مع الفجر يتقدم القائد سعيد بك ومعه من كان معه، ممن ذكرت أسماؤهم في مذاكرة التسليم، ليضعوا أيديهم على الأسلحة والمدافع الموجودة فتوضع في مخازنها وتمهر بالشمع الأحمر. (5)
تتكفل القيادة العربية بالإعاشة والتموين. (6)
تصرف للهيئة المستسلمة معاشات ثلاثة أشهر. (7)
تنتظر الأوامر بالتوجه حالا إلى الجهة المقتضية.
وقد تم كل هذا بهدوء وسلام، بعد أن أرخصنا للكثير من العشائر ليعودوا بعد مدة.
وفي اليوم الثاني جرى رسميا إنزال العلم العثماني عن القلعة، ورفع العلم العربي، بالتحية الرسمية لكلا العلمين. وكان منظرا مؤثرا، فإن العلم السابق كان العلم بالأمس، والعلم اللاحق هو العلم اليوم؛ والأمس أمسنا واليوم يومنا، ولكن الذنب على من سعى لترك الصبغة الإسلامية الشرقية والهروع إلى الحظيرة الغربية الإفرنجية. ومع الأسف فإن هذه الحركة الانفصالية لم تحل بيننا وبين الواقع فيما كنا نخشاه، فقد وقع ما هو أضر؛ أما الترك فعملوا ما شاءوا، ولكنهم أتراك في كل شيء، وأما نحن فقد أصبحنا أشكالا متعددة ونزعات متفاوتة لنا من كل قوم متبوع، وفي كل بيت ألف لسان.
ونعود إلى ذكر سقوط الطائف، فإنا بعد إتمام معاهدة التسليم والتسلم وفق الشروط الدولية، رحلنا القائد والوالي والجنود إلى مكة المكرمة، مرفهين غير منقوص لهم أي شيء، وقد صرفت لهم مرتبات ثلاثة أشهر.
أما أول ملاقاتي للوالي غالب باشا فإنها كانت غريبة، حيث إنني ما أحببت لقاءه أول ليلة لصداع شديد ألم بي، فبقيت بالمليساء وبعثت سماحة الشيخ عبد الله سراج مفتي مكة المكرمة والشريف شرف بن راجح إليه. فلما أنه لم يجدني ارتبك وظهرت عليه علامات القلق، فأرسل إلي الشيخ عبد الله يرجوني القدوم، فأتيت ولما رآني استبشر وضحك ، فجلسنا في البهو الكبير بقصر شبرا ومعه خمسة وسبعون ضابطا، من رتبة قائد إلى رتبة زعيم، إلا هو فرتبته كانت رتبة فريق.
وبعد صمت استمر ثلاث دقائق أو أكثر، قال لي: هذه فاجعة، بعد أن كنا إخوانا أصبحنا أعداء! وقد شعرت أنه قد زال عني بعض شعور الاستحياء منه والتكريم له، فقلت: نعم لكي يعود السيد لسيادته ويتحرر من رق من أخرجهم من الظلمات إلى النور، والشر بالشر والبادي أظلم. فاصفر لونه ثم قال: إنني كنت واثقا من أن الأمة العربية ستنفصل يوما ما عنا، ولكن ما كنت أؤمل أن يكون الانفصال على هذا الشكل وبهذه السرعة. فقلت له: صدقت، لقد أسرعنا، ومن منفعتنا الإسراع، أما الشكل فلا دخل له ولو أنكم أبقيتم سلطة الخلافة المطلقة لما تغيرنا عليكم، ولكن إرادتكم المشروطة هذه التي أحببتم بها السيطرة على السلطان وعلى الأمة معا هي السبب الأول في الإسراع. ولم هذا البحث الآن تفضلوا تناولوا شيئا من الفاكهة فقد طال عليكم الحصر وحرمتم الكثير منها. وأخذتهم إلى غرفة الطعام حيث كانت أعدت لهم تعتيمة فاخرة، فيها أنواع أطعمة الليل الشهية: العنب والدراق والكمثرى والرمان، وتركتهم معتذرا بصداعي إلى غرفتي.
وتوجه هو صباح الغد إلى مكة، ولما وصل جدة بعث إلي بسيفه لئلا يأخذه أي ضابط أجنبي، وكانت هذه منهم معاملة جد نبيلة.
ناپیژندل شوی مخ