مصر په د نهیم پېړۍ پیل کې
مصر في مطلع القرن التاسع عشر ١٨٠١–١٨١١م (الجزء الأول)
ژانرونه
وانتهز الألفي فرصة ازدياد متاعب محمد علي، فجدد عروض الاتفاق معه - كما كتب الوكلاء الفرنسيون - على أساس حصوله على مديريتي البحيرة والشرقية إلى أن تحضر الفرمانات التي قال إنه طلبها من الباب العالي، ولكن الباشا رفض ذلك؛ لأنه لم يشأ قبول تقسيم للبلاد يعرض سلطته للخطر، فترتب على رفضه هذا أن انقض ثلاثة من صغار بكوات الألفي على مديرية المنوفية يعيثون فيها فسادا، بينما استمر الألفي في طريقه، متخذا من رفض محمد علي للصلح معه ذريعة لمهاجمة دمنهور، فوصلها في 23 أبريل وطلب من أهلها التسليم طوعا، ولكن هؤلاء لم يجيبوه إلى طلبه؛ ذلك أن محمد علي كان قد وسط السيد عمر مكرم منذ أن بدأ الألفي حركته صوب الدلتا، لتحذيرهم من التسليم له وتحريضهم على المقاومة، كما صار يمدهم بآلات الحرب والبارود فنهضوا لتحصين البلدة وترميم أسوارها، وحفر الخنادق حولها، كما جلبوا إليها من المؤن ما يكفيهم لمقاومة أي حصار يضرب عليها، ولو استطالت مدته سنة بتمامها. فلم يجد الألفي سبيلا لإخضاعها إلا بمحاصرتها، وبلغ الخبر القاهرة بتوجه الألفي إلى دمنهور ومحاصرته لها في 29 أبريل، ولكن الألفي لم يلبث أن رفع الحصار عنها لحاجته إلى المؤن ولوقوع سوء تفاهم بينه وبين العربان الذين معه، ولما بلغه أخيرا من تحرك الدلاة وخروجهم من إمبابة لقتاله، ويقول الوكلاء الفرنسيون: إن تحرك هؤلاء، ولو أنهم تباطئوا في سيرهم، كان كافيا لأن يجعل الألفي يرفع الحصار عن دمنهور، فارتد عنها إلى ناحية وردان، وعدى من جيشه وعربانه طائفة إلى جزيرة السبكية، فلم يلقوا بها أية مقاومة لتخاذل جند الباشا الذين كانوا قد عادوا إليها بعد رحيل الألفي إلى دمنهور، فولوا الأدبار في هذه المرة كذلك، فطلب الألفي من أهل السبكية دراهم وغلالا ولكن أكثرهم استطاعوا الفرار فجلوا عنها، وتفرقوا في بلاد المنوفية (28 مايو).
وبينما كانت هذه الحوادث تجري في الوجه البحري، كان حسن باشا غير قادر على مغادرة بني سويف، لتمرد جنده من جهة، ولكثرة من ترك جيشه منهم، وانضم إلى صفوف المماليك من جهة أخرى، والبرديسي وإبراهيم واقفان على حصار المنيا ويتأهبان لمهاجمتها، ويبعث حسن باشا في طلب النجدة من القاهرة، وقد استمر الحال على ذلك فترة من الزمن، حتى استطاع الباشا أن يبعث ب «محو بك» بالذخيرة، فما إن وصل هذا إلى بني سويف حتى خرج مع عابدين بك لإنقاذ حامية المنيا، وعندئذ قامت الحامية بخروج مسلح لاستقبال النجدة الآتية إليها، ودارت بينهم ومعهم قوات عابدين بك وبين قوات المماليك بقيادة رجب أغا الأرنئودي وزميله الثائر الآخر ياسين بك معركة شديدة انهزم فيها الأخيران، ودخل عابدين بك المنيا، وأطلقت المدافع من قلعة القاهرة ابتهاجا بهذا النصر عندما بلغ الباشا الخبر في 24 مايو 1806.
ولما كان الألفي قد اتخذ مقره بجهة حوش عيسى، ويلتزم خطة الانتظار بدلا من محاولة استئناف حصار دمنهور، أو شن هجوم جديد على أعدائه، واستطاع الباشا تدبير المال اللازم لدفع مرتبات الجند أو - على الأقل - قسم منها، وتهدئة فتنة الجند في مختلف الحاميات سواء بالوجه البحري أم بالصعيد، فقد بدا أن الموقف بسبيل التحسن، وأن العمليات العسكرية سائرة في طريقها، وأنه لا يكاد يكون هناك خطر جسيم يهدد سلطانه، ولكن كل أمل في انفراج الأزمة لم يلبث أن زال سريعا عندما جاء السعاة من الإسكندرية يعلنون نبأ وصول بشارة إلى الألفي بالرضا والعفو للأمراء المصرية من الدولة بشفاعة الإنجليز، فدل ذلك على حدوث تغيير مفاجئ في سياسة الديوان العثماني، لا سيما وأن محمد علي كان منذ سفر القبطان باشا (عبد الله رامز) في أكتوبر 1805، قد حصل من القسطنطينية على الرتبة ذات الثلاثة أطواخ، وحضر من عهد قريب (4 فبراير 1806) نحو السبعين ططريا ومعهم البشارة له بوصول الأطواخ إلى رودس، ثم وصل إلى بولاق في 24 مارس قابجي وبيده تقرير له بالولاية على مصر، وجاءته الهدايا من القسطنطينية وبعث إليه السلطان بفرو التقليد، فكان معنى هذا التبدل الذي طرأ على سياسة الدولة أن الباب العالي المتقلب والذي لا يمكن لأي باشا من باشوات الإمبراطورية أن يركن إليه قد صح عزمه على إنهاء حكمه وطرده من الولاية. (2) الباب العالي ومحمد علي
ويرجع سبب التبدل الذي طرأ على موقف الباب العالي من محمد علي إلى مسعى الديوان العثماني دائما منذ أن عادت مصر إلى حظيرة الدولة لبسط نفوذه الفعلي عليها، كما كان مرده إلى قصر نظر رجال الديوان المسئولين الذين توهموا أثناء اشتداد تنازع النفوذ في القسطنطينية بين إنجلترة وروسيا من جانب وبين فرنسا من جانب آخر، وبدء توتر العلاقات بين روسيا وتركيا بدرجة تهدد بقيام الحرب بينهما - ثم بين تركيا وإنجلترة تبعا لذلك - بسبب النزاع الدائر حول منصبي حاكمي الأفلاق والبغدان من جهة، ومسألة مرور الجند الروس عبر البوغازات إلى «كورفو» من جهة أخرى، أن في وسعهم تأمين السلام في ركن من أركان الإمبراطورية كان - في نظرهم - معرضا لعدوان الإنجليز والفرنسيين على السواء عليه إذا هم أعادوا به ذلك الوضع القديم الذي حفظ لهم سلطة اسمية ظاهرية يمثلها باشا من الباشوات الذين في استطاعتهم أن يولوهم أو يعزلوهم متى شاءوا، والذي وضع السلطة الفعلية في أيدي طغمة من المماليك، لم يمتنعوا على كل حال عن دفع الأموال الميرية، ولم يتمردوا أو يحاولوا نبذ سيادة الدولة الشرعية عنهم إلا في مرات قليلة نادرة.
ولقد وافق الباب العالي على تسمية محمد علي لولاية مصر بعد انقلاب مايو 1805 نزولا على حكم الضرورة واعترافا بالأمر الواقع عندما تبين للقبطان رامز باشا أن خورشيد وأحلافه المماليك عاجزون جميعا أمام عناد زعماء القاهريين وحيلة ودهاء محمد علي عن استرجاع حكومة القاهرة. واستعصى على الباب العالي أن يتحرر من نظام أوجده ضعف السلطنة، ثم جعله ينظر إلى التطاحن الدائر بين هذه القوى المتنازعة كخير ما يمهد له السبيل لبناء نفوذه الجديد في مصر على أشلاء هذه القوى المتحطمة، فعندما وصل القبطان باشا إلى مصر لم يكن لأولئك الذين بعثوا به إليها عينا لهم ليرى أي كفتي الخصمين (خورشيد ومحمد علي) هي الراجحة، من هدف سوى تقرير سلطان الباب العالي بالوسيلة التي لازمت خطته في مصر منذ أن خرج الفرنسيون منها، وهي الاعتراف بالأمر الواقع دائما. ولقد كان تقرير النفوذ والسلطان بهذه الوسيلة العاجزة يتطلب من أجل إرضاء القائمين على سياسة الدولة المحافظة على مظاهر السيادة، وأهمها دفع الخراج ورفع قيمته كلما تيسر ذلك، وإرسال النجدات من مؤن وجند ومال مما قد يساعد الدولة على اجتياز أزمة من الأزمات الكثيرة التي هزت كيانها وقتئذ، ثم إغداق العطايا والهدايا على رجال الديوان العثماني ثم على السلطان نفسه، وإذعان الولاة أو الباشوات لأوامر الباب العالي، ثم استطاعة الباب العالي أن يعزل أو يولي من يشاء من هؤلاء الباشوات أنفسهم.
ولم يكن وجود محمد علي في الولاية من صنع الباب العالي، بل كان من أثر عوامل كثيرة أخرى، أبرزها تمسك القاهريين به ونبذهم لحكومة خورشيد باشا، ولم تدخل هذه العوامل في مبدأ الأمر في حسبان القبطان باشا أو سائر رجال الباب العالي من بطانته وسائر المحيطين به من القائمين بشئون الحكومة في الإسكندرية التي ظلت معقلا للنفوذ العثماني أثناء تنازع الباشوات والمماليك على السلطة في القاهرة واستئثار الأخيرين بالسلطة الفعلية الكاملة على أكثر أقاليم القطر، بل إن القبطان باشا ومن ذهب مذهبه كانوا لا يزالون يعلقون آمالا كبيرة، حتى بعد اندحار خورشيد ونزوله من القلعة، على أن البكوات المماليك في وسعهم أن يطردوا محمد علي من القاهرة؛ فقد كتب «دروفتي» إلى «تاليران» في 23 أغسطس 1805، بعد مكيدة القاهرة المعروفة التي ذهب ضحيتها عدد من البكوات وأتباعهم يوم 16 أغسطس، أن أحدا من رجال الدولة وممثليها بالإسكندرية لم يسر لأنبائها، بل ولا يريدون تصديقها، ثم استطرد يقول: «وهكذا فإن هذا النجاح الذي كان يعد في الماضي نصرا؛ وذلك بسبب ما هو معروف من قديم عن رغبة الباب العالي الشديدة في التخلص من البكوات، قد تأجل الاحتفال به حتى صباح هذا اليوم، وذلك بإطلاق إحدى عشرة طلقة مدفع فحسب، ويشاطر الإنجليز الأتراك فيما يبدونه من عدم الارتياح والرضا.» وقد وصل «دروفتي» من ذلك إلى تقرير أن خطة خورشيد باشا قد تكون هي المتغلبة (أي اتحاده مع القبطان باشا والبكوات المماليك في عمل مشترك من أجل طرد محمد علي)، وأن إعادة تأسيس حكومة البكوات في القاهرة وطرد الأرنئود كان الرأي الذي دان به القبطان باشا كأفضل الطرق الممكنة لإنهاء هذا النزاع، وذلك أنهم يخشون قيام حكم أرنئودي أكثر مما يخافون من قيام حكم مملوكي.
ولقد حاول «دروفتي» بعد انتهاء الأزمة في صالح محمد علي وتهيؤ القبطان باشا للعودة إلى القسطنطينية، أن يقف على حقيقة رأي هذا الأخير في الحوادث التي أفضت إلى إلزامه إبقاء الولاية في يد محمد علي، فلجأ إلى ترجمان القبطان باشا الأول يستوضحه الأمر بعد أن صعب عليه إدراك قصده من أحاديثه مع القبودان نفسه، ثم كتب إلى حكومته في 16 أكتوبر 1805 أنه استخلص من الإجابات التي حصل عليها، أن القبطان باشا قد غادر مصر وهو مقتنع بأنه من الواجب اعتبار محمد علي في زمرة العصاة الثائرين على الباب العالي، بل ويخشى منه كثيرا بسبب ما له من دهاء وحنكة سياسية ولباقة، وقد علل «دروفتي» نفسه منشأ هذا الرأي بقوله: «إن هذا الوالي (محمد علي) ولو أنه في الحقيقة يحتفظ بمظهر تبعيته للباب العالي إلا أنه يسلك مسلك الحاكم بأمره، وعلاوة على ذلك فإني أعرف أنه متحرز كل التحرز من الحكومة التركية ويسيء بها الظن تماما، ويتخذ كل إجراء من شأنه أن يبعده عن مرمى كل سهم قد يسدد إليه؛ إما بطريق الغدر والخيانة، وإما بطريق استخدام القوة السافرة ضده.» وأما القبطان باشا نفسه فقد قال وهو يبرح هذه الديار: «لقد خلفت ورائي في هذه البلاد رجلا سوف تلقى فيه الإمبراطورية ذات يوم دون شك ولا ريب ثائرا من أشد الثوار خطرا عليها، فإنه لم يسبق أبدا أن كان لسلاطيننا من يفوق هذا الباشا في حنكته السياسية ونشاطه الجم وقدرته على المداهنة والمراوغة.»
وبذل وكلاء محمد علي في القسطنطينية كل ما وسعهم من جهد وحيلة لإظهار حكومته في خير صورة، وظلوا طوال الأزمة التي نشأت عن المناداة بولايته يستندون في إلحاح - لضرورة بقائه في الحكم - على أن المشايخ والعلماء المفصحين عن رغبات الشعب هم الذين يريدونه ولا يرضون سواه حاكما عليهم، وأنه قد تعهد بتنفيذ برنامج واسع للإصلاح الإداري، كما صاروا يحيون أمل السلطان في انتظار الفائدة التي اعتقد أن من حقه أن يجنيها من امتلاك هذه الباشوية الهامة، فراحوا يؤكدون أنه سوف يأتيه بمجرد استقامة الأمر لمحمد علي كل ما يريده من مال وجند لقتال الوهابيين، ينهض دليلا على ذلك تهيؤ ظاهر باشا من أقرباء محمد علي نفسه للسير إلى الحجاز على رأس جنده المعسكرين لهذا الغرض خارج القاهرة عند أول إشارة يتلقاها، كما أكدوا أن أوامر السلطان سوف تصبح قطعا نافذة. وكان لهذه الدعاوى والوعود وزنها في تسويغ الخضوع للأمر الواقع وإصدار التعليمات إلى القبطان باشا تبعا لذلك بإقرار محمد علي في الحكم، حتى أخفقت كل محاولات خورشيد في استرجاع الولاية.
ولكنه وإن كانت هذه الوعود قد ساعدت على تسليم الباب العالي بالأمر الواقع فيما يتعلق بباشوية القاهرة، فقد ظل الديوان حريصا على استبقاء الإسكندرية معقلا للنفوذ العثماني في مصر، والحلقة التي تصل بين السلطنة والولاية، والمكان الذي في وسع عماله المرتبطين به مباشرة أن يراقبوا منه مجريات الحوادث ونشاط محمد علي خصوصا. وعلى ذلك، فإنه لم تمض أيام قلائل على رحيل القبطان باشا إلى القسطنطينية، حتى وصل من الباب العالي فرمان يثبت أمين أغا (الذي حل محل كخيا خورشيد باشا القديم منذ يوليو 1805)، في حكومة الإسكندرية، واسترعى هذا الإجراء في الظروف القائمة نظر الوكيلين؛ الفرنسي والإنجليزي، فنقل «دروفتي» هذا الخبر إلى حكومته في 16 أكتوبر 1805، وعلق عليه بقوله: «إن صدور هذا الأمر الخاص من القسطنطينية بتعيين أمين أغا لحكومة الإسكندرية برا وبحرا يشير على ما يبدو إلى أن الباب العالي إنما يريد التمسك بهذا المكان (الإسكندرية) مستقلا عن باشوية مصر.» وأما «مسيت» فقد كتب من الإسكندرية في 20 أكتوبر إلى حكومته يقول: «إن فرمانا قد وصل من الباب العالي إلى حاكم هذه المدينة بتثبيته في حكم الإسكندرية - المستقل عن باشوية مصر - وحصونها، ويأمره بمنع أي جند من دخولها عدا أولئك الملتحقين بخدمته هو نفسه.» ثم استطرد «مسيت» يقول: «وإذا قبل محمد علي هذا الوضع فلا خوف حينئذ من علاقاته مع فرنسا، ولكنه لا يجب علينا أن نتوقع أنه سوف يسلم بحرمانه من ميناء كهذا له أهميته الكبرى لحكومته، وبدونه يتعذر عليه تنفيذ ذلك المشروع الواضح أنه لديه والذي يبغي منه جعل نفسه مستقلا عن الباب العالي بمساعدة فرنسا.» وقد تقدم كيف أن «مسيت» منذ طرد حكومة البكوات من القاهرة وانقلاب مايو 1805 بعد ذلك قد صار يلفت نظر حكومته إلى مشروعات الباشا هذه نحو الاستقلال، واعتماده في بلوغ مأربه على فرنسا.
ثم إنه سرعان ما تبين بعد تقليد محمد علي منصب الولاية أن الآمال التي عقدها الباب العالي على حكومته في ضوء الوعود الجميلة التي بذلها وكلاء الباشا في القسطنطينية أثناء الأزمة كانت سرابا خادعا، فلم يظفر الباب العالي بالإمدادات التي كان يريدها، ولم يخرج جيش طاهر باشا إلى الحجاز لحرب الوهابيين، ولم يستطع محمد علي الإغداق على السلطان ورجال الديوان بالهبات والعطايا، ولم تكف إيرادات مصر - كما شاهدنا - في أحايين كثيرة لدفع مرتبات الجند المتمردين على الباشا، وصار ما ناله السلطان العثماني كدليل على بقاء سيادته العليا على البلاد، أو ما ناله وزراؤه لا يعدو بعض الهدايا والسيوف والخيول، على أن الذي اغتم له الباب العالي أكثر من أي شيء آخر أن أوامره لم تنفذ، وأن محمد علي بدلا من إرسال النجدات التي وعد بها إلى الحجاز، قد استبقى الجند وقائدهم طاهر باشا في مصر لاستخدامهم في عملياته العسكرية، وأنه إلى جانب نبذه لأوامر السلطان ظهريا يبذل قصارى جهده لدعم ولايته لصالح نفسه، وحتى ينفرد بحكومتها مستقلا عن الباب العالي، وحرمان هذا الأخير من تلك الأداة التي ساعده استخدامها على الاحتفاظ بمظهر سيادته في ولايات الإمبراطورية المختلفة، وهي تعيين الباشوات وعزلهم حسب مشيئته، ولقد كان لهذين الاعتبارين الأخيرين؛ ضآلة ما يحصله الباب العالي من مال من باشوية القاهرة، وتعطيل مظهر سيادته ونفوذه، أكبر الأثر في إقناعه بضرورة تدبير عزل محمد علي، حتى إنه عندما جاء قرار نقل الباشا إلى سالونيك، لم يجد «دروفتي» بدا من توضيح أثر هذين العاملين لحكومته (16 يونيو 1806). وكان مما ذكره عن فقد الباب العالي لنفوذه في مصر أنه منذ ثورة مايو 1803 التي أسفرت عن طرد خسرو باشا صار الأرنئود هم أصحاب السلطة في مصر، وليس للحكومة العثمانية شيء منها سوى إرسال الفرمانات التي روعي تنفيذ ما تضمنته من أوامر وتوجيهات طالما كانت هذه غير متعارضة مع الأهداف الاستقلالية للبيت الحاكم الجديد.
ناپیژندل شوی مخ