Mecca and Medina in the Pre-Islamic Period and the Era of the Prophet Muhammad (PBUH)
مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم
خپرندوی
دار الفكر العربي
ژانرونه
وكانوا يعتبرون ماهم عليه من تقاليد دينية واجتماعية متنوعة هي من مشيئة الله ورضاه؛ ولذلك فهي الأهدى والأصلح، وقد توارثوها أبًا عن جد، ولم لم تكن كذلك لمنعهم الله عنها١. وهذا يفسر لنا الموقف الشديد الذي اتخذه أهل مكة ضد الدعوة الإسلامية وضد النبي ﷺ والمسلمين، فإن قوة العصبية للتقاليد التي كانت من العوامل المؤثرة في ذلك من غير شك، كما أنها حالت دون كثير من ذوي قربى النبي ﷺ والدخول في الإسلام استجابةً لعصبية التقاليد، في الوقت الذي كانوا ينصرونه فيه ويقفون إلى جانبه ويحمونه استجابةً لعصبية الرحم، وعلى رأس هؤلاء عمّه أبو طالب الذي غلبته عصبية التقاليد على أمره٢ بالرغم من معرفته لصدق النبي ﷺ وبالرغم من إعجابه وإعجاب بني هاشم به، وما كان لهم من الفخر بظهور نبيّ ورجل عظيم منهم؛ إلا أن سلطان عصبية التقاليد كان شديدًا لدرجة أنه تغلّب على سلطان عصبية الرحم في نفَس واحد من بين هاشم، هو أبو لهب الذي شذّ على عشيرته وانضم إلى مناوئيهم استجابةً لعصبيةِ التقاليد الموروثة.
وهناك حالة تثبت قوّة عصبية التقاليد، وهي زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش مطلقة متبنّاه زيد بن حارثة، وقد كان مثل هذا الزواج محرمًا في الجاهلية، إذ كان المتبنى يعامل كالابن بالنسب- وكان إلغاؤه من الأمور الجسيمة التي تحتاج إلى قوّة نفسية كبيرة حتى ليتولّى كسر هذا التقليد النبي ﷺ نفسه ومع ناس من أهل بيته أولًا، والنبي ﷺ نقسه قد تحرّج من هذا الأمر وأشفق من الرأي العام حتى عوتب في القرآن، كذلك أشفقت زينب- وهي ابنة عمة النبي ﷺ وأشفق أخوها، واحتاج الأمر إلى شيء من الإنذار للمؤمنين بأن يخضعوا لأمر الله٣. وكذلك اشتبه في وقوع قتال في الشهر الحرام في إحدى السرايا التي أرسلها النبي -صلى الله عيه وسلم- في آخر رجب من السنة الثانية من الهجرة إلى بطن نخلة بين الطائف ومكة لتتعرف أخبار قريش، فالتقت بعير لقريش فقتلت أحد حرّاسها واستولت عليها، وانتهزت قريش هذه الفرصة فشنّت حربًا من الدعاية ضد النبي ﷺ والمسلمين لتثير الرأي العام العربي لحرمة التقاليد، وقد
_________
١ انظر سورة النحل ٣٥. وسورة الأنعام ١٤٨. وتفسير الطبري ١٢/ ٢٠٨.
٢ انظر ابن هشام ٢/ ٢٧.
٣ انظر سورة الأحزاب ٣٦- ٤٠.
1 / 60