800

قال الفقيه صالح بن سليمان في صفة مرغم وشأنه: أنه كان رجلا صوفيا فارق قومه وهم رؤساء ظلمة فسقة، فأنكر عليهم وهو لا يقرأ ولا يكتب، وكان يسمع قائلا يقول له ولا يراه يتقدم إلى جهة يحصب، ويظهر الحق فيها، وبلده قريب من نعمان وصاب فتقدم إلى بلاد يحصب، ودعا من أجابه إلى حرب الباطنية، وأكره اليهود على الإسلام أو القتل(1)، وكنا نؤويه وينفر الناس عنه حتى ظهر أمره واضطربت البلاد وادعت القوم مالم يدعه من المعجزات وكذبوها له، وحدثت أشياء من الله تعالى من الكرامات عوينت وشوهدت منها أنه جمع له حزما من قصب الذرة وأحرقت، ثم خلع ثيابه وتزمل بثوب واحد وتمرغ فيها وتقلب فيها فما حرق هو ولا ثوبه، وكل علة تحدث غير قوية إذا مسح على صاحبها عوفي فاشتهر ذلك منه في اليمن كله، فتقدمت إليه وكتبت إليه يلقاني إلى (شحم)(2) فالتقينا في قرية شحم فطلب مني أبايعه فذكرت له أهل البيت - عليهم السلام- وما يجب على الخلق من حقهم وراجعته في مسائل الخلاف بيننا وبين المجبرة فتبرى من اعتقادهم واعترف بفضل أهل البيت، فطلبت منه البيعة للإمام الناصر محمد بن المنصور(3) فبايعني له على أنه ناصر ومعين وخادم ثم بايعته بعد ذلك على الغز وهم حطوط في الحقل وصاحب المحطة عمر بن رسول في ثلاثمائة وستين فارسا منتقاة مختارة، وسمعت من يحكي عنه أنه طلع من اليمن الأسفل بهذه الخيل وثلاثة(4) عشر ألف راجل، فكسرهم الله وثبت الأمر بيني وبين مرغم، وكتبت إلى قبائل العرب كلها أطلب منهم الإعانة وأشراف البلاد وشيعتهم فلم يجبني أحد من الأشراف، وأجابتني العرب، وكانت محطتنا في قرية شحم والغز في شق الجبل مما يلي شحم، وكنا نلتقي للحرب ولسواها وهم يطمعون بالمصالحة ولم نفعل، وألقى مرغم أمره كله بيدي ولم يكن له خبره بالناس ولا مخالطتهم، وساعدتني يحصب وغيرها من العرب، وما شعرنا إلا والشيخ راشد بن مظفر الهرش السنحاني قد أقبل مغيرا من صنعاء ناصرا للغز، وكان مستهينا بالناس، ووصل بخمر أهداها، وكان وصوله نهار السبت وسقاهم(1) يوم الأحد وحملهم على الطلوع لحربنا نهار الاثنين، وقد رفعنا محطتنا من قرية شحم التي في الوادي إلى رأس الجبل، فلما طلعوا /181/ بخيلهم ورجلهم قصدوا حصن البياض، فلم يحسنوا منه حيلة، وقد أمرنا العسكر بحربهم في جناب الوادي، فألقى الله في قلوبهم الرعب فانهزموا، ومنح الله أصحابنا أكتافهم وظهورهم فقتلوا من الغز أربعين فارسا من جيادهم وأمرائهم وشجعانهم ، والشيخ راشد رمي ورجم حتى سقط هو وفرسه وقتل معه عربي وحبشي، وأخذ أصحابنا جمالهم وأثقالهم وقتل من قتل، ولو تبعوهم لأخذوا محطتهم إلا أنهم اشتغلوا بالغنيمة، وكان يوم الثلاثاء، ورجعنا إلى محطتنا الأولى، ونزلت إلى الحقل، ووقف مرغم في المحطة فتسايرنا في قاع الحقل ما بيننا وبينهم إلا مشوار فرس، ما علمت أن فارسا أقبل منهم نحونا، وكان الشيخ راشد قد لزم قوما من بني سيف من يحصب فلح على مشائخ يحصب على أني أعود إلى المحطة بالعسكر ويتقدمون يخرجون أصحابهم بخطاب فساعدتهم وحط الغز في (الصنمية)، وأقبلت قبائل مدحج إلينا فتقدمنا إلى دار الضيف وحاربنا حصن يريم، وفيه رتبة للغز، ولما قتل الشيخ راشد والغز أقبلت الأشراف والشيعة وقبائل العرب من كل جهة وحططنا في دار الضيف ونقل السلطان محطته إلى تحت باب حصن ذروان، فقصدناهم نهار الاثنين ثامن قتل راشد، فأخذنا محطتهم وسمعت من يقول: إن فيها مائتي خيمة وثلاثين خيمة، وما بقي لهم جمل ولا دابة أكثر من قريب مائة رأس خيل وبغال، فسقط في يد السلطان، ثم عدت المحطة وصدرت في الحال لذمار، فأخذتها وأقمت فيها وفي حصن هران وشحنت فيها الطعام ، ووقف مرغم في المحطة على ذروان في منكث، ووصل إليه مشائخ مدحج ومعه فقهاء وقضاة، وظنوا عند مرغم شيئا من العلم، فوجدوه أميا فنفروا عنه، ونفروه فصدر هاربا إلى بلاده وصالحوا السلطان وأنا مقيم في ذمار وديارها حتى أغار حسن بن رسول من صنعاء بمائتي فارس، وكنت في قرية صنعاء ونحوها، فلما استقر أمر الغز على صنعاء كاتبني الفضل بن غانم أني آخذ مغارب ذمار وأترك الأشراف من النصرة فلم أجبه على شيء منها.

ثم وصلت كتب الفقيه صالح بن سليمان يستنهض الأمير الناصر لدين الله محمد بن المنصور، ويستزعجه فكتب إليه الناصر أبياتا هي مثبتة في ديوانه منها:

لا تلمني على الوقوف فإني ... غير وان إن قلت الأخيار

فأجابه الفقيه صالح بن سليمان الحويث الخمري بقصيدة منها:

كيف لومي أبيت يوم ذوي العد ... ل وهذى قدور حرب تفار

كيف لومي وقد منحت المواضي ... والعوالي ما تحيمي(1) المختار

كيف لومي والأرض ترجف خوفا ... لمواضيك بدوها والقرار

كيف لومي وفي حريت معار ... وجهاد وفي حرارى معار

لك من بيشة إلى باب صنعا ... ومن مأرب إلى البحر دار

كيف لومي وكل نزلاء خطب ... فلها في يديك قتل معار

كيف لومي وأحنف وابن هند ... وإياس لو شاهدوا أعمار

كيف لومي ولم يضع مذ سللت ال ... بيض دين ولا أضيع ذمار

/182/

كيف لومي وبين جنبيك للعل ... م وللحلم والذكاء بحار

كيف لومي وقد تياسر(2) بالفت ... ح حصون البلاد والأمصار

كيف لومي والخيل مثل صقور ... ببلاد العذا لها أوكار

كيف لومي وقد وعدت بيوم ... فيه نقع كأنه الإعصار والمواضي في الهام والمح رار ... والقنا في الكلا لينقم ثار

مخ ۳۵۲