588

قال بعض المحققين: وأقول إن قول الخصم محال أن يشكر الغير على ما ليس بفعله، إن كان ذلك محالا فالمحال إنما يفعله الله تعالى لأنه فاعل الشكر بزعمهم كما أنه فاعل الإيمان ، وبعد: فعلى مذهبهم ما يفعله الله تعالى أمحل من ذلك؛ لأنه يشكر نفسه على ما ينعم به على العبد، ثم يثيب العبد ويعاقبه على فعل نفسه، ويثيبه على ذلك الشكر الذي يفعله، وعلى الإيمان الذي هو يحدثه، فجميع ذلك بزعمهم فعله وخلقه.

قلت: المراد بشكر الله تعالى للعبيد المدح والجزاء، لا الشكر الذي يكون مكافأة على النعم؛ إذ لا نعمة للعبد على ربه تعالى، وقد مر أن الشكر من الله تعالى الثناء الجميل، والجزاء الجليل عند أهل اللغة.

الجهة الثانية: ما رواه الإمام عز الدين عليه السلام عن قاضي القضاة، وابن الملاحمي، والفقيه حميد، وغيرهم من المتكلمين، وهو الذي يقتضيه كلام المجيب السابق، وهو أنا نحمد الله على الإيمان نفسه وإن كان من فعلنا؛ لأنه في الحكم كأنه من جهته تعالى من حيث أنه أقدرنا عليه، ومكننا منه، وأعلمنا به، ولطف لنا فيه، فصار الحال فيه كالحال فيمن يكسب مالا في جاه غيره لاختصاصه به، فإنه يحمد صاحب الجاه على ذلك وإن لم يكن وصول ذلك المال إليه منه، وكذلك الحكم فيمن أحسن إلى غيره بماله فاتجر فيه وربح، وتوصل إلى ملاذ ومسار، فإنه يحمد ذلك المحسن على هذه الأمور المتفرعة على إحسانه وإن لم تكن منه لما كانت في الحكم كأنها من جهته.

قلت: وعلى هذا تجوز نسبة الإيمان إلى الله تعالى على جهة المجاز العقلي. والله أعلم.

الوجه الثالث: أن ظاهر قوله الحمد لله يدل على اختصاصه تعالى بالحمد، ولا يكون كذلك إلا إذا كانت كل النعم من الله والإيمان أفضل النعم، فوجب أن تكون من الله تعالى.

مخ ۵۹۲