869

المسألة الرابعة

أورد الرازي هنا سؤالا وأجاب عنه، وحاصله: أن غضب الله تعالى متولد عن علمه بصدور القبيح، فهذا العلم إما قديم فلم خلق المكلف مع علمه بأنه لا يستفيد إلا العذاب الدائم ولأن من كان غضبان على شيء كيف يعقل منه إيجاده، وإما محدث لزم أن يكون الباري محلا للحوادث تعالى عن ذلك، وأن يفتقر إحداث ذلك العلم إلى سبق علم آخر فيتسلسل وهو محال، وأجاب بقوله: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد.

قلت: ونحن نجيب عن السؤال بغير جوابه، ثم نجيب عن جوابه، ونبين ما بناه عليه فنقول:

أما وصف علم الباري تعالى بالقدم والحدوث فهو باطل، أما الحدوث فظاهر، وأما القدم فلأنه يلزم قديم مع الله تعالى وكونه تعالى محلا لغيره، وأما قوله: فلم خلق المكلف ...إلخ فعندنا أنه خلق المكلف ليعرضه على الخير، فإن صار إلى العذاب الدائم فمن نفسه أتي وذلك لسوء اختياره، وقد أوضحنا الدليل على حسن تكليف من علم الله أنه لا يؤمن في سياق قوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين}[الفاتحة: 2 ] وسيأتي بسط الكلام عليه في سورة البقرة إن شاء الله.

وأما جوابه بقوله:{ يفعل الله ما يشاء...} [إبراهيم:27 ]الآية، فمراده أنه لا يقبح من الله ما يقبح من غيره؛ لأنهم قد أبطلوا ا لحسن والقبح العقلي، وقد استوفينا الاحتجاج على مسألة التحسين والتقبيح في المقدمة، وعلى أنه يقبح من الله ما يقبح من غيره في هذه السورة في سياق قوله تعالى: {الحمدلله} وأما قوله تعالى: {يفعل الله ما يشاء...}[إبراهيم:27 ]الآية فنقول بموجبها: وهو أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لكنه قد ثبت أنه لا يشاء ولا يريد إلا الحسن، وأنه منزه عن القبائح كلها لا يظلم ولا يأمر بالفحشاء، فأي دلالة لهم في الآية على أنه يفعل القبيح ولا يقبح منه؟ وأنه يجوز أن يخلق المكلف ويكلفه لأجل يدخله النار تعالى الله عن ذلك.

مخ ۸۷۷