد الشعب.
مقابلتي لموسوليني!
ناپیژندل شوی مخ