مصر په عهد خدېوي اسماعيل باشا کې
تاريخ مصر في عهد الخديو إسماعيل باشا
ژانرونه
فلما استخلص (محمد علي) الحكم لنفسه من أيدي الباشوات المرسلين من لدن الأستانة وأيدي المماليك، ومن مطامع الدول المستعمرة؛ وعن له أن يتخذ الإسكندرية عاصمة لدولته الحديثة، ومقرا ومرجعا لتجارتها؛ وأقبل يعمرها، ويحسنها، ويجملها، لا سيما بعد أن أوصل مياه المحمودية إليها: فأنشأ حولها الحدائق والبساتين، وأقام، على ضفاف تلك الترعة، القصور والمنازل الخلوية البديعة؛ ومد ما بين باب رشيد وسرايه الفخمة برأس التين، شارعا جميلا مرصوفا بحجر مستخرج من الجبل الأحمر فوق مصر، ومكسوا بمسحوق الجير والبتسولانة الصناعية، لتمتزج أجزاء ذلك الحجر معا، وتبرز متجانسة لا نتوء فيها؛ وبنى الترسانة على يد سير يزي بك مشيد عمارته البحرية، التي خلفت أسطوله المدمر في واقعة ناڨارينو؛ وأنشأ الحوض الحديدي العائم لتصليح سفنه التجارية والحربية، على يد موچيل بك؛ فصنع بفرنسا، وأتى به، جاهزا، إلى الإسكندرية، فوضع في المحل المعد له، وكلف 127 ألف جنيه؛ وأصلح الميناء الجديدة؛ وصرح للفرنج بالخروج من وكالتهم المدعوة «فندق» التي كانت متاجرهم فيها، ويأوون إليها ليلا وتقفل عليهم أبوابها، لئلا يمتزجوا بالأهلين أو يمتزج الأهلون بهم، وأذن لهم بالانتشار في المدينة: فأقبلوا ينشئون لأنفسهم الحي الذي عرف فيما بعد باسمهم؛ وقد اقتدى به ابنه إبراهيم، وأنشأ الميدان المعروف بالمنشية، وشيد حوله المنازل الفخمة التي شرع يؤجرها بأجور عالية إلى قناصل الدول العامة، حتى دعي ذلك الميدان باللغة الأجنبية «ميدان القناصل»؛ وأقدم زعماء التجارة، المتعاملون مع (محمد علي) مباشرة، كزيزينيا، وأنسطاسي، وجباره، وغيرهم، على بناء قصور لهم ومنازل لا يأنف الملوك أنفسهم السكنى فيها؛ حينذاك أخذت الإسكندرية تنمو شيئا فشيئا وتتسع، فتتلاشى أكوام الخراب أمام تقدم خطوات العمار؛ وتتكون الأحياء الجديدة فوق رفات الأحياء الميتة؛ وتختط الشوارع الحديثة فوق خطوط شوارع الإسكندرية، الراقدة تحت تراب القرون؛ إسكندرية البطالسة والرومان؛ حتى أصبحت مدينة مساحتها خمسة أضعاف ما كانت عليه، يوم أن فتحها بونابرت، وجرح كليبير في رأسه وهو يهاجمها من جهة باب رشيد؛ وأصبح عدد سكانها نيفا وستين ألفا، وما زالت تنمو، بعد ذلك، وتزداد بتدفق حياة القطر وتجارته كلها إليها، ونزوح الريف العامل للسكنى فيها، وحب سعيد لها، وتفضيله إياها على العاصمة، مقتديا في ذلك بأبيه المجيد، حتى أصبحت في عهده مدينة ذات مائة ألف نفس تقريبا تزدهي بالقصور والبساتين والمنتديات العامة، ما تزدهي به المدن الغربية التي هي من درجتها.
ولكن نموها لم يكن منظما ولا مطابقا لروح العصر الجديد، فإنها بقيت قليلة الشوارع الواسعة المسلوكة؛ كثيرة الأزقة والدروب الضيقة، المعوجة، القذرة؛ كثيرة الحفر والنقر، في ذات الشوارع المهمة؛ فما بالك بالحارات والمسالك الصغيرة؟ لا تنظيم فيها، ولا اعتناء بنظافة ورش وصيانة؛ تتكوم الأتربة والأقذار في طرقاتها وسككها التربة، التي لا بلاط يغطيها؛ إذا هبت ريح عليها، انتشرت، عثيرا شريرا ضارا ، في الفضاء، وأصابت المارة بأمراض في أعينهم؛ أو ضربتهم بأوبئة في أحشائهم؛ وإذا سقط مطر، تحولت إلى وحول، بعيدة الغور، تغرق فيها الأرجل حتى الركب، والعربات حتى ما فوق نصف العجل؛ فيبيت المرور منها متعذرا، وتنقطع حركة الأخذ والعطاء، إلا إذا استخدمت الجمال والهجن لنقل البضائع من الجمرك إلى الأسواق، ومن الأسواق إلى الجمرك، بأجور باهظة؛ وإذا ما جن الليل، وانسدلت سدول ظلماته البهيمة، انباعت الأخطار والأهوال في تلك الشوارع والأزقة والدروب، لعدم وجود تنوير عام فيها؛ وانقطع مرور الأقدام منها، إلا أقدام من لم يخف التعرض لشر اللصوص وقطاع الطرق، أو اضطرته أشغاله للتغرير بنفسه؛ وباتت الضواحي، حتى عند أبواب المدينة عينها، محطا للإثم والإجرام، وبما أن استقاء أغلبية الأهالي، بالرغم من توصيل مياه النيل إليهم في ترعة المحمودية، استمر من الصهاريج، كما كان قديما؛ أو إذا تحول إلى مياه المحمودية، قلما اعتنى بتقطيرها أو ترويقها؛ وبما أن الوقايات الصحية لم تكن مألوفة، وكان ذبح المواشي اللازمة للغذاء، مثلا، يتم على قوارع الطرق أو في داخل حوانيت الجزارة؛ وكان دفن الموتى يباح في جوار المنازل وداخل المدينة، حتى في المساجد والبيوت، ما فتئت الأوبئة، ولا سيما الطاعون، تهاجم الإسكندرية الجديدة وتفتك بأهلها، بين حين وحين، فتكا ذريعا.
فأقبل (إسماعيل) يغير ذلك جميعه؛ ولو أنه لم يكن يحب مدينة الإسكندرية ولا الإقامة بها، لتطيره منها، بعد أن قال له منجم: إنه سيلقى منيته فيها، وإذا بالسائح الذي زار تلك المدينة في أوائل سنة 1863، يكاد لا يعرفها لدى عودته إليها في سنة 1869؛ ويكاد لا يعرفها، من جديد، لدى عودته إليها مرة أخرى في سنة 1878.
12
فشوارعها وسعت بالتدريج توسيعا مستمرا؛ وانتزعت منها أكوام الأقذار والأتربة؛ وطمرت الحفر والنقر؛ ومهدت تمهيدا حسنا؛ وبلطت بلاطا جميلا أتى به من تريستي، بمصاريف كبيرة؛ وغرس بعضها، على جانبيه، بالأشجار الباسقة: فأصبحت حركة التجارة فيها آمنة مطمئنة؛ وحركة النقل والتنقل سهلة تتم بمصاريف قليلة من الجمرك وإليه، وبين أنحاء المدينة قاطبة.
وحاراتها وأزقتها وسعت بالمثل؛ ونظفت؛ وأبعد عنها كل مسببات الأمراض والأوبئة؛ وفصلت أحياؤها بعضها عن بعض بقواعد تنظيمية، ما فتئ مفعولها يزيد، بين أقسام المدينة، فراغا جميلا، أضحى يملأ حدائق وبساتين؛ وأنشئت أحياء جديدة، أهمها حي للعمال، بني على الأراضي الواقعة بجوار عامود الصواري - وكانت ملكا للمسيو براڨيه السابق ذكره، فاشتراها (إسماعيل) منه ووهبها للحكومة - وأمر بأن تنفق أجور المساكن التي يدفعها العمال في سبيل إنشاء مستشفى لهم يتطببون فيه مجانا، واختطت شوارع جديدة، منها ما هو للنزهة المحضة كشارع المحمودية وسكة الرمل - وهما من أجمل متنزهات القطر؛ وتجليا، حين تما، عروسي السكك المصرية قاطبة - ومنها ما قضت به الحاجة في الأحياء الجديدة.
وأنيرت جميع هذه الشوارع والأحياء والضواحي بالأنوار الغازية، إنارة بديعة، على مثال المدن الأوروبية الكبرى، فزالت الأخطار والأهوال منها؛ وولت أقدام الإثم مدبرة؛ وسادت الطمأنينة وانتشر الأمن في كل جهة بعد مغيب غزالة النهار.
وأنشئت بلدية للاعتناء بأمور التنظيم، والصيانة، والنظافة: فأبطل الذبح داخل البيوت والحوانيت، وجعل له محل خاص، وأبطل دفن الأموات في المدافن الخاصة بجوار المنازل وداخل المساجد؛ وغيرت طرق الاستقاء، ووزعت المياه على البيوت مروقة جهد الاستطاعة؛ وأقيمت الوقايات الصحية، على يد الإدارة الصحية المعروفة إذ ذاك باسم «الانتندانس سانيتير»؛ فخفت وطأة الأمراض والأوبئة ، وأخذت تتلاشى جراثيمها شيئا فشيئا.
وخرج بالعمار خارج الحدود والأبواب القديمة؛ وسيرته شرقا وجنوبا وشمالا، سيرا حثيثا، وقامت القصور في وسط الرياض الفيحاء والغياض الزاهرة، تمتد، حلقة متصلة، على شاطئ البحر، من طابية الرومان إلى سيدي جابر، وما فوقها؛ وأجملها كلها وأكبرها حجما القصور التي شادها (إسماعيل) لنفسه ولأبنائه وبناته، ابتغاء تشغيل العمال ومساعدتهم على القيام بشئون حياتهم، واتفق أن أحد تلك القصور - وهو الذي شاده لنفسه خاصة، وكان أوسع الكل أرجاء - احترق بعد الفراغ من بنائه؛ فأمر بإعادته أحسن مما كان.
ناهيك بالأعمال والأشغال العظمى التي عملت في الميناء واستوقفت إعجاب الكل، مما سبق لنا بيانه.
ناپیژندل شوی مخ