531

قلنا: قد ثبت صحة الفعل بلا داع، وأما الكذب فتألمه به إذا خوطب به إما لمجرد حروفه لزم تألمه به وإن كان صدقا، أو لأجل مخبره، فهل لمجرد إفادته من دون نظر إلى مطابقة وعدمها لزم مثله، وإن كان صدقا أيضا؛ لأن إفادته واحدة في الحالين وإن كان لعدم المطابقة، فإما أن يكون تألمه لعدم تخلف المخبر، فالمعلوم أنه قد يسره تخلفه نحو أن يخبر بموت ولده فيتخلف مخبره، أو لأنه يحمله على اعتقاد جهل، فتألمه بالجهل إما لكونه قبيحا في نفسه، فقد عاد إلى قولنا، وإما لأنه ربما لحقه بالجهل ضرر، فقد يلحقه ضرر بالصدق، فيلزم استواء حالتي الصدق والكذب في القبح، والمعلوم خلافه، ولا قسم يعلم تألمه بالكذب لأجله سوى ما ذكرناه، وإذا بطلت الأقسام كلها فلا وجه يدعيه سوى التألم بطل ما زعمه من أن قبح الكذب لنفرة طبعه عنه، وإما أن يحكم بالقبح بمجموع نفرة الطبع والمواضعة، فباطل بما مر فيمن انفرد عن الناس، ولزوم حسن الظلم على فرض المواضعة عليه، وإن لم نجد له مزية كمزية العدل؛ لأنه وإن نفر عنه طبع المظلوم فالظالم يلتذ به، وإذا بطل كون الاستقباح لنفرة طبيعية لم يبق إلا الاستقباح العقلي، وقد أبطلنا كونها طبيعية بما لا مدفع له، فصح ما قررناه من أن ذلك المعلوم بالاتفاق بيننا وبينهم هو الاستقباح العقلي، إلا ما زعموه من مخالفة المواضعة ومنافرة الطبيعة.

واعلم أن حاصل كلام الرازي أن العلة في الحسن والقبح مواضعة العقلاء لأجل ملاءمة الطبع ونفرته، لكن لا لمطلق الملاءمة والمنافرة، بل الملاءمة والمنافرة لأجل اللذة والألم، وقد أبطله الإمام عليه السلام بما عرفت.

وإلى هنا انتهى الكلام على ما احتج به أهل القول الأول من العدلية، وبما ذكرنا من تصحيحها، ورد ما ورد عليها يتبين لك أن القبيح يقبح من كل من فعله، وأنه لا يختلف باختلاف الفاعلين.

مخ ۵۳۴