783

وأما كون دلالته على الوجوب قطعية فلا يشترط ولذلك نظائر منها: الشهادة فإن وجوب العمل بها قطعي مع أن دلالتها على المقصود ظنية، والحاصل أن المعتبر العلم بدليل كون الأمر ظاهرا في الدلالة على الوجوب لا العلم بالحكم وهو الدلالة فيكفي الظن في حصوله، ولا شك أن الحكم غير دليله، والكلام في أدلة الأحكام لا في نفس الأحكام.

احتج أهل القول الثاني وهم القائلون بالندب بأن المتيقن الطلب، وأقل أحوال ما يطلب أن يكون مندوبا، قلنا: هذا لا ينفع مع قيام دليل الوجوب، قالوا: لا فرق بين قول السيد لعبده: اسقني، وندبتك إلى أن تسقيني في أنه يفهم من أحدهما عند أهل اللغة ما يفهم من الآخر، ويستعمل كل منها مكان صاحبه، قلنا: بل الفرق بينهما من وجهين معلومين عند أهل اللغة:

أحدهما: أن أحدهما خبر والآخر إنشاء، ولا شك في مفارقة الخبر للإنشاء من حيث أن الخبر يحتمل الصدق والكذب دون الإنشاء، ومن حيث أنه لا يستدعي الفعل بوضعه بخلاف قولك: (إفعل).

الوجه الثاني: استحقاق الذم على مخالفة قوله: اسقني دون قوله: ندبتك أن تسقيني، ولو كان نصا في الندب لم يكن بينهما فرق في عدم استحقاق الذم، قالوا: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم)) فرده إلى مشيئتنا وهو معنى الندب؟ قلنا: بل إلى استطاعتنا، وهو لا ينافي الوجوب.

مخ ۷۸۹