مفتاح سعادت
مفتاح السعادة
وثالثا: إن وصفها بالوجوب لا يمنع وجوب الشكر والمدح عليها، ألا ترى أن الوالد يستحق الشكر على ولده في تربيته وإن كانت واجبة عليه، ولأن الوجوب لا يخرج الفعل عن كونه نعمة إذا كان منفعة حسنة قصد بها وجه الإحسان، هذا إذا قصد بالحمد الشكر.
وأما إذا قصد به المدح كما يفهم من كلامه، فقد ثبت أن المدح يكون على الأفعال الحسنة الاختيارية، والرازي يوافق في أنه يمدح على الاختيار إذا كان حسنا، وكونها واجبة لا يخرجها عن الحسن ولا عن الاختيار، فوجب أن لا يكون القول بوجوبها عليه يؤدي إلى عدم استحقاقه للمدح.
والحاصل أن استحقاق المدح على الفعل ليس لكونه واجبا ولا لعدم وجوبه، بل لأمر آخر وهو حسنه، فإذا كان حسنا استحق فاعله المدح، سواء كان واجبا أم لا، على أن بعضهم قد حد الواجب بأنه ما يمدح فاعله ويذم تاركه، فجعلوا المدح خاصة للواجب يعرف بها، فكيف نجعله دليلا على عدم الوجوب.
وأما الوجه الآخر وهو قوله: إما أن يكون مستحقا للمدح لذاته إلى آخره، فجوابه: أنا قد أوضحنا فيما مر أن المدح لا يكون إلا على الأفعال الاختيارية، ولا يلزم ما ذكره من أنه يكون ناقصا لذاته مستكملا بغيره، لأنا نقول معنى الأكملية أنه لو لم يفعل الواجب لم يكن ممدوحا على فعله، ونحن نلتزم ذلك ولا نقص يرجع إلى ذاته، وصفاته الذاتية فلا مجال، مع أن الحمد كسائر العبادات والأذكار في أنه إنما يؤتي بها لتحقيق نسبة العبودية لا لكونه تعالى مستكملا، ولا مجازى بها.
نعم يجوز أن يقال الحمد ثابت له لذاته على معنى الرضا على ما اخترناه فيما مر، ويؤيده قوله تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا لله}[البقرة:165] ونحوها، وذلك لا يمنع من كون الأفعال توجب له استحقاق المدح؛ لأن الثابت للذات غير الثابت للفعل.
مخ ۵۹۶