362

مرآة الجنان وعبرة الیقظان

مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر¶ من حوادث الزمان

خپرندوی

دار الكتب العلمية

شمېره چاپونه

الأولى

د چاپ کال

١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م

د خپرونکي ځای

بيروت - لبنان

ژانرونه
General History
سلطنتونه او پېرونه
مملوک
زمانه المشكور المشهور عبد الرحمن بن مهدي التمس من الإمام الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابًا يذكر فيه شرائط الإستدلال بالقرآن والسنة والإجماع والقياس وبيان الناسخ والمنسوخ ومراتب العموم والخصوص، فوضع الشافعي له كتاب الرسالة، وبعثها إليه، فلما قرأها قال: ما ظننت أن الله خلق مثل هذا الرجل، قلت: يعني من أئمة العلماء.
وكان الإمام أحمد يقول في الشافعي: فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة وإختلاف الناس والمعاني والفقه. وقال في الحديث الوارد: في أحداث الله من يجدد لهذه الأمة دينها على رأس كل مائة سنة، إنه كان على رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وعلى رأس المائة الثانية محمد بن الحرشي الشافعي، وقد أوضحت في " كتاب المرهم في الأصول " من ذكر الأئمة المعتبرين من بعده على رؤوس المئين يكونون.
وقال الشافعي: رأيت في زمان الصبا بمكة رجلًا ذا هيئة، يؤم الناس في المسجد الحرام، فلما فرع، أقبل على الناس يعلمهم، قال: فدنوت منه، وقلت: علمني، فأخرج ميزانًا من كمه، فأعطانيه، وقال: هذا لك. قال: وكان هناك معبر، فعرضت عليه الرؤيا فقال: إنك ستصير إمامًا في العلم، وتكون على السنة، لأن إمام المسجد الحرام أفضل الأئمة كلهم، وأما الميزان فإنك تعلم حقيقة الشيء في نفسه.
قلت: لا جرم أن الإمام الشافعي استنبط علومًا لم يستبق إليها، كاستنباطه علم أصول الفقه، وتلخيصه باب القياس تلخيصًا سنيًا، ووضعه للخلق قانونًا كليًا، يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع، كما سيأتي ذكر ذلك، فهو كما ذكر بعض العلماء أن نسبته إلى علم الأصول كنسبة أرسطا طاليس الحكيم إلى وضع المنطق في معرفة تركيب الحدود والبراهين، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض والأصول في معرفة وزن الشعر، والتمييز بين صحيحه وفاسده، وسيأتي ذكر مقامات أخرى له، رضي الله تعالى عنه.
وقال محمد بن عبد الحكم: ما رأيت مثل الشافعي، كان أصحاب الحديث يجيئون إليه، ويعرضون عليه غوامض علم الحديث، وكان يوقفهم على أسرار لم يقفوا عليها، فيقومون وهم متعجبون منه، وأصحاب الفقه الموافقون والمخالفون لا يقومون إلا وهم مذعنون له، وأصحاب الأدب يعرضون عليه الشعر، فيبين لهم معانيه. وكان يحفظ عشرة آلاف بيت لهذيل بإعرابها ومعانيها، وكان من أعرف الناس بالتواريخ، وكان ملاك أمره إخلاص العمل لله تعالى.

2 / 15