العرب والأدب التمثيلي
التياران الشرقي والغربي في مسرح شوقي
شوقي والمادة الأولية
شوقي والفن المسرحي
علي بك الكبير
مصرع كليوباترة
قمبيز
مجنون ليلى
عنترة
أميرة الأندلس
ناپیژندل شوی مخ
الست هدى
العرب والأدب التمثيلي
التياران الشرقي والغربي في مسرح شوقي
شوقي والمادة الأولية
شوقي والفن المسرحي
علي بك الكبير
مصرع كليوباترة
قمبيز
مجنون ليلى
عنترة
ناپیژندل شوی مخ
أميرة الأندلس
الست هدى
محاضرات عن مسرحيات شوقي
محاضرات عن مسرحيات شوقي
حياته وشعره
تأليف
محمد مندور
العرب والأدب التمثيلي
من المقطوع به أن الأدب التمثيلي فن غربي، لم يبتدئ أدباء وشعراء اللغة العربية في معالجته إلا منذ قرن من الزمان تقريبا، فهو فن جديد في الآداب العربية، لا يزال حتى اليوم يتلمس سبيله، ويتطلع إلى النضوج والأصالة، وليس من شك في أن العرب قد تعلموه في العصر الحديث عن الغربيين، كما تعلمه هؤلاء عن اليونان القدماء.
ولقد تدفع النزعة القومية بعض الباحثين، إلى التنقيب عن آثار هذا النوع من الأدب، عند المصريين القدماء أو عند العرب.
ناپیژندل شوی مخ
فأما المصريون القدماء، فإذا صح أنهم قد عرفوا المسرح أو شيئا يشبهه، كانوا يعرضون بواسطته بعض أساطيرهم الدينية، فمن الواضح أن الصلة كانت قد انقطعت تماما، بين مصر القديمة ومصر العربية الحديثة؛ إذ طوى الزمن أهم صلة بين المصريين، وهي اللغة التي اكتشفت في العصر الحديث، وإلى اليوم لا تزال معرفة تلك اللغة محصورة، بين عدد قليل من المتخصصين في الغرب والشرق، وإذا كانت مصر القديمة قد خلفت في العقلية المصرية الحديثة بعض الرواسب، فإنها لا توجد إلا في بعض المعتقدات والخرافات والعادات، أو الأدب الشعبي الذي توارثته الأجيال المتعاقبة، عن طريق الرواية الشفوية.
ومصر الحديثة بلاد عربية في كافة مقوماتها الثقافية؛ ولذلك يكون البحث عن موقف العرب من المسرح أكثر جدية، باعتبار أن الأدب الذي تتغذى به اليوم، والذي تغذت به منذ الفتح العربي، هو الأدب العربي، والباحثون الجادون يجمعون على أن العرب لم يعرفوا المسرح ولا الأدب المسرحي في أي عصر من عصورهم القديمة، في المشرق أو المغرب؛ فالمقامات وما شاكلها من قصص أو أقاصيص نثرية أو شعرية، لا يمكن أن تعتبر أدبا مسرحيا، حتى ولو قامت على الحوار البسيط، وكذلك الأمر في المشاهد الدينية، التي تحكي على نحو بدائي، مقتل الحسين أو غيره عند الشيعة، في كربلاء أو سواها، وإنما يجري البحث في أسباب عدم معرفة العرب لهذا الفن، أو عدم اختراعهم له.
ولقد تناول هذه المشكلة عدد من النقاد والباحثين؛ ففي المجلد 22، ص563 من مجلة «المشرق»، تناول الأستاذ إدوار حنين هذه المشكلة، وحاول أن يجد لها تعليلا في طبيعة الشعر العربي القديم، وفي طبيعة العقلية العربية، ومنافاتهما لطبيعة الأدب المسرحي، فلاحظ بحق أن الشعر العربي القديم، يمتاز بخاصيتين كبيرتين؛ هما: الخطابة، الوصف الحسي الدقيق، وهذا صحيح في جملته، فنفحة الخطابة طاغية على ذلك الشعر، وأروع قصائد الأدب العربي القديم تقوم على توجيه الخطاب للإنسان أو الناقة أو الدمن والديار، ومن منا لا يذكر: «قفا نبك» و«يا دار مية» و«يا دار عبلة بالجواء تكلمي» ... إلخ إلخ. وفي الشعر العربي القديم أدق وصف وأروعه لعالمهم الحسي، وما فيه من حيوان وجماد وظواهر طبيعية، فضلا عن الإنسان، وبخاصة المرأة، ومواضع جمالها وفتنتها تبعا لذوقهم السائد، وبحكم غلبة التقليد في الأدب العربي، والحرص على عمود الشعر وقوالبه المتوارثة، ظلت هاتان الخاصيتان غالبتين على الشعر العرب في معظم عصوره، وإذا كانت قد حدثت بعض التطورات، مثل تغني الشعراء الغزليين في العصر الأموي بحبهم، وشكواهم لواعجه، فعبروا عن بعض أحاسيس النفس البشرية، ووصفوها وصفا نفسيا جميلا، وإذا كان شعر الفكرة قد ظهر عند المتنبي وأبي العلاء، فإن كل هذا لم يغير الطابع العام للشعر العربي، الذي ظل في جملته، شعر خطابة ووصف حسي.
وهاتان الخاصيتان تدلان بوضوح، على طبيعة العقلية العربية والملكات المسيطرة فيها؛ فالعربي القديم قضت حياته بأن يعتمد على النغمة الخطابية في شعره؛ كي يستثير مشاعر قبيلته، ويستنفرها للغزو أو رد الاعتداء، وكان الشعر هو لغة خطابتهم، وهو رجل شحذت حياته في المهامه والقفار في نفسه ملكة الملاحظة الدقيقة لما حوله، من إنسان وحيوان وجماد، ولم تلهب خياله جبال شاهقة ولا غابات، بل ظل بصره ينقب في جزئيات الصحراء المنبسطة أمامه، ومن المعلوم أن الأدب التمثيلي يتطلب خيالا واسعا، يخلق الأحداث والشخصيات، ويتصور المواقف وما توحي به من حوار.
ومن الغريب أن العرب قد عرفوا الأوثان وتعدد الآلهة، بل وعرفوا الجن وعوالمه، ومع ذلك لم تنم عندهم الأساطير على نحو ما نمت عند اليونان مثلا، بل وعند المصريين القدماء إلى حد بعيد، في أسطورة إيزيس وأوزوريس وغيرها، مما يدعونا إلى أن نسلم بأن الناقد الكبير هيبوليت تين، لم يكن مخطئا كل الخطأ عندما جعل الجنس والبيئة من العوامل الأساسية في تمييز أدب أمة عن غيرها، ومن الممكن تدعيم هذه الحقيقة أيضا، بما نلاحظه من أن العرب قد كانت لهم أيام وحروب وغزوات، بين القبائل المختلفة، ومع ذلك لم ينشأ عندهم شعر الملاحم على نحو ما نجده في «الإلياذة والأودسا» عند اليونان، أو «الأنيادة» عند الرومان، بل وأحيانا في بعض الآداب الأوربية الحديثة، مثل ملحمة «رولان»، أو «الفرنسياد» عند الفرنسيين.
ومن العجب أن لا تخلق الحروب الصليبية عند العرب هذا الفن، كما خلقته عند الفرنسيين أو غيرهم من الغربيين، مع أن في بطولة صلاح الدين ما يبذ بروعته بطولة رولان وغيره، وإن يكن الشعب قد تدارك ما فات فصحاء الأدب، فألف في العصور المتأخرة ملاحمه الشعبية، عن عنترة وأبي زيد الهلالي وغيرهما.
وإذا كانت طبيعة الشعر العربي القديم وخصائص العقلية العربية، لم تساعدا على اختراع الأدب التمثيلي الذي يعتمد على الخيال والتشخيص وتحليل النفس البشرية، أو معالجة الصراع بين الإنسان والآلهة، أو بينه وبين قوى الطبيعة المحيطة به، أو بينه وبين القضاء والقدر، أو الزمن أو الجبر الكوني، أو بينه وبين المجتمع وضروراته وتقاليده، وأخيرا بينه وبين نفسه، إذا كان هذا هو الوضع الأصيل عند العرب، فإن الباحثين يتساءلون: لماذا لم يأخذ العرب الأدب التمثيلي عن اليونان، على نحو ما أخذوا مبادئ العلوم والفلسفة والمنطق في العصر العباسي، عندما نشأت الترجمة ، وتوثقت الصلة بين العرب والثقافات الأجنبية؟ وذلك باعتبار أن المحاكاة مدرسة حقيقية للأصالة، وقد كان من الممكن أن يلقح العرب الأدب التمثيلي بعقليتهم الشرقية الخاصة، على نحو ما لقحوا الفلسفة اليونانية.
ولقد تناول الأستاذ توفيق الحكيم هذه المشكلة في مقدمة مسرحيته عن الملك أوديب، فعالجها علاجا عاما، إلا أنه قد تضمن الكثير من الحقائق الأساسية، كما تناولها كثيرون غيره في مصر ولبنان وغيرهما من البلاد العربية.
ولا شك أن الأدب التمثيلي عند اليونان، كان وثيق الصلة بديانتهم الوثنية؛ ففي أحضان تلك الديانة نشأ، ولتشخيصها وتجسيمها وعرض مبادئها وفلسفتها وضعت أولى مسرحياته، ومن المعلوم أن هذا النوع من الأدب قد نشأ من عبادة ديونيزوس؛ أي باكوس إله الكرم والخمر، وذلك على عكس العلوم والفلسفة التي هي ملك شائع بين البشر، تستطيع أن تتمثلها كافة العقول، ولا ترتبط بأوضاع دينية أو اجتماعية خاصة، فلا تعارض بينها وبين الإسلام، بل بالعكس استخدمت في تأييد الإسلام، والمحاجة دونه بالتفكير المنطقي، والحجج والأدلة العقلية عند علماء الكلام وفقهاء الشرع، وبخاصة أورجانون أرسطو الذي طغى على التفكير العربي.
ومع ذلك فلدينا الآن الترجمة العربية القديمة لكتابي الريتوريقا؛ أي الخطابة أو البلاغة، والبويتيقا؛ أي الشعر لأرسطو، ولكنه إذا كان من الراجح أن الكتاب الأول، قد أثر تأثيرا كبيرا في وضع أسس النحو والبلاغة العربية، فإن الكتاب الثاني لم يحدث أثرا في توجه العرب نحو أدب الملاحم والأدب التمثيلي، اللذين لم يعرفهما العرب الأولون، ومن الثابت أن أعلام الفلسفة العربية أنفسهم؛ مثل: الفارابي وابن سينا وابن رشد، فضلا عن عامة العرب، لم يفهموا حديث أرسطو عن هذين الفنين، كما يتضح من شروحهم وتعليقاتهم على كتاب الشعر، وقد نشرها حديثا الدكتور عبد الرحمن بدوي، مع ترجمة جديدة لهذا الكتاب والترجمة العربية القديمة، وفيها نلاحظ كيف أن المترجمين قد أوقعوا بعض هؤلاء المفكرين الكبار في الخطأ، وترجموا التراجيديا بالمدح، والكوميديا بالهجاء، قياسا على ما كان يعرفه العرب عن هذين الفنين الشعريين، كما أنه من الثابت أيضا، أننا لم نعثر على أية ترجمة أو تلخيص أو تحليل لأية تراجيديا أو كوميديا يونانية قديمة.
ناپیژندل شوی مخ
والواقع أن الديانة اليونانية القديمة التي نبع عنها الأدب التمثيلي عند اليونان، لم تكن تتعارض مع الإسلام فحسب، بل ومع الوثنية العربية القديمة؛ وذلك لأن اليوناني القديم لم يتصور آلهته كقوى منفصلة عن الإنسان ومن نوع يغايره، بل تصورها على شاكلته وخلع عليها كافة صفات البشر بما فيهم من ضعف وقوة، فزيس كبيرهم يحب ويكره ويشتهي ويختطف النساء بكافة الحيل، وينتقم من البشر، ويغار من عظمتهم، ويحطم كبرياءهم، وفيه كافة نقائص الإنسانية رغم ما يتمتع به من سطوة وجبروت؛ ولذلك جعله اليونان هو ورهط الآلهة كله خاضعين لقوة كونية أسمى من الآلهة نفسها، وهي القوة التي سموها ب «الأنانكية»؛ أي قوة «الجبر الكوني»، أو «الضرورة»، وما داموا قد جردوا آلهتهم من القداسة المعروفة عند الشرقيين، وأنزلوهم منزلة البشر، ووضعوا فوق الجميع «الضرورة» التي ترادف «القضاء والقدر»، فقد استطاعوا أن يتخذوا من صراع الإنسان، ضد هذا القضاء والقدر المادة الأساسية لمآسيهم المسرحية، وأدخلوا الآلهة وأنصاف الآلهة والملوك والأبطال كشخصيات في تلك المآسي، وكل هذه الأوضاع لا يمكن أن تتفق مع فلسفة الإسلام، الذي نادى بالوحدانية، وتصور الإله منفصلا عن عالمنا البشري، ومسيطرا على مصائره سيطرة تامة، ومزج إلى حد بعيد بين «الجبر الكوني» و«الإرادة الإلهية»، وجمع بينهما، فيما يسمى ب «القضاء والقدر»، وعلى نحو يتفاوت ضيقا واتساعا عند مختلف المفكرين العرب، الذين حمي الوطيس بينهم حول «الجبر والاختيار».
وهكذا يتضح إلى أي حد تتعارض الفلسفة الدينية عند اليونان مع الفلسفة الدينية في الإسلام، مما لم يكن يسمح بنقل الأدب التمثيلي اليوناني إلى البيئة الإسلامية.
هذا هو السبب الأساسي لعدم انتقال الأدب التمثيلي إلى الأدب العربي، وأما ما دون ذلك من أسباب، فإنها أمور ثانوية كان من الممكن التغلب عليها، لو لم يقم هذا العائق الروحي الخطير، فإذا كان عرب الجاهلية لم يكن من المتصور أن يقيموا المسارح، فإن خلفاء العباسيين وملوك الأندلس، قد كان من الميسور لهم أن يقيموها، بعد أن ازدهرت في أيامهم معالم الحضارة والترف بكافة أنواعها.
وهناك سبب آخر أسهب في الحديث عنه الأستاذ إدوار حنين، في مقالة بمجلة «المشرق» المشار إليها فيما سبق، وهو تحريم الإسلام لصنع التماثيل محاربة منه للوثنية الجاهلية، وهذه حجة واهية الصلة بالأدب التمثيلي، بالرغم مما بذله الباحث الفاضل من جهد، في إثبات أن خلق الشخصيات الروائية ضرب من صنع التماثيل المحرمة؛ وذلك لأنه سواء صح أو لم يصح أن الإسلام الصحيح يحرم صنع التماثيل على نحو مطلق مستمر أو لا يحرمه، فإن صنعها يختلف بالبداهة اختلافا تاما عن تصوير الشخصيات وتحريكها في المسرحية، ومن المعلوم أن الأصل الفلسفي العام لتصوير الشخصيات الروائية، بل وخلق كافة ألوان الأدب، إنما هو المحاكاة، كما قال أرسطو، لا الخلق من العدم، أي محاكاة الطبيعة الخارجة من يدي الإله، وقد أسهب أرسطو في إيضاح هذا الرأي في كتاب الشعر؛ ولذلك يصعب علينا أن نسلم بما ظنه الأستاذ حنين، من أن الإسلام قد رأى في التشخيص التمثيلي اليوناني تحديا لقدرة الله أو محاكاة لها.
وأيا ما يكون الأمر فإن العرب لم يعرفوا أدب اليونان التمثيلي، ولم ينقلوه، ولم يحاكوه؛ ولذلك ظل غريبا عنهم حتى كان العصر الحديث، وكان الاتصال بالغرب عن طريق البعثات الدينية في الشرق العربي، وعن طريق الحملة الفرنسية على مصر، فأخذ العرب يتتلمذون على الغربيين في هذا الفن الأدبي الأصيل، أحيانا بالنقل والتحوير، وأخيرا بالوضع والابتكار.
وبالرغم من أن العرب المحدثين قد أخذوا هذا الفن عن الغربيين، فإنهم لم يستطيعوا التخلص من تراثهم القديم، ومن خصائص عقليتهم المتوارثة وذوقهم الأدبي المتأصل، ومن المعلوم أن للرجل العربي، بل وللرجل الشرقي عامة، خصائص تميزه عن الرجل الغربي، فالعربي محمول بفطرته على التأمل الروحي والنظر الأخلاقي، كما أن غذاءه الروحي كان الشعر الغنائي، حتى ليخيل إلينا بمطالعة كتاب «الأغاني»، وهو موسوعة الأدب العربي الكبرى، أن شعرهم لم يكن غنائيا بخصائصه الفنية المعروفة فحسب، بل كان يلحن فعلا على ضروب الموسيقى ونغماتها، فلكل قصيدة أو مقطوعة شعرية لحن وضعه أحد الموسيقيين العرب، ولم يكن الأمر عندهم في أي عصر قاصرا على الإنشاد أو الإلقاء العادي، وجاءت عصور الاستعمار الحديث، فولدت عند العرب شعورا دافقا بالوطنية، وتعلقا بحب الأوطان والتفاني في سبيلها، والذود عن حياضها، ولم يكن بد من أن تجري هذه التيارات الأخلاقية والوطنية والغنائية في الأدب المسرحي العربي الناشئ، وبخاصة في المآسي الشعرية.
والظاهر أن المشرق العربي، وبخاصة لبنان، قد كان كعادته سباقا في مجال التجديد في الأدب العربي، فهناك عدد من اللبنانيين يمكن أن يعتبروا روادا في مجال الأدب المسرحي الحديث، وفي طليعتهم مارون نقاش، ولكن هذا التجديد، بل ونفر من هؤلاء المجددين، لم يلبثوا أن انتقلوا إلى مصر، كما انتقلت الصحافة؛ حيث المجال أوسع، والإمكانيات المادية والبشرية أكثر رحابة، وفي مصر ظهرت عدة محاولات في النقل والتحوير وأحيانا الابتكار، على نحو ما فعل محمد عثمان جلال، وغيره في نقل المسرحيات الفرنسية، وبخاصة كوميديات موليير، التي تماشي المزاج المصري المولع بالفكاهة والنكتة اللاذعة، كما وضعت بعض المسرحيات المستقاة من التاريخ، وتخللتها مقطوعات غنائية مجاراة للمزاج المصري أيضا، ومن الثابت أن هذين النوعين من الأدب المسرحي، أعني الكوميديا والمسرحية الغنائية، هما أقرب أنواع الأدب المسرحي إلى المزاج المصري، ولعل في نجاح مسرح سلامة حجازي وعكاشة، ثم مسرح الريحاني أكبر دليل على صحة هذا الرأي.
وأخيرا قيض الله للأدب العربي شاعرا كبيرا، ألم إلماما واسعا عميقا بالتراث العربي، فنسج على غراره أروع القصائد، ثم اتصل بالغرب حيث رحل لتلقي العلم في فرنسا، فشاهد مسارحها وحدثته نفسه الطموح، أن يدخل هذا الفن الرائع في آداب العرب، فوضع سنة 1893، وهو لا يزال يطلب العلم أولى مسرحياته الشعرية، وهي «علي بك الكبير»، وإن يكن قد عاد بعد ذلك بعشرات السنين فكتبها من جديد، وأعطاها وضعها النهائي، وهذا الشاعر هو أمير الشعر العربي الحديث أحمد شوقي بك.
التياران الشرقي والغربي في مسرح شوقي
رأينا فيما سبق كيف أن العرب القدماء لم يعرفوا المسرح ولا الأدب التمثيلي، مما يقطع بأن المحدثين منهم أخذوا بلا شك هذا الفن الأدبي عن الغرب، ومع ذلك فمن المؤكد أنهم لم يستطيعوا التخلص من اتجاهاتهم النفسية والمتوارثة، ولا من خصائص تراثهم الأدبي، عندما أخذوا يعالجون هذا الفن الجديد؛ بحيث يتحتم تمييز التيارين الشرقي والغربي، في مسرح الشاعر العربي الأصيل أحمد شوقي.
ناپیژندل شوی مخ
وإذا كان مسرح شوقي يقوم في هيكله الفني العام، من حيث إنه يتناول في كل مسرحية موضوعا، يعرضه بواسطة شخصيات تتحرك وتتحاور على خشبة المسرح، ويتطور الموضوع إلى أن يصل إلى أزمة، ثم ينتهي بحل تلك الأزمة على نحو ما، فإن الروح التي يتناول بها الأديب هذا الموضوع وأنواع الأفكار والأحاسيس والاتجاهات الأخلاقية، فضلا عن أسلوب العلاج ووسائله العقلية والجمالية، قد كانت بحكم الضرورة والتراث الموروث والتركيبات النفسية شرقية عربية، ولا بد في تحليل هذا المسرح تحليلا صحيحا، من أن نتبين عناصر كل من الاتجاهين الغربي والشرقي وتفاعل أحدهما مع الآخر.
أما عن التيار الغربي فمما لا شك فيه أنه لولا ما شاهده أحمد شوقي في فرنسا، بصفة خاصة من ألوان هذا الفن، لما خطر بباله أن يلج بابه، ومن يطلع على المقدمة التي كتبها شوقي للجزء الأول من شوقياته سنة 1898، يلاحظ بوضوح أن الشاعر قد أخذ بألوان الأدب الغربي، بمجرد أن استقر به المقام في فرنسا، حيث أرسله خديوي مصر توفيق باشا في بعثة لمدة أربع سنوات، ليدرس فيها الحقوق، ويطلع على الآداب الفرنسية، حتى يعود منها بقبس يشعل أضواء جديدة في الآداب العربية، على نحو ما قال وزير مصر رشدي باشا، في خطاب أرسله إلى الشاعر على لسان الخديوي، بل. لقد بلغ الأمر بذلك الخديوي أن حث الشاعر على أن يمعن النظر في دراسة معالم الحضارة والثقافة الفرنسية، أكثر من اهتمامه بدراسة القانون التي قال الخديوي للشاعر عنها: إنه يستطيع تحصيلها من الكتب، وهو مستقر في بيته بمصر.
ولقد لاحظ الشاعر منذ حداثته ما ابتلي به الشعر العربي من ضيق الأفق، بسبب اقتصاره في الغالب على المدح، واعتماد شعراء العربية على الملوك وذوي السلطان في رواج بضاعتهم، وود الشاعر أن لو استطاع أن يخرج من هذا الأفق الضيق الذليل، إلى مجالات الشعر الرحبة الطليقة، ولكنه لسوء الحظ كان من جهة رجلا طموحا مدينا للخديوي بأفضال كبيرة، كما كان من جهة أخرى رجلا حذرا يخشى الخروج على الأوضاع والتقاليد الثابتة المتوارثة، حتى ليقول في المقدمة الآنفة الذكر: إنه تبين «أن الأوهام إذا تمكنت من أمة كانت لباغي إبادتها كالأفعوان لا يطاق لقاؤه، ويؤخذ من خلف بأطراف البنان.» وهو يقصد بالأوهام هنا التقاليد المرعية والاتجاهات المتوارثة؛ ولذلك نراه يخضع لهذه التقاليد بالرغم من ثورته النظرية عليها، ويعترف في صراحة بأنه كمن ينهى عن شيء ويأتي مثله، ويبرر مخاوفه تلك ببعض محاولات قام بها؛ لإخراج الشعر من أفقه الضيق المحدود بالمديح، إلى آفاق أوسع، فيقول إنه أراد أن يحتال للأمر بأن يستبقي المديح، على أن يجمع في القصيدة بينه وبين الشعر الطليق المعبر عن خوالج قائله الشخصية، وبالفعل أرسل إلى الخديوي قصيدة مدح استهلها بما يشبه قصيدة مستقلة في الغزل وتحليل نفسية المرأة وهي التي مطلعها:
خدعوها بقولهم حسناء
والغواني يغرهن الثناء
وكانت العادة قد جرت عندئذ بأن تنشر مدائح الخديوي في الجريدة الرسمية، فأرسلت السراي هذه القصيدة إلى الشيخ عبد الكريم سلمان المشرف على الوقائع، وطلبت إليه أن يحذف الغزل وينشر المديح، ولكن الشيخ سلمان، كان كما يبدو، أديبا ذواقا، فرأى أن الغزل هو الذي يستحق النشر، والمدح هو الذي يستحق الحذف، وكانت النتيجة أن لم ينشر شيء من القصيدة إطلاقا.
وكان شوقي كثير التردد على مسرح الكوميدي فرانسيز في باريس، حيث شاهد الكثير من روائع الأدب التمثيلي الكلاسيكي والرومانتيكي والمعاصر، فأولع بهذا الفن، وعن له أن يحاكيه، وبالفعل وضع وهو لا يزال يطلب العلم بباريس، أولى مسرحياته وهي «علي بك»، وأرسلها إلى السراي، وتلقى من رشدي باشا ما يفيد أن الخديوي قرأها، وناقشه في بعض أجزائها وتفكه بها، وكان هذا هو كل تقدير الخديوي لها، ومن البديهي أن الخديوي كان أحرص على مدح الشاعر له، وتخليد ذكره من قراءة أو مشاهدة مسرحيات لربيبه الشاعر؛ ولذلك طواها شوقي بين أوراقه، إلى أن رجع إليها في أواخر حياته، عندما انصرف إلى الأدب المسرحي بمعظم جهده، فأعاد كتابتها من جديد على الوضع الذي نعرفه الآن.
وينبئنا شوقي نفسه أنه لم يتأثر بالأدب التمثيلي الغربي الفرنسي فحسب، بل وتأثر أيضا بالشعر الغنائي، وبخاصة الرومانتيكي، فنقل إلى العربية قصيدة «البحيرة» الشهيرة للامارتين، كما تأثر أيضا بحكايات لافونتين على لسان الحيوانات وحاكاها، فألف عدة حكايات مماثلة أو مقتبسة نشرها في ديوانه الأول، ورأى فيها وسيلة طيبة لتهذيب الأطفال.
وإذن فقد تأثر شوقي بالأدب الغربي تأثرا كبيرا، وانفعلت به نفسه منذ شبابه الغض، ولكن ارتباطه بالسراي وطموحه إلى أن يصبح شاعرها من جهة، وشدة حذره وتخوفه من التجديد، والخروج على الأوضاع المتوارثة والتقاليد الأدبية المرعية، حالت بينه وبين الخروج إلى آفاق الأدب الواسعة، والسير في تيار الأدب التمثيلي، الذي وقف فيه عند محاولته الأولى في «علي بك»، ولم يعد إلى هذا الفن إلا في أخريات حياته، بعد أن ظهرت تيارات النقد الأدبي الحديث في الأدب العربي، وأخذ عليه النقاد سيره في الدروب المطروقة، وعدم خروجه عنها، فألف للمسرح «مصرع كليوباترة» و«مجنون ليلى» و«قمبيز» و«عنترة» و«علي بك الكبير» شعرا، و«أميرة الأندلس» نثرا، وفي سنته الأخيرة عالج الكوميديا أيضا، فوضع شعرا «الست هدى»، التي لا تزال مخطوطة حتى اليوم، ويحدثنا ابنه الأستاذ حسين شوقي في كتابه «أبي شوقي»، عن شروعه في تأليف روايتين أخريين؛ إحداهما عن «البخيلة»، والثانية عن «محمد علي الكبير»، وكتب منهما أجزاء يظهر أنها فقدت، وإن كان ابنه يظن أن والده قد خلفهما عند الدكتور سعيد عبده، الذي كان يكثر من صحبته.
من هذه اللمحة التاريخية يتضح أن شوقي قد عرف الأدب الغربي، بما في ذلك الأدب المسرحي، ولكن، هل يمكن تحديد الكتاب أو المذاهب التي تأثر بها الشاعر؟ للجواب على هذا السؤال، لا نجد اعترافات خاصة من الشاعر، ولا من المحيطين به، الذين كتبوا عنه كابنه في «أبي شوقي» أو الأستاذ أحمد عبد الوهاب أبو العز سكرتيره في «اثنا عشر عاما في صحبة أمير الشعراء»، ولا في ذكريات الأمير شكيب أرسلان في «أحمد شوقي أو صحبة أربعين عاما»، ولكننا نستطيع بدراسة مسرحياته وفنه فيها أن نستنتج تأثراته المختلفة.
ناپیژندل شوی مخ
والواقع أن شوقي لم يأخذ أصول الأدب المسرحي عن كاتب واحد، ولا عن مذهب بعينه، بل جمع بين عدة اتجاهات غربية، وأضاف إليها اتجاهات أخرى شرقية عربية، وهو يميل بعقليته الشرقية وتراثه الثقافي في داخل المذهب الواحد، إلى أديب دون آخر، فنراه مثلا يتأثر بالكلاسيكية الفرنسية، ولكنه يميل إلى ناحية كورني أكثر من ميله إلى ناحية راسين، ونراه يود أن يتخذ من المسرح «مدرسة لعزة النفس والإباء ونبل الأخلاق»، على نحو ما فعل كورني، وإذا كان قد تحدث عن الغرام والجنون به، فإنه لم يصوره قط على ما فعل راسين، بل أخضعه، في الغالب، لمبادئ الأخلاق وسطوة التقاليد، بما فيها من عادات مرعية ومشاعر وطنية أو قلبية؛ فكليوباترة تضحي بحبها في سبيل وطنها، وتضع مجده فوق «عبقري جمالها»، وليلى تضحي بغرامها نزولا على التقاليد العربية، التي لا تبيح زواجها بمن شبب بها وفضح غرامه بها، ونتيتاس تضحي بنفسها زوجة لقمبيز فداء لوطنها، وإن كان هذا الاتجاه الأخلاقي لم يخل من اضطراب وشوائب وتناقض أحيانا في مجموع مسرحياته؛ إذ ترى عبلة مثلا لا تعبأ بتلك التقاليد ولا تؤثر على عنترة أحدا، مع أن تلك التقاليد كانت أشد قوة في حالة عنترة منها في حالة قيس ليلى، وذلك بحكم أن عنترة كان ابنا لزبيبة الأمة الزنجية، بينما كان قيس عربيا خالصا من بني عامر، ولكن هذا التناقض لا ينحي عن مسرح شوقي طابعه الأخلاقي العام، ولا يدخله في تيار المسرح التصويري النسبي الذي يتميز به راسين، «مصور الشهوات البشرية».
وتأثر شوقي بكورني أكثر من تأثره براسين، لا يمنع من أنه قد تأثر بالمذهب الكلاسيكي بوجه عام، ويمكن تلخيص أوجه التأثر بالمسائل الآتية: (1)
اختار شوقي لمآسيه موضوعات تاريخية ، سواء أكان هذا التاريخ حقيقيا أم أسطوريا، وذلك على نحو ما فعل الكلاسيكيون الفرنسيون،
1
وإذا كان هؤلاء قد استقوا موضوعاتهم من تاريخ الإغريق والرومان القدماء، فإن شوقي قد استقاها من تاريخ مصر وتاريخ العرب، فالاتجاه واحد؛ إذ عاد كل إلى أصوله التاريخية، وإذا كان الفرنسيون قد صبوا في قوالب مسرحياتهم القديمة، عقليتهم ومشاعرهم الإنسانية الحديثة باعتبارها إنسانية عامة، تصح في كافة العصور والأزمان، حتى سمي أدبهم الكلاسيكي بالأدب الإنساني على نحو مطلق، واستبدلوا الآلهة وإرادتها وقضاءها بالدوافع الإنسانية المفطورة في جبلة البشر؛ فإن شوقي كرجل شرقي مولع بالاتجاهات الأخلاقية والروحية، قد غلب تلك الاتجاهات على الدوافع النفسية الإنسانية، واتخذ من مشاغل قومه ومقتضيات بيئته، محركات لمسرحياته، وفسر التاريخ على ضوء تلك الاتجاهات، ونظر إلى الماضي من الوجهة الأخلاقية؛ فكليوباترة لا تغدر بأنطونيو لأنها أحست بأفول نجمه وشروق نجم أوكتافيو، ورغبت في إغواء هذا النجم الصاعد لانحلال خلقها وسيطرة شهوة المجد على نفسها، بل لسياسة وطنية عميقة، هي أن تترك قواد الرومان يفني بعضهم بعضا، لتنفرد هي بعد ذلك بالسيطرة على الشرق والغرب معا، ونتيتاس لا تقبل الزواج من قمبيز فرارا من حبها الفاشل لتاسو، بعد أن انصرف عنها إلى نفريت، بل لتفدي وطنها الذي كان قمبيز يهدد بغزوه والسيطرة عليه، إذا لم يقبل فرعون مصر أن يزوجه من ابنته، وهكذا في كثير من المواطن الأخرى في مسرحياته، ومن البين أن الاتجاهات النفسية عند الغربيين جاءت أكثر عمقا وإيحاء من الاتجاهات الأخلاقية التي اصطنعها شوقي مهما يكن نبل نزعته. (2)
اتخذ شوقي في خمس من مسرحياته الشعر أداة للتعبير، على نحو ما فعل الكلاسيكيون، ومن الغريب أن نراه يستخدم النثر في إحدى مسرحياته، مع أنها وثيقة الصلة بالشعر الأندلسي، ومع أن المعتمد بن عباد أحد أبطالها البارزين، كان شاعرا على نحو ما كان عنترة ومجنون ليلى، حتى لنراه يضمن مسرحيته بعض أشعار ذلك الشاعر الملك، بينما يكتب شعرا الكوميديا الوحيدة التي ألفها وهي «الست هدى» التي تجري حوادثها المعاصرة في حي الحنفي بالسيدة زينب، والنثر بطبيعته أكثر ملاءمة للكوميديا، وأقرب إلى الواقعية في تصوير بيئة شعبية معاصرة، بينما الشعر ألصق بمأساة تاريخية غنائية كمأساة المعتمد بن عباد، ومع ذلك نستطيع أن نغلب حكمنا، فنقول بأن شوقي قد استند إلى الكلاسيكيين، في استخدام الشعر كأداة للأدب المسرحي؛ وذلك لأن الرومانتيكيين مثلا، وإن كانوا قد استخدموا الشعر أحيانا - كما فعل هيجو وفيني - فإنهم قد استخدموا أيضا النثر على نحو ما فعل ألفريد دي موسيه، بحيث لا يمكن القول بأنهم كانوا يفضلون الشعر على النثر، بينما كان الكلاسيكيون يؤثرون الشعر في أدبهم المسرحي. (3)
من المعلوم أن الكلاسيكية تقسم الأدب المسرحي إلى تراجيديا وكوميديا؛ أي مأساة وملهاة، وتختص المأساة بتصوير حياة الملوك والأمراء والأبطال، على نحو ما كانت تفعل المسرحيات الإغريقية القديمة، في تصوير الآلهة وأنصاف الآلهة، فضلا عن الملوك والأبطال، بينما تختص الكوميديا بتصوير حياة الشعب بل ودهمائه، وكذلك فعل شوقي؛ فمآسيه كلها تدور حول حياة الملوك والأمراء والأبطال، مع أن الزمن كان قد سار بالأدب المسرحي شوطا بعيدا، فظهرت الدراما البرجوازية التي تتناول حياة الطبقة الوسطى، التي نهضت بالثورة الفرنسية، وازدادت أهميتها الاجتماعية بعد تلك الثورة العاتية، بل وظهرت الدراما الحديثة على يد إبسن وبرنارد شو، وتناولت تصوير حياة عامة الناس ومشكلاتهم الاجتماعية والإنسانية المختلفة، والظاهر أن شوقي كان أكثر اتصالا بالمسرح الكلاسيكي؛ حيث تنفرد التراجيديا بتصوير حياة الملوك والأبطال، بينما تنصرف الكوميديا إلى تصوير حياة عامة الشعب، ولعل في تاريخ حياة شوقي ما عزز هذا الاتجاه في نفسه؛ فقد كان حريصا دائما على أن يكون شاعر الأمراء كما أصبح أمير الشعراء، وذلك بالرغم من أن تصويره لحياة الشعب في «الست هدى»، ربما كان أكثر صدقا ونجاحا من تصويره لحياة الملوك والأمراء. (4)
ولقد زعم بعض النقاد أن شوقي قد تأثر بالكلاسيكية في ناحية فنية دقيقة، وهي إيثاره للوصف على المشاهد في بعض أحداث مسرحياته؛ فهو مثلا لا يحاول أن يعرض على المسرح حرب أنطونيو مع أوكتاف، أو حرب علي بك الكبير مع محمد علي أبي الذهب، ولكننا في الحق لا نستطيع أن نجزم بصحة هذا التأثر؛ وذلك لأن شوقي ربما حمل نفسه هذا المحمل خوفا من صعوبة إخراج مثل هذه المشاهد الواسعة على المسرح العربي، كما نلاحظ من جهة أخرى أن شوقي لم يحجم عن عرض كثير من المآسي العنيفة على المسرح على نحو ما فعل شكسبير والرومانتيكيون من بعده، إن لم يكن قد بذهم جميعا أحيانا، فكم من الضحايا والانتحارات! وكم من الموتى لم يحجم عن عرض مشاهد موتهم على خشبة المسرح أمام النظارة! فأنطونيو لا ينتحر وحده، بل يسبقه أوروس خادمه، وكليوباترة لا تنتحر وحدها بل تصاحبها وصيفتاها، وإذا كانت هيلانة قد أنقذت، فإن شرميون قد ولت إلى العالم الآخر، وفي عنترة لا يجندل البطل الرجال بسيفه فحسب، بل ويخرون أحيانا لمجرد سماع صيحته، وبوجه عام لا يحجم شوقي عن إراقة الدماء، ونثر الأشلاء على خشبة المسرح، وبذلك لا يمكن القول بأنه قد قصد إلى تنحية مشاهد العنف عن مآسيه، مؤثرا الوصف والرواية على نحو ما فعل الكلاسيكيون. (5)
من المقرر في المسرح الكلاسيكي أن تبنى المسرحية في أساسها، على أزمة تتصارع فيها قوى نفسية وأخلاقية متعارضة، ومن البين أن شوقي قد بنى مآسيه في جملتها على هذا الصراع، وإن ظل أحيانا سطحيا وشلالا يتعمق أغوار النفس البشرية، ولا يشق الحجب عن خفايا العقل الباطن، وعمل الغرائز وشهوات النفس ونزواتها الدفينة، فالصراع قائم في كليوباترة بين حبها ومجدها السياسي، وفي ليلي بين غرامها وتقاليد قومها، وفي عنترة بين القيمة الشخصية للفرد وتقاليد المجتمع، وإن يكن هذا الصراع لا يجري في الغالب بين نزعات النفس المختلفة، بقدر ما يجري بينها وبين التقاليد أو مبادئ الأخلاق، ولكن مسرحه على أية حال، يعتمد في أساسه على الصراع، لا على التصوير والتحليل، كما تعتمد الدراما الحديثة.
ومع أن شوقي قد استمد كل هذه الأصول العامة من الكلاسيكية، إلا أنه لم يتقيد بها في كثير من الأصول الأخرى التي نذكر منها: (1)
ناپیژندل شوی مخ
من المعلوم أن الكلاسيكية قد تعصبت لما يسمونه «الوحدات الثلاث»، أي وحدة الموضوع والزمان والمكان، بمعنى ألا تحتوي المسرحية إلا على موضوع واحد، وأن تجري أحداثها جميعا في مكان واحد، وفي زمن لا يتجاوز أربعا وعشرين ساعة، وبمراجعة مسرحيات شوقي نجد أنه لم يتقيد بهذه الوحدات؛ ففي «مصرع كليوباترة» حب آخر بين هيلانة وصيفتها وحابي أحد أتباعها، وفي «علي بك الكبير» نجد إلى جوار غدر محمد بك أبو الذهب بسيده، قصة ولع مراد بك بآمال، ثم اكتشافه أخوته لها، ونحن لا نذم الخروج على المعنى الضيق لوحدة الموضوع؛ فقد أثبت الأدب المسرحي الخالد، أنه لا ضير من الخروج على المعنى الضيق لهذه الوحدة، ولكن على شرط أن تكون الموضوعات الثانوية وثيقة الصلة بالموضوع الأصلي، موضحة لبعض الجوانب النفسية أو الأخلاقية لأبطال المسرحية، على نحو ما نجد عند شكسبير مثلا، حيث تندمج الموضوعات الجانبية في الموضوع الأصلي، وتكشف عن جوانب في الشخصيات لا يكشف عنها ذلك الموضوع الأصلي، وأما عن وحدتي الزمان والمكان، فمن البين أن شوقي لم يخضع لهما، ففي مسرحية واحدة ك «علي بك الكبير» تنتقل مشاهد الرواية من القاهرة إلى عكا إلى الصالحية، ومن البين أن مثل هذا الانتقال لا يمكن أن يتم في أربع وعشرين ساعة، ونحن لا نرى ضيرا في خروج شوقي على هاتين الوحدتين، اللتين نسبهما الكلاسيكيون إلى أرسطو تعسفا وبهتانا، وإنما يضير المؤلف المسرحي تفكك مسرحياته، بانعدام وحدة الموضوع وتوثق الارتباط بين أحداثه المختلفة، إذا تعددت تلك الأحداث. (2)
من المعلوم أيضا أن الاتجاه الأصيل في المسرح الكلاسيكي، بل وفي غيره، أن تنتهي التراجيديا بخاتمة محزنة، كما تنتهي الكوميديا بخاتمة مضحكة أو سارة على الأقل، وإن تكن هذه القاعدة غير مطلقة؛ ففي الكثير من كوميديات موليير تأتي الخاتمة محزنة، على نحو ما نشاهد في «عدو البشر» أو «دون جوان»، وإن يكن من النادر أن لا تنتهي التراجيديا بمأساة، ومع ذلك لم يأخذ شوقي بهذه القاعدة العامة على نحو مطرد، فإذا كانت كليوباترة تنتهي بعدة انتحارات، كما تنتهي مجنون ليلى بموت البطلين؛ قيس وليلى ، فإن عنترة تنتهي بزواجه من عبلة، بل وزواج صخر من ناجية أيضا، ونحن لا نلوم شوقي لعدم خضوعه لهذه القاعدة العامة، ولكننا نلومه لبلبلة إحساس القارئ أو المشاهد، بمحاولته دائما تخفيف قوة الانفعالات التي تنتهي بها مآسيه، ولا نستطيع أن ندرك حكمة لهذا الاتجاه الذي اتخذه؛ ففي «مصرع كليوباترة» مثلا كان من المفهوم، ومن دواعي الأدب المسرحي القوي، أن تنتهي تلك المأساة العاتية بانتحار البطلين، ولكن شوقي يأبى إلا أن يصحب تلك الخاتمة المؤثرة، بخاتمة أخرى هي زواج هيلانة من حابي، وانطلاقهما إلى طيبة ليعيشا سعيدين في الضيعة التي أوصت بها لهما الملكة المنتحرة، وفي «أميرة الأندلس» تختتم المأساة بانهيار دولة المعتمد بن عباد من إشبيلية، وسجن الملك الشاعر وأسرته في شمال إفريقية، عند ملك المرابطين يوسف بن تاشفين، ومع ذلك يأبى شوقي إلا أن ينعقد زواج بثينة ابنة هذا الملك العاثر، بخطيبها حسون في نفس ذلك السجن، وهو بذلك يضعف من قوة أثر مآسيه، ويجردها من إثارة عاطفتي الخوف والشفقة، اللتين ركز فيهما أرسطو وظيفة المسرح، وجعلهما وسيلة تطهير النفوس. (3)
والكلاسيكية جعلت من أصولها مبدأ فصل الأنواع، بمعنى أن التراجيديا يجب أن تكون أحداثها مأساة متتابعة الحلقات، لا يتخللها أي مشهد مضحك، ولا أية فكاهة، كما أن الكوميديا يجب أن تكون مهزلة خالصة، لا تجري المأساة في أي عرق من عروقها، ولكن الرومانسية سخرت من هذه القاعدة، مستشهدة بمآسي شكسبير الخالدة، التي لا تخلو من مناظر ساخرة ضاحكة، ومن شخصيات هزلية رائعة، والظاهر أن شوقي لم يؤمن بما نادت به الكلاسيكية في هذا السبيل؛ ففي الكثير من مآسيه نجد ألوانا من الفكاهة، بل وشخصيات مضحكة، مثل أنشو في «مصرع كليوباترة»، ومقلاص في «أميرة الأندلس»، بل وبشر في مطلع «مجنون ليلى»، وقد كانت فلسفة شكسبير والرومانتيكيين في هذا الخلط، تقوم على أن المسرح عرض للحياة، وما دامت الحياة لا تتورع عن أن تجمع بين المضحك والمبكي، فليس هناك ما يدعو المسرح إلى ذلك التورع، والحجة سليمة، ولكن هناك فرق كبير بين مضحكات شكسبير مثلا ومضحكات شوقي، فالمهرج أوفولستاف عند شكسبير فيلسوف لاذع تقطر ابتساماته وسخريته أسى، وتكشف عن أعمق الجوانب في مآسيه، وأما عند شوقي ففكاهته لفظية سطحية، وإن كان من الحق أن نعترف بأن مقلاص في «أميرة الأندلس»، يرتفع أحيانا إلى مستوى رفيع من الحكمة الإنسانية المرة، يقذف بها في صراحة دامية، وأكبر الظن أن شوقي لم يمد في مآسيه هذه الخيوط الضاحكة، إلا مجاراة للروح المصرية المولعة بالنكتة اللفظية والمرح الخفيف. (4)
إنه وإن تكن الكلاسيكية قد قامت على محاكاة المسرح الإغريقي والروماني القديمين، إلا أنها حققت للفن المسرحي استقلاله ومقوماته الذاتية؛ فقد كان المسرح القديم يجمع بين الحوار والغناء والرقص والموسيقى، بل والنحت والتصوير، فجاء الكلاسيكيون وقاموا بضرورة فصل الفن التمثيلي عن غيره من الفنون، لينهض بذاته وبمقوماته الخاصة، فحذفوا الجوقة بغنائها وموسيقاها ورقصها، كما حذفوا الفنون الأخرى، حتى يتركز انتباه المشاهدين على حركة الشخصيات والحوار ومتابعة تيار العقل والإحساس، الذي يجري في المسرحية، ولكن شوقي الشاعر الغنائي لم يستطع أن يجاري المسرح الغربي في هذا الاتجاه؛ وذلك لأن المصريين بل والعرب بوجه عام، شعب طروب بفطرته محب للغناء، وكان شوقي طموحا إلى إرضاء جمهوره، وقد لمس بخبرته إلى أي حد بلغ نجاح المسرح الغنائي في مصر، عند سلامة حجازي وأولاد عكاشة وسيد درويش، كما أن تراث العرب الشعري كله لم يكن غنائيا بخصائصه الفنية فحسب، بل كان يتغنى به فعلا على ضروب وأنغام الموسيقى المختلفة، ولم يكن هذا الغناء الموسيقي قاصرا على قصائد أو مقطوعات بعينها، بل الظاهر أنه كان يتناول جميع الشعر العربي على اختلاف أوزانه وموضوعاته، وفي كتاب «الأغاني» موسوعة الشعر العربي الكبرى أوضح دليل، كما سبق القول، على هذه الحقيقة، حيث يذكر المؤلف النغم الخاص بكل قصيدة يوردها وضربها، ولم يكن شوقي يستطيع التحلل من طبيعته الغنائية، أو من تراث قومه، أو يهمل عاملا قويا في نجاح مسرحياته، أو يغضي عن مزاج قومه، ويا ليت شوقي قد أتيح له من الموسيقيين من يستطيعون تلحين مسرحياته الشعرية تلحينا كاملا، على نحو ما فعل ماسنيه الموسيقي الكبير، عندما لحن في سنة 1919 مأساة غنائية عن كليوباترة، وفي الأجزاء التي لحنها وغناها محمد عبد الوهاب من «كليوباترة» و«مجنون ليلى»، والنجاح العظيم الذي لاقته تلك الأجزاء، ما يقطع بأن بعض مسرحيات شوقي مثل «مصرع كليوباترة» و«مجنون ليلى» و«عنترة»، لو أنها لحنت كاملة ومثلت كأوبرا لنجحت أكبر النجاح، وأصبحت غذاء فنيا رائعا، يعوض ما يفتقده فيها النقاد القساة من حقائق نفسية أو تاريخية أو وطنية، ونحن لا نلوم شوقي لتضمينه مسرحياته بعض المقطوعات الغنائية، وكنا نود أن لو مثلت، كما قلنا، بعض تلك المسرحيات كأوبرا، وعندئذ كان لا بد أن يختفي ما لاحظه بعض النقاد أو معظمهم، من أن هذه المقطوعات الغنائية قد جاءت أحيانا دخيلة على بناء المسرحية، معوقة لسير أحداثها وتطورها نحو خاتمتها، غير مجدية في سير الأحداث، أو الكشف عن الحقائق النفسية للشخصيات.
وهكذا يتضح كيف أن شوقي لم يتقيد بتيار خاص، ولا بمذهب معين، بل جمع بين الشرق والغرب، وبين مذاهب الأدب المختلفة، والظاهر أنه لم يتعمق دراسة فلسفة الأدب، ولم يكون لنفسه حصيلة نظرية من تلك الفلسفة، وإنما كان يستهدي ذوقه الخاص وتفكيره القريب المنال، والواقع أن الفلسفات الأدبية والمذاهب لا ترتجل ولا تصطنع، وإنما تولدها تيارات فكرية وعاطفة خاصة، أو حالات نفسية واجتماعية بعينها، وكان شوقي رائدا في مجال المسرح الشعري، ولم يكن في الميدان غيره حتى تتشعب المذاهب وتتنوع الفلسفات، ولا ينبغي أن نأخذه بالأصول التي سار عليها هذا المذهب أو ذاك في الأدب الغربي؛ فالكثير من تلك الأصول نسبي لم يتحرج الغربيون من الخروج عليها، حتى ولو كانت مما نظنه بديهيا، مثل ضرورة انتهاء المسرحية إلى خاتمة ما، فالمذهب الحديث المسمى بالسريالزم، أو ما فوق الواقع، صدرت عنه عدة مسرحيات تصور جوانب من المعركة التي تدور عليها المسرحية، ولكنها لا تخبرنا عمن كان له النصر في طرفي المعركة، وإنما تترك للقارئ أو المشاهد استنتاج ذلك أو تخيله حسبما يشاء ، وربما قصدت إلى ترك الباب مفتوحا؛ ليستمر القارئ أو المشاهد في التفكير والحدس والموازنة وإعمال الخيال، ومع ذلك لاقت بعض تلك المسرحيات الجيدة نجاحا عظيما، من حيث إنها تشق الحجب عن عالم العقل الباطن العميق، وتتركنا نغوص في حناياه، ونكتشف الدور الخطير الذي يلعبه من خلف الستار في حياتنا الواعية.
ومع ذلك فمما لا ريب فيه أن هناك أصولا عامة كلية لا يستطيع الأدب المسرحي أن يفلت منها، وعلى ضوئها يكتب لهذا الأدب الخلود أو الفناء، والنجاح أو الفشل.
فالأدب المسرحي ككل فن، يتناول مادة أولية يصوغها بأسلوب خاص، وعلى جودة تلك المادة، وبراعة هذا الأسلوب، تتوقف قيمة ذلك الأدب، ولننظر الآن في هذين العنصرين.
شوقي والمادة الأولية
لقد استقى شوقي مادته الأولية كغيره من الأدباء، إما من التاريخ، وإما من الحياة المعاصرة، ولكن التاريخ كان معينه الأول؛ إذ استمد منه مآسيه الستة، بينما لم يستمد من الحياة غير الملهاة الوحيدة التي كتبها وهي «الست هدى».
فأما التاريخ الذي اختاره شوقي، فقد كان إما تاريخ مصر، وإما تاريخ العرب، وبالرغم من النزعة الوطنية المسيطرة على روحه الأدبية، فإننا نلاحظ أنه قد اختار لمآسيه فترات ضعف وانحلال وهزيمة، في تاريخ مصر أو تاريخ العرب، ف «مصرع كليوباترة» تصور فترة انتهاء استقلال مصر ووقوعها تحت سيطرة الرومان، و«قمبيز» تصور سقوطها في يد الفرس، و«علي بك الكبير» تصور الانحلال الأخلاقي، وتأجج الشهوات بين المماليك خلال الحكم العثماني الفاسد، و«أميرة الأندلس» تصور انهيار حكم الطوائف في إسبانيا، وأما «مجنون ليلى» و«عنترة» فقد اختارهما الشاعر لشهرتهما الشعبية، ولجريان حوادثهما حول شاعرين كبيرين يلائمان مزاجه كشاعر غنائي.
ناپیژندل شوی مخ
ولقد تساءل بعض النقاد: لماذا اختار شوقي فترات الانحلال في تاريخ مصر والعرب، مع أن هدفه كان تمجيد مصر والعرب؟ حتى اتهمه الأستاذ عباس العقاد في نقده لرواية «قمبيز» بأنه قد اغتاب الشعوب، ولكن هذا النقد في الحقيقة مردود؛ وذلك لأن الكوارث هي التي تظهر معدن الناس، وكان شوقي يهدف إلى أن يظهر البطولة وسط تلك الكوارث، والفكرة في أساسها راجحة الصحة، ولا تثريب عليه في اختيار تلك الفترات كمادة أولية لمآسيه، وإنما يجوز البحث في كيفية استخدامه لتلك المادة الأولية، وهل نجح في الوصول إلى هدفه أم لا؟ وهنا يأتي مجال دراسة إلمام شوقي بالتاريخ، وطريقة استخدامه له.
ولقد قارن النقاد بين التاريخ ومآسي شوقي، وأحيانا نراهم يأخذون عليه استعباد التاريخ له على نحو ما فعل في «مجنون ليلى»؛ إذ أخذوا يلتقطون من كتاب «الأغاني» القصص والنوادر التي رويت عن قيس بن الملوح، ويضعونها إلى جوار أشعار شوقي، زاعمين أنه لم يكن له من فضل غير صياغة تلك الأخبار شعرا، ويعززون نقدهم هذا بأن كل تلك الأخبار لم يروها صاحب «الأغاني» على أنها تاريخ محقق، بل روايات شعبية كان الناس يتناقلونها في جزيرة العرب، وبخاصة في قبيلة بني عامر، ولم يكن هناك ما يدعو شوقي إلى التقيد بهذه الروايات، التي رأى نقاده أنها لا تخلو من سخف أحيانا، ومن إحالة أحيانا أخرى، مثل قصة احتراق ردائه وهو لاه عن نفسه في حديث له مع ليلى، حتى مست النار لحمه الحي، ومثل قصة الشاة التي أبى أن يطعمها؛ لأن خادمته كانت قد نزعت منها القلب، وذلك فضلا عن كثرة إغمائه وإفاقته، وقد كان شوقي يستطيع أن يكتفي بهيكل القصة، وأن يبتكر أعراض الغرام المبرح جسمية كانت أو نفسية، على نحو يشبع الثقافة العصرية والتفكير النفسي الحديث، بدلا من تلك التفاصيل السقيمة، على نحو ما فعل شكسبير مثلا في قصة «روميو وجوليت» التي تغلغلت في أعماق عاطفة الحب وعملها الدقيق المدمر في النفس البشرية، بل وفي أعضاء الإنسان الحسية، وهذا النقد وإن تكن له وجاهته، وبخاصة إذا ذكرنا أن شوقي عند حديثه عن «قيس بن الملوح»، لم يكن يعمل في مجال التاريخ الصحيح، بل في مجال الأسطورة، وكانت الحرية أمامه مطلقة، نقول: إنه وإن يكن لهذا النقد وجاهته إلا أن الطابع الغنائي لهذه المسرحية كفيل بأن يشفع لالتقاطه تلك الروايات الشعبية الساذجة، ولو أن هذه المسرحية مثلت كأوبرا أو صحبتها الموسيقى والغناء، لكان ما تخيره شوقي أدعى إلى النجاح، من التحليلات النفسية والعضوية العميقة التي تطلبها النقاد، والمسرح الغنائي يزداد تحليقا ومداعبة للخيال وإثارة للأحاسيس الجمالية كلما كان أكثر سذاجة، وكانت صوره أكثر انطلاقا.
وفي أحيان أخرى نرى النقاد يأخذون على شوقي أنه لم يدرس التاريخ دراسة استقصاء؛ ولذلك لم يستخدم كل ما كان هذا التاريخ يستطيع أن يمده به، وذلك على نحو ما فعل الأستاذ عباس محمود العقاد في كتيبه الصغير رواية «قمبيز في الميزان»، إذ أخذ ينقب عند هيرودوت وغيره من المؤرخين، فعلم أن المشرع اللاتيني الشهير سولون، وأن قارون ملك ليديا الذي يضرب بثرائه المثل، كانا في مصر أثناء حملة قمبيز عليها، فأخذ يلوم شوقي لأنه لم يدخل هاتين الشخصيتين في مسرحيته، ليتحدث الأول عن أصول الحكم والتشريع، ويتحدث الثاني عن المال ومباهجه ونكباته، ومن البين أن هذا النقد نقد تعسفي؛ وذلك لأننا، بفرض صحة ما ذكره الناقد، لا ندري كيف كان يريد أن يقحم شوقي هاتين الشخصيتين التاريخيتين في مسرحيته، دون أن يكون لهما مكان في أحداث المسرحية ولا دور في مجراها! وعلى العكس من ذلك نرى أن هذا الناقد قد أصاب قلب الحقيقة، عندما أخذ على شوقي إهماله لبعض الحقائق التاريخية، التي كان يستطيع استخدامها لإيضاح الحقائق النفسية لأبطال مسرحيته، وبخاصة قمبيز، الذي ينبئنا شوقي أنه قد أصيب بالجنون، دون أن يفسر لنا سبب هذا الجنون، مع أن التاريخ يتحدث عن نكبات بالغة لقيها وجنوده في صحراء ليبيا وفي بلاد النوبة، بل لم يقف شوقي عند هذا الإهمال فحسب، إذ نراه يقلب حقيقة تاريخية كان الفن المسرحي الصحيح يقتضيه على العكس أن يتمسك بها بل ويبالغ فيها، وذلك عندما زعم أن قمبيز كان يعاف الخمر؛ لكي يحتفظ بالصحو في القتال، مع أن الثابت تاريخيا أن قمبيز كان يدمن الخمر، وربما كان ذلك سببا من أسباب جنونه.
وبالرغم من صحة بعض الملاحظات الجزئية التي أخذها النقاد على شوقي، من حيث طريقة استخدامه للتاريخ، فإننا نستطيع أن نقرر أنه لم يخرج عن الحدود العامة التي يلتزمها الأدباء، عندما يستقون مادتهم من التاريخ، فهو لم يمتهن شيئا من حوادثه الكبرى أو من حقائقه العامة، فلم يزعم مثلا أن أنطونيو قد هزم أوكتافيوس، أو أن كليوباترة قد أنقذت مصر من براثن الرومان، ولا أن المعتمد بن عباد قد أنقذ ملكه في إشبيلية، وإنما تصرف شوقي في حدود كليات التاريخ فاحترم الوقائع الكبرى، وإن يكن قد غير من دوافعها النفسية والأخلاقية، وفقا لنزعات مسيطرة على نفسه، وفي مجال التاريخ الأسطوري عن قيس بن الملوح وعنترة، انتقى من أحداثه ما يلائم منهجه الأدبي؛ ولذلك ربما يكون النقد أكثر صحة عندما يتناول هدف شوقي في معالجة التاريخ، واستقامة ذلك الهدف أو تناقضه، ومبلغ سمو هذا الهدف ومقدار جدواه.
وبمراجعة النظرات التحليلية التي زينت بها مسرحياته وكتبت بإيحائه وتحت إشرافه، نحو ما ذكر ابنه الأستاذ حسين شوقي في كتابه «أبي شوقي»، إذ قص كيف أن والده طلب إلى الأستاذ عبد الرحمن الجديلي أن يكتب «النظرات التحليلية» الخاصة بمسرحية قمبيز، نقول: إنه بمراجعة تلك النظرات يتضح أن شوقي كان يهدف إلى تمجيد الوطنية المصرية والنبل العربي، ولكن هل وصل شوقي حقا إلى هذا الهدف، وهل ما وصل إليه يعوض ما فقدناه من تعمق التحليل النفسي، وصدق تصوير الشخصيات، وخصائصها الإنسانية الدفينة؟
لقد زعم كاتب النظرات التحليلية لكليوباترة، أن المؤلف أراد أن يرد إلى مصر اعتبارها، وأن يشيد بمجدها وصدق وطنيتها، ولكن الإشادة بمصر وبمجد مصر كانت تفهم وتتحقق، لو أن المؤلف أظهر إخلاص الشعب المصري وغيرته على وطنه وتفانيه في سبيله، لا دهاء ملكة مصر وطموحها الذي لا يتورع عن أية وسيلة مهما انحطت، ومنذ مطلع المسرحية تسمع من يصف الشعب المصري بأنه شعب أبله يصفق لمن شرب الطلا في تاجهم، وأحال عرشهمو فراش غرام، كما يصفه بأنه «ببغاء عقله في أذنيه»، وتمر تلك الأوصاف دون أن تلقى ردا من أي مواطن مصري، والظاهر أن شوقي شاعر الأمراء لم يكن يحرص إلا على الدفاع عن صاحبة العرش، فكليوباترة في مسرحيته لا تخون أنطونيو، ولا تتخلى عنه في المعركة لغدر منها، وإنما لسياسة عليا هي أن تترك قواد الرومان يفني بعضهم بعضا؛ ليخلو لها بعد ذلك الجو، وتستطيع أن تسيطر على العالم، وأن تجعل من الإسكندرية عاصمته الكبرى، وهي تضحي في سبيل مصر بعبقري جمالها، وذلك مع أن كليوباترة كانت ملكة أجنبية دخيلة على مصر، وكانت خاتمة أسرة شريرة، كم ذبح فيها الإخوة أخواتهم وأقرب الناس إليهم رحما، طمعا في الحكم ومغانمه! ولكنه من الإنصاف أن نقر لشوقي بغنائه الرائع بمجد مصر وخلودها واتخاذ ثراها مقبرة لغزاتها.
ومن المفهوم أن شوقي كان يهدف في مسرحيتيه «مجنون ليلى» «وعنترة»، إلى التغني بنبل العرب وسمو أخلاقهم، حتى لنراه يأتي في «مجنون ليلى» بما لا يكاد أن يصدقه العقل؛ لاستعصائه على الطبيعة البشرية، فليلى مثلا لا ترغم على عدم الزواج من قيس رغم غرامها به، وإنما يترك لها الخيار فتختار الزواج من ورد الثقفي نزولا على تقاليد العرب النبيلة، التي كانت تعيب تزوج الفتاة ممن شبب بها وفضح حبه لها، وزوجها ورد لا يقربها بعد الزواج، بل يتركها بكرا، ولا يجد غضاضة في أن يتركها تخلو بقيس عندما قدم إلى خبائه، ومع ذلك ففي مسرحية «عنترة» نرى عبلة، وهي بنت سيد قومها، لا تفضل أحدا على عنترة، وعندما يحتكم إليها لا تتردد في أن تؤثره على صخر، وذلك مع أن عنترة لم يكن أقل تشبيبا بها من قيس بليلى، كما أنه كان ابنا لزبيبة الأمة الحبشية، ولم يرفض أبوها مالك زواجها من عنترة فحسب، بل استعدى عليه منافسيه، وجعل رأسه مهرا لها، بخلاف والد ليلى الذي رفض بإصرار أن يمس أحد قيسا بسوء، باعتباره ابنا للقبيلة تجري في عروقه دماؤها، ولسنا ندري سببا لهذا التناقض الذي لم يفسره لنا المؤلف، اللهم إلا أن تكون بطولة عنترة وسحرها الخارق، قد أحدثت في نفس عبلة ما لم يحدثه قيس في نفس ليلى، وما لم تكن أصالة دم قيس قد أحدثت في المهدي والد ليلى، ما لم تستطع أن تحدثه بطولة العبد عنترة في نفس مالك العبسي.
وعلى أية حال، فالملاحظ أن شوقي قد عالج أحداث التاريخ وأساطيره من الناحية الأخلاقية، وتخير من الأحداث والوقائع ما يتمشى مع وجهة النظر التي اختارها، حتى لتراه يهمل التاريخ الواقعي كله أحيانا، مفضلا أسطورة شعبية تواتي وجهة نظره الأخلاقية، فبالرغم من أن غزو الفرس لمصر قد كانت له أسباب حربية واقتصادية ودولية، يطنب في إيضاحها المؤرخون، إلا أن شوقي لم يقف عند أي من هذه الأسباب، مفضلا أسطورة شعبية رواها هيرودوت، عن رغبة قمبيز في الزواج من بنت فرعون، ورفض تلك الفتاة الزواج منه، ثم تطوع «نتيتاس» بنت الفرعون السابق المقتول بالزواج من الشاه إنقاذا لوطنها، ثم اكتشاف قمبيز لهذا الخديعة وغضبه وغزوه لمصر، وكل ذلك؛ لكي يظهر بطولة الفتاة المصرية، وتضحيتها بنفسها في سبيل الوطن، ولكنه بالرغم من ذلك لم يستطع أن ينقي هذا الدرس الأخلاقي من كل شائبة، فإلى جانب الروح الفدائية الرائعة التي تتحلى بها نتيتاس، تقوم إثرة «نفريت» بنت فرعون الحاكم، بل إن روح التضحية عند «نتيتاس» نفسها لم يصورها الشاعر خالصة نقية، إذ نراه يشير عند مطلع المسرحية إلى حب عاثر اكتوت بناره، إذ لاحظت انصراف «تاسو» حارس فرعون عنها، بعد أن انتقل الملك من أبيها إلى فرعون الجديد، وتلك كانت كارثة أضيفت إلى كارثة قتل أبيها، فامتلأت نفسها يأسا وهانت عليها التضحية، مما يضعف من قيمتها الأخلاقية، ولكن شوقي مع ذلك غلب في مسرحيته الاتجاه الأخلاقي، فاقتصر على مجرد التلميح إلى رزئها في الحب بعد رزئها في أبيها، وبالرغم من تعقد الموقف وتنوع العوامل النفسية، التي كانت تحتشد بها نفسية «نتيتاس»، مما كان يستطيع معه المؤلف أن يعقد الموقف، ويوسع من مجال الكشف النفسي وسبر الأعماق، على نحو ما يفعل كاتب كبير كشكسبير مثلا، نراه يبسط الموضوع، فلا ينمي العناصر النفسية الدفينة، ولا يوضح عملها مكتفيا بالتلميحات العابرة؛ لكي يوفر جهده على إظهار دافعها الأخلاقي ونبلها الوطني، وبذلك أفقر الشخصية لا لشيء؛ إلا لكي يدفعها في الطريق الذي رسمه لها، الهدف الذي اختاره حتى أصبحت مجرد هيكل مسلوب الأعصاب فاقد الحياة، وكأنها مجرد رمز للوطنية والفداء؛ وكل ذلك لأنه مؤلف أخلاقي، أو أراد أن يكون كذلك.
وباستطاعتنا أن نستقصي نفس الاتجاه الأخلاقي وتأثيره على المؤلف في مآسيه الأخرى؛ ففيها جميعا نلاحظ في سهولة أنه حينما يكون هناك مجال واسع لصراع نفسي عنيف، بين هوى النفس والواجب الأخلاقي أو الوطني، لا يتعمق المؤلف في تصوير هذا الصراع بل يغلب، في سهولة، الدافع الأخلاقي على عواطف النفس وشهواتها، دون أن يصور المشقات التي تعانيها شخصياته في هذا الصراع، ولا المعارك التي كان من المنتظر أن تدور في حناياها، وبذلك تبدو انتصارات تلك الشخصيات سهلة رخيصة لا تنفعل لها النفس ولا تهتز لها، حتى الانتصارات الأخلاقية لا تستند إلى أصول عريقة في الضمير الإنساني، بل في الغالب إلى آداب مواضعة اجتماعية، مستمدة من الجماعة لا من أعماق النفس البشرية؛ ولذلك لا يمكن القول بأن للمؤلف فلسفة أخلاقية بذاتها، على نحو ما استخلص النقاد من هذا النوع عند «كورني» مستندة إلى مبادئ «ديكارت»، إذ أرجعوا بطولة شخصيات «كورني» إلى روح الفلسفة الديكارتية المستندة إلى اليقين، بعد تنحية كل عوامل الشك، والتمسك باليقين الأخلاقي عن بينة وتفكير عقلي سليم. •••
وإلى جانب التاريخ الواقعي أو الأسطوري، حاول شوقي في الكوميديا الوحيدة التي كتبها أن يتخذ الحياة منبعا لمادته الأولية، ولقد تساءل النقاد: كيف يستطيع شوقي أن يصور حياة الشعب مع أنه لم يكن يعيش تلك الحياة؟ ولم يختلط بعامة الشعب، وهو الأرستقراطي المدلل الذي كان يخالط الملوك والأمراء وعلية القوم، ويعيش في كرمة ابن هانئ، لا حي الحنفي حيث كانت تعيش «الست هدى» وأمثالها من الطبقة الوسطى أو الدهماء! ولكن هذا النقد مردود؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يقرر أن جميع المؤلفين قد عاشوا حياة عشرات أو مئات الشخصيات التي صوروها في قصصهم أو مسرحياتهم، وإلا لكان حتما على شكسبير وموليير وإبسن وشو، أن يعيشوا عيشة اللصوص والمجرمين والأفاقين وقطاع الطرق وحثالة المجتمع، الذين صوروا حياتهم أدق تصوير، وإلا كان مثلهم مثل ذلك المصور الإغريقي القديم، الذي أراد أن يصور الألم البشري من ملامح الإنسان، فاشترى عبدا وأخذ يكويه بالنار؛ لكي يلتقط على لوحته الزيتية تعبيرات الألم الفعلي التي ترتسم على وجهه، وما أفقره خيالا ذلك الذي يحتاج إلى توليد الألم فعلا؛ لكي يصور تعبيراته! ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نقول: إن شوقي قد عاش بمعزل تام عن حياة الناس، وذلك فضلا عن وجود خصائص بشرية عامة مشتركة بين البشر، مهما اختلفت طبقاتهم الاجتماعية، والمؤلف في وصفه للحياة، لا يستقي مادته كلها من ملاحظته أو تجاربه المباشرة، بل يستمد أيضا الكثير من قراءاته، والخيال الخصب قادر على أن يبني البناء الشامخ فوق ملاحظة جزئية توحي إليه بجذورها وفروعها وتشعبها في شتى الاتجاهات، وهذا هو ما فعله شوقي في ملهاة «الست هدى»، التي يصور فيها هي الأخرى داء أخلاقيا متفشيا وهو الطمع في ثروة الزوجة، وتهافت الرجال على المرأة طمعا في مالها، ثم خيبة ذلك الأمل، إذ يموت الأزواج تباعا قبل الست هدى، حتى إذا ماتت هي قبل الزوج الأخير، اكتشف ذلك الزوج لسوء حظه أنها كانت قد أوصت قبل أن تموت بكل مالها لبعض معارفها ولبعض جهات البر، فأسقط في يده، وتنكر له من كان قد أخذ يتملقه باعتبار أنه قد أصاب الثراء، وصور شوقي كل أولئك الأزواج المتعاقبين تصويرا سريعا ولكنه حي، وإن يكن هذا التصوير قد جاء عن طريق السرد والرواية على لسان «الست هدى» لإحدى جاراتها، فبدا مفتعلا لسوء الحظ، والواقع أن الموضوع يستعصي بطبيعته على المسرح، ولو أن المؤلف حاول أن يعرض عرضا فعليا كل هذه السلسلة من الأزواج، لنراهم أحياء يتحركون ويتحاورون ويعيشون على خشبة المسرح، لطال به الأمر وتسرب إلى النفوس الملل، ولأصبحت المسرحية استعراضا مفككا، وإنما احتال المؤلف فعرض بالوصف السريع تلك السلسلة؛ لكي يمهد لمهزلة الزوج الأخير التي تشغل الجانب الأكبر من المسرحية.
ناپیژندل شوی مخ
والفكرة التي بنى عليها المؤلف مسرحيته ليست في الواقع ملهاة، وإنما هي مأساة أخلاقية لا تختص بها طبقة اجتماعية بذاتها، ولا هي وقف على عامة الشعب، بل يتردى فيها الكثير من علية القوم الذين كان شوقي يخالطهم، فهي مرض إنساني عام صوره شوقي تصويرا ناجحا يضحكنا ويحزننا في نفس الوقت، ويثير في النفس الكثير من التأملات الأخلاقية والإنسانية.
وليس من شك في أن هذا الموضوع قد كان أكثر مواتاة لاتجاه شوقي الأخلاقي، بحيث يمكن القول: إنه لو امتدت به الحياة، واستمر في تصوير واقعنا الاجتماعي والأخلاقي، ونقده على هذا النحو، لأصاب من النجاح أكثر مما أصاب في مآسيه التاريخية، ولخلف لنا أدبا مسرحيا رفيعا في مجال الكوميديا، وإن يكن من الراجح أن النثر أكثر صلاحية للكوميديا من الشعر، بل وربما كان النثر العامي أكثر ملاءمة من النثر الفصيح، حتى يأتي أقرب إلى الطبيعة وألصق بحياة الشعب التي يصورها.
شوقي والفن المسرحي
ليس من شك في أن عنصر الدراما؛ أي الحركة، يعتبر العمود الفقري في الفن المسرحي، وكلمة «دراما» اليونانية الأصل، معناها الاشتقاقي هو الحركة، ومنذ القدم استعرض أرسطو في كتاب الشعر عند حديثه عن التراجيديا، الوسائل التي يولد بها المؤلفون المسرحيون هذه الحركة، فتحدث عن المفاجآت المسرحية المختلفة، وطرق قيادة الأحداث المسرحية إلى نتائجها النفسية والأخلاقية، ومن المعروف أن المسرح الذي نشأ نشأة دينية عند اليونان القدماء، كان يعتمد أساسيا على الصراع بين البشر «والأنانكية»؛ أي الضرورة الكونية، التي كانت تختلط عندهم أحيانا بالقضاء والقدر، بالرغم من أنهم كانوا يخضعون الآلهة ذاتها لتلك الضرورة، كما كانوا يجرون ذلك الصراع أيضا بين الآلهة والبشر، ولكنه لما كانت آلهتهم تتصف بجميع صفات الإنسان بما فيها من مواضع ضعف وقوة، وكانت تستشعر جميع المشاعر البشرية بما فيها من قبح وجمال، فإن هذا الصراع كان يتخذ طابعا إنسانيا بحتا، فالآلهة ترضى وتغضب، وتحب وتكره، وترتكب الآثام، وتخطف النساء، وتغار من البشر، وتفكر كما يفكرون، حتى ليمكن القول بأن عنصر الدراما عندهم كان يقوم على أنواع الصراع البشري المختلفة أي الداخلية والخارجية؛ ولذلك عندما نشأ الأدب الكلاسيكي بعد عصر النهضة اعتمد هو الآخر على عنصر الصراع في توليد الدراما، والظاهر أن شوقي قد تأثر بهذا المذهب الكلاسيكي، فاعتمد في الكثير من مسرحياته على الصراع الذي يجري داخل النفس البشرية أو خارجها، على نحو ما نلاحظ في «مصرع كليوباترة» أو «مجنون ليلى» أو «عنترة»، ولكنه للأسف لم يستطع أن يتعمق ذلك الصراع على نحو يثير الانفعالات القوية، أو التفكير العميق في نفس القارئ أو المشاهد، وكان ذلك لسببين:
أولهما:
أن شوقي قد أجرى الصراع بين العوامل النفسية والعوامل الأخلاقية، وقد لا يكون هذا الاختيار في مبدئه سببا لضعف تأثير مسرحياته؛ فقد اعتمد كورني من قبله على نفس الصراع بين المشاعر والأخلاق، وعلى الأخص بين الحب والواجب، ومع ذلك بلغ من التأثير والقوة مبلغا رائعا في «السيد» و«هوراس» و«سينا» وغيرها من مآسيه، ولكن كورني لم يسلك مسلك شوقي، في تخير المبادئ الأخلاقية التي يدخلها في صراع مع العواطف البشرية؛ فالأخلاق التي يستند إليها كورني ترجع في جوهرها إلى ما يسميه علماء الأخلاق «أدب الرياضة والاستصلاح»؛ أي أدب رياضة النفس على الخير والحق والجمال، واستصلاحها على أساس قيادة الضمير والاستماع لصوته الإلهي، وأما شوقي فإن مبادئ الأخلاق عنده تستند إلى ما يسمى ب «أدب المواضعة والاصطلاح»؛ أي ما تواضع عليه المجتمع من عادات وتقاليد، لا تغوص جذورها في الضمير الفردي، ولا تلقى جزاءها من وخزات ذلك الضمير، بل تستند إلى رأي الجماعة في الفرد وحكمهم عليه، وجزاؤها يصدر عن رأي الجماعة أو القبيلة ومدى سيطرته على الفرد، وبذلك لم تصبح مبادئ الأخلاق عنده شيئا مستقرا في أعماق النفس البشرية، حيث تستقر أيضا المشاعر والعواطف والشهوات، بحيث يمكن أن يجري الصراع العنيف الذي يمزق النفس البشرية، ويثير تفكير ومشاعر القارئ أو المشاهد حتى تلهث أنفاسه ويرتفع انفعاله، وهذا واضح في مأساة المجنون مثلا، حيث لا يجري الصراع في نفس ليلى بين الحب والواجب، بل بين الحب وتقاليد العرب، فهي لا ترفض الزواج من قيس؛ لأن ضميرها يأبى هذا الزواج؛ بل لأن العرب تستنكر زواج الفتاة بمن شبب بها وفضح حبه لها، وفي «عنترة» نرى ألوانا من نفس النوع الذي يستند غالبا إلى تقاليد وأوضاع المجتمع لا إلى الضمير الفردي ومبادئ الأخلاق الشخصية.
والسبب الثاني:
هو أن شوقي لم يعمق حتى ذلك الصراع الذي أجراه بين المشاعر الإنسانية والأخلاق الاجتماعية؛ ولذلك لا نجد في مسرحياته صراعا حقا عنيفا، بل انتصارات سهلة يسيرة لمبادئ تلك الأخلاق على المشاعر الإنسانية، فنحن لا نلمح في مجنون ليلى آثارا قوية لذلك الصراع، ولا تمزقا داخليا عنيفا يهز مشاعرنا، وعلى العكس من ذلك يمر هذا الصراع مرورا هينا، فوالد ليلى يفوض لها الأمر ويترك لها الخيار، فتفضل في يسر وسهولة وردا الثقفي على قيس دون أن نحس بأن هذا التفضيل قد كلفها عسيرا، أو أثار في نفسها شجونا، وإذا كان شوقي لم يشأ أن ينطق ليلى أمام أبيها أو أهل قبيلتها، بما يفصح عن هذا الصراع، فقد كانت لديه وسائل مسرحية معروفة يستطيع أن يصور لنا هذا الصراع المؤثر بواسطة ما يسمونه ب «الائتمان»، أو بواسطة «المناجاة»، والائتمان هو أن يحملها على الإفضاء بمكنون سرها إلى صديقة أو أمة أو تابعة تثق فيها، والمناجاة تكون بواسطة المنولوج الفردي الذي تخلو فيه إلى نفسها، تنفض مكنونها وتظهرنا على جراحها الخفية وآلامها أو آمالها الدفينة، ولكنه لم يفعل، بل إننا لنلاحظ أنه يضعف أحيانا جلال وروعة ذلك الانتصار الأخلاقي السهل، بإشارات عابرة لا ندري لماذا أقحمها، مع أنه لم يستغلها في سياق المأساة، ولا في تصوير الشخصيات تصويرا كاملا، أو في تزكية الأثر الذي تحدثه مسرحيته، وذلك على نحو ما نلاحظ في شخصية رئيسية كشخصية نتيتاس في مأساة قمبيز، فهذه الفتاة النبيلة يتضح من مجموع المأساة أنها ضحت بنفسها فداء لوطنها، عندما قبلت الزواج من قمبيز، حتى تمنعه من غزو مصر بعد أن علق هذا الغزو على قبول أو رفض فرعون تزويجه من ابنته، ومع ذلك يأبى شوقي إلا أن يشير في مطلع مأساته إلى حب عاثر كان بين نتيتاس وتاسو حارس فرعون، إذ تخلى الأخير عنها وهجر حبها لينقله إلى نفريت بنت فرعون الحالي، الذي قتل والد نتيتاس، وبذلك ألقى في نفس القارئ شكا في نبل نتيتاس، وعظمة تضحيتها، وأصبحنا نتساءل هل كانت تضحية نتيتاس عن يأس من حبها العاثر، أم فداء لوطنها؟ وفضلا عن ذلك فإن ظروف نتيتاس، كانت تسمح بأن يصور الشاعر في نفسها أنواعا عاتية من الصراع؛ وذلك لأن نفسها لم تكن جريحة بسبب غدر تاسو لحبها فحسب، بل كانت جريحة أيضا بسبب قتل فرعون لأبيها واغتصابه الملك منه، وليس بمعقول أن لا يكون لهذه الجراح أثر عميق في نفسها، ولو أن الشاعر عمق هذه الجراح، واستغل المشاعر التي كان من الطبيعي أن تولدها في نفس نتيتاس، ثم غلب في النهاية داعي النبل والوطنية الفدائية في نفسها لازدادت شخصيتها قوة وجاذبية ونبلا وإثارة لمشاعر القراء والمشاهدين.
وهكذا يتضح لماذا لم ينجح شوقي النجاح الكامل في استغلال عنصر الصراع، الذي استغلته التراجيديا الكلاسيكية عند الفرنسيين، فوصلت إلى قمة الدراما والتأثير المسرحي.
ودراسة عنصر الدراما عند شوقي، يتطلب النظر أيضا في طريقة استخدامه للحيل المسرحية الثانوية، مثل «التعرف» الذي استخدمه في تعرف آمال على أخيها مراد بك، في مأساة «علي بك الكبير»، وتعرف «حسون» على «بثينة» في مأساة أميرة الأندلس، وكذلك حيلة «المفاجأة» التي استخدمها في مفاجأة بشر لقيس في مأساة «المجنون»، وأيضا وسيلتي «الائتمان» «والمناجاة» في الكشف عن دخائل النفوس، وكل هذه حيل معروفة مطروقة في الأدب المسرحي منذ أقدم أزمنته، وليس من الممكن المفاضلة على نحو مطلق بين هذه الحيل؛ ففي بعض المواقف قد تفضل المناجاة الائتمان، وفي مواقف أخرى قد يصح العكس، وموضع المؤاخذة ربما كان في إسرافه في المناجاة، حيث نطالع أو نسمع منولوجات غنائية طويلة، في مواقف حرية بأن تعقد اللسان أو لا تنطقه إلا بالنزر اليسير، ولكنه شوقي الشاعر الغنائي الذي ينطلق على سجيته ليطربنا بقصائده الشجية التي تكاد تكون قطعا غنائية قائمة بذاتها لا أجزاء من مسرحية، على نحو ما نلاحظ في منولوجات كليوباترة وأنطونيو، أو وادي العدم، أو أغنية التوباد، وإن يكن من الملاحظ أن مسرح شوقي قد تطور، فقلت قصائد المناجاة، أو أوجزت في المسرحيات التي تلت «مصرع كليوباترة» و«مجنون ليلى»، وازدادت أهمية الحوار وطبعيته.
ناپیژندل شوی مخ
ولو أننا نظرنا بإمعان في مسرح شوقي لوجدنا أنه يقوم على عناصر أخرى دخيلة على عنصر الدراما: (1)
ففي بعض الأحيان نلقى مشاهد قصصية ووصفية لا نتبين علاقتها بعناصر الدراما، وهي أكثر صلاحية إما للقصص أو للملاحم، ونحن نفهم أن يأتي القصص والوصف عرضا في بعض الحالات داخل الحوار، إذا كان هذا الوصف أو ذلك القصص، يؤثر في عنصر الدراما أو يكشف عن جوانب نفسية من الشخصيات، ويفسر سلوكها، ولكننا لا نتبين أحيانا أيه علاقة بين ذلك الوصف أو القصص، وسير الدراما أو شخصياتها، ونضرب لذلك مثلا بالمشهد الذي يصف فيه الشاعر مرور موكب الحسين بن علي في صحراء الحجاز وتهليل العرب وتكبيرهم لذلك الموكب، ولقد يصور هذا المشهد حقيقة تاريخية ثابتة في مطلع حكم الأمويين وهزيمة العلويين وظهور مذهب الشيعة في الحجاز، ولكننا لم نتبين في المسرحية تأثير هذه الظاهرة في سيرها أو في أشخاصها، وكذلك مشاهد الجن وندوات غناء الغريض في نفس المسرحية، وذلك مع العلم بأنه حتى في مجال القصص الذي يتسع لتصوير البيئة يحرص القصاص على أن يربطوا بين تلك البيئة وأحداث قصتهم وشخصياتهم، وفي مسرحية «أميرة الأندلس» نشاهد عدة لوحات استعراضية، تصيب عنصر الدراما فيها بشيء غير قليل من البطء والتفكك، والظاهر أن شوقي كان يطمع في أن يصور البيئات التاريخية التي استمد منها مواضيع مسرحياته، وهذا مطمع لا غبار عليه، ولكن الفن المسرحي كان يقضي بأن يأتي هذا التصوير في تضاعيف عنصر الدراما، وأن يربط به رباطا وثيقا، وإنه لمن الغريب أن نلاحظ أنه عندما يكون لوصف تلك البيئة تأثير مباشر على سير الدراما نجد شوقي يلزم الصمت، أو الاقتضاب المخل في تصويرها، ولعل هذا أوضح ما يكون في رواية «قمبيز»، حيث يوضح كيف أن جنود اليونان المرتزقة، قد كانوا العنصر الغالب المسيطر في جيش فرعون، ثم يفاجئنا بأن «فانيس» رئيس أولئك الجند، قد غدر بفرعون، والتجأ إلى «قمبيز»، حيث أخبره بالخديعة التي خدعه بها فرعون عندما زوجه ب «نتيتاس» موهما إياه بأنها ابنته، وذلك دون أن يخبرنا بسبب هذا الغدر ولا بواعثه. (2)
والعنصر الثاني الذي يراه النقاد المحدثون دخيلا على الدراما هو العنصر الغنائي، وذلك باعتبار أن شوقي قد وضع مسرحياته؛ لكي تمثل، لا لكي تغنى فهي مآس وملهاة، لا أوبرا ولا أوبريت، وهم يفسرون ذلك بأن شوقي كان شاعرا غنائيا أقحم نفسه على الفن المسرحي دون أن يستطيع التخلص من طابعة الغنائي، وهذا النقد صحيح، ولكنه لا يذهب بقيمة هذا الإنتاج الأدبي الجميل، ونحن نصر على أن مآسي شوقي الشعرية لو أتيح لها الموسيقيون والمغنون الذين يستطيعون تحويلها إلى أوبرا لأصابت نجاحا كبيرا، ومن منا لا يطرب ل «أنا أنطونيو وأنطونيو أنا»، أو «جبل التوباد حياك الحيا»، أو «تلفتت ظبية الوادي»؟! أو غيرها من المقطوعات التي لحنها وغناها المطرب محمد عبد الوهاب، فما بالنا لو لحنت كل تلك المآسي من مطلعها إلى نهايتها ومثلت بالغناء، وكلها مآس تصلح بموضوعاتها ولوحاتها وأشعارها؛ لأن تكون أوبرات رائعة مستوفية لكافة العناصر، وبذلك يستمر المسرح المصري الغنائي في تطوره الغنائي، ويكمل ما ابتدأه «سلامة حجازي» و«سيد درويش».
ويسوقنا هذا النظر إلى دراسة مسألة الشعر وصلاحيته للأدب المسرحي.
وبالرغم من أن الأدب المسرحي قد نشأ شعرا عند اليونان القدماء، واستمر شعرا عند جميع الكلاسيكيين، ثم عند عدد كبير من الرومانتيكيين، وظل شعرا عند بعض المحدثين والمعاصرين، مثل إدمون روستان، إلا أن الجدل لا يزال قائما حول صلاحية الشعر للأدب المسرحي، بعد أن طغى عليه النثر، حتى كاد يغرقه، وبخاصة بعد احتلال القصص النثرية مكان الصدارة في جميع الآداب، وتقهقر الشعر حتى الغنائي منه، ونحن لا نريد استقصاء جميع النظريات التي تدور حول الشعر والنثر والمقارنة بينهما، وإنما نكتفي بعرض سريع لبعض تلك النظريات، التي تكشف عن اتجاهات ذلك الجدل، وهي نظريات قديمة متجددة قدم الأدب وتجدده.
ففي سلسلة من المحاضرات التي ألقاها بول فاليري في الكوليج دي فرانس بباريس، عرض هذا الشاعر العظيم، نظرية تشبه النثر بالمشي، والشعر بالرقص، وهذه النظرية، وإن تكن وثيقة الصلة بالمذهب الرمزي الذي يدين به هذا الشاعر، الذي يعلق على موسيقى الشعر ونغماته الإيحائية الأهمية الأولى، إلا أنها مع ذلك تصدق إلى حد بعيد على معظم أنواع الشعر وأنواع النثر؛ فالنثر بوجه عام سير نحو هدف هو: التعبير عن مكنون الفكر أو إحساس القلب؛ وهو لذلك وسيلة لا غاية، وأما الشعر ففن جميل في ذاته يقصد إلى خلق الصور الجمالية أولا، ويأتي التعبير فيه في المرتبة الثانية، ونستطيع أن نقرب للفهم هذه النظرية بمثل بسيط نسوقه دون تخير خاص؛ لأنه يكفي في إيضاح الفكرة، وليكن قولنا: «جاء وقت الظهيرة» فهذا التعبير النثري البسيط يفصح عن المعنى الذي نريده، وهو يشبه السير نحو هذا الهدف التعبيري، وأما الشعر فحرصه الأول ينصرف إلى خلق صورة جميلة تداعب الخيال، وهذه الصورة هي الهدف الأول للشعر، بينما يأتي التعبير في المرتبة الثانية؛ ولذلك يعبر الأعشى عن هذا المعنى بقوله: «وقد انتعلت المطي ظلالها.» فهذه الصورة، وإن تكن تفيد حلول وقت الظهيرة، إلا أن المعنى يتضاءل أمام الصورة الشعرية في ذاتها، وكأن هذه الصورة الجمالية رقص لغوي، وإذا صحت هذه النظرية يكون الشعر فنا جميلا في ذاته، لا يطالب بتحليل خلجات النفس الخفية وخواطرها الهروب، بقدر ما يطالب بخلق الصور الجمالية والإيحاء والتصوير بواسطة النغم والإيقاع، وعلى هذا النحو يكون الشعر أصلح للوصف والتصوير منه للتعبير والإفصاح اللذين يتطلبهما الأدب المسرحي، ويكون مجاله الغناء لا المسرح.
على أن هذه النظرية قد عارضها الأدباء والمفكرون، منذ القدم وباستطاعتنا أن نعثر عند العرب أنفسهم على معارضة قوية لها، في قول صاحب «العقد الفريد»: «زعمت الفلاسفة أن النغم فضل في المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه ، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس، وحن إليه الروح؛ ولذلك قال أفلاطون: «لا ينبغي أن تمنع النفس من معاشقة بعضها بعضا».» ومعنى هذا النص الجميل أن الشعر يفضل النثر؛ إذ يجمع بين التعبير والنغم، وبفضل هذا النغم يستخرج من النفس ما يعجز المنطق؛ أي التعبير، على استخراجه، ويظهر ذلك عندما نرجع الشعر أي نترنم به دون الاكتفاء بتقطيعه إلى تفاعيل، أو قراءته في صمت، وكأن النغم يستنزف عندئذ جزءا من مكنون النفس البشرية، بقي متخلفا بها بعد أن حملت الألفاظ إلى الخارج ما تستطيع حمله من ذلك المكنون؛ ولهذا تعشق النفس النغم؛ لأنه يحمل جزءا منها، وكأنها بذلك تعشق بعضها بعضا، وهذا المعنى أحسه الكثيرون من نقاد الشعر في الشرق والغرب، ولقد كتب سليمان البستاني في مقدمة ترجمته للإلياذة، صفحات دقيقة نافذة عن أوزان الشعر العربي، وصلاحية بعضها لبعض الموضوعات دون الأخرى، وباستطاعتنا أن نضرب هنا مثلا أو مثلين لإيضاح هذه النظرية الرائعة، ولنأخذ إحداهما من قول الشاعر أحمد زكي أبو شادي في حنينه إلى الماضي:
عودي لنا يا ليالي أمسنا عودي
وجددي حظ محروم وموعود
وموضع الاستشهاد هو أننا نلاحظ تلك المدات المتلاحقة، التي نحس منها الحنين إلى الماضي على نحو أقوى مما تحمله دلالة الألفاظ، وكأن النغم هنا وسيلة للتعبير العاطفي تضاف إلى التعبير العقلي الذي تفيده الألفاظ، وبذلك لا يكون الشعر وسيلة للتعبير فحسب، بل وسيلة مزدوجة تجمع بين العقل والعاطفة، أو تلون العقل بالعاطفة.
ناپیژندل شوی مخ
وليكن المثل الثاني قول أحمد شوقي في وصف كأس الخمر:
حف كأسها الحبب
فهي فضة ذهب
فالمعنى في ذاته قريب المنال، وهو أن الحبب؛ أي فقاقيع الخمر الصفراء، تتصاعد بيضاء إلى حافة الكأس، ولكن روعة البيت تأتي من تصوير الحركة التي يوحي بها إيقاعه، الذي نكاد نرى معه تلك الفقاقيع، وهي تتصاعد تباعا إلى حافة الكأس، وبذلك يصبح الشعر هنا وسيلة يجمع بين المعنى العقلي للألفاظ والإيحاء الحركي للنغمات.
ومن هذين المثالين يتضح أن الشعر لا يعجز عن التعبير الذي يستطيعه النثر، بل على العكس يفوق النثر؛ لأنه يستطيع بواسطة النغم أن يستخرج اللون العاطفي للفكرة، أو يوحي بالحركة التي لا توحي بها دلالة الألفاظ في ذاتها.
وهكذا نخلص إلى أن الشعر أداة صالحة لكل ضروب الأدب، بما فيها الأدب التمثيلي، ولكن «على الترجيع لا على التقطيع» كما قال بحق ابن عبد ربه نقلا عن الفلاسفة؛ أي على أن يترنم بهذا الشعر لا على أن يقرأ في صمت أو أن يلقى في حوار، وفي رأينا أن هذا الترنيم يبلغ مداه وتتحقق وظائف النغم وقدرته التعبيرية والتصويرية، إذا تغنى بهذا الشعر، وبخاصة إذا كان شعرا غنائيا بخصائصه الجمالية المعروفة، على نحو ما جاء شعر شوقي في أدبه المسرحي، وبذلك ننتهي إلى النتيجة التي سبق أن سقناها، وهي أن مسرح شوقي، وبخاصة مآسيه الشعرية ترتفع إلى القمة إذا لحنت وعرضت في دور التمثيل كأوبرا.
علي بك الكبير
سبق أن وضحنا كيف أن إقامة شوقي في فرنسا لفتت نظره إلى فنون من الأدب، لم يعرفها الأدب العربي، فأخذ يحاول تقليد تلك الفنون، وكان من أهم ما حاوله التأليف المسرحي، فكتب في سنة 1893 مسرحية سماها: «علي بك الكبير»، أو «فيما هي دولة المماليك»، وأرسلها إلى الخديوي الذي تلقاها فيما يبدو في فتور، ومن البديهي أن الخديوي كان ينتظر من ربيبه أحمد شوقي قصيدة مدح، لا قصة تمثيلية، وربما كان هذا مما صرف شوقي عن هذا الاتجاه، فلم يعد إليه إلا في أخريات حياته بعد أن تحرر بعض الشيء من سيطرة السراي، واقترب من الشعب، وتركز طموحه في المجد الأدبي، واشتد ضغط النقاد عليه، ومطالبتهم له بأن يخرج بشعره عن الدرب البالي المطروق، ويحاول التأليف المسرحي الذي ازدهر في كافة الآداب العالمية الحديثة، وعندئذ كتب «مصرع كليوباترة» ثم «مجنون ليلى» ثم «قمبيز»، وعاد إلى مسرحيته القديمة عن علي بك الكبير في سنة 1932، فأعاد كتابتها كلها من جديد، وغير من بعض حوادثها، ثم قدمها إلى اللجنة العليا لمؤتمر الموسيقى الشرقية، الذي عقد عندئذ في القاهرة تحت رعاية الملك فؤاد الأول، وذلك كما يقول في مقدمتها: «لكي تعرضها وما اشتملت عليه من القطع الغنائية والمواقف الملحنة على حضرات المؤتمرين ضمن ما يعرض عليهم من النماذج عن جهود مصر الحديثة في الفنون الثلاثة: التأليف القصصي، والتمثيل، والتلحين»، وقد أخرجتها بالفعل فرقة السيدة فاطمة رشدي على مسرح الكورسال، ولكنها لم تنل غير نجاح محدود.
لقد سبق أن عرضنا للخصائص العامة لمسرح شوقي، وهنا نحن نستعرض مسرحياته الواحدة بعد الأخرى ونبتدئ بمسرحية «علي بك الكبير»؛ لأنه كان قد عالج نفس الموضوع كما قلنا منذ سنة 1893، ثم عاد إليه بعد أن كتب ابتداء من سنة 1927 ثلاث مسرحيات أخرى.
وسبب بدئنا بهذه المسرحية هو رغبتنا في أن نقارن بين المسرحية القديمة، والمسرحية الجديدة؛ لنتبين تطور فن شوقي الشعري والدراماتيكي.
ناپیژندل شوی مخ
وبالرجوع إلى المسرحية القديمة نجد أنها، وإن كانت قد كتبت شعرا إلا أن شوقي كان لا يزال في أول الشوط فملكته الشعرية لم تكن قد استحصدت بعد، وقدرته الغنائية والموسيقية لم تكن قد استبدت بموهبته الشعرية وطغت عليها؛ ولذلك جاءت صياغتها مغايرة لصياغة مسرحياته الأخيرة، بما فيها «علي بك الكبير» نفسها بعد أن أعاد كتابتها، ولعله في هذا الزمن السحيق كان متأثرا بالفكرة العامة، التي كانت سائدة عن المسرح عندما كان يسمى «بالتشخيص»، وينظر إليه كفن شعبي يقصد إلى التسلية والترفيه، ويصاغ بلغة أقرب ما تكون إلى لغة العوام أو الزجل الشعبي؛ ولذلك حاول أن يجمع بين خصائص هذا الفن الغربي، وحقائق الشعب المصري الذي يكتب له، فاختار موضوعا تاريخيا قريب العهد بتاريخ مصر المعاصرة، ثم كتبه بلغة قريبة من لغة الحديث في مصر، وركز اهتمامه على الحركة والحوار لا على الشعر وروعة القصائد، على نحو ما نلاحظ في مسرحه الجديد، وإن يكن من الواضح أنه لم يحسن اختيار الفترة التاريخية التي يتحدث عنها، فحكم المماليك قد كان أظلم حكم في مصر، وكانت آثامه لا تزال عالقة بذاكرة المصريين، يتوارثونها ابنا عن أب، ولقد كنا نستطيع أن نغفل سوء الاختيار، لو أن شوقي قصد من مسرحيته إلى معالجة النفس الإنسانية في ذاتها، ومن المعلوم أن مآسي تلك النفس تستفحل وتتضح في عصور الانحلال والقسوة، أكثر مما تتضح في عصور النهوض والبطولة، وذلك على نحو ما فعل شكسبير في اختيار موضوعات مآسيه من أحلك عصور إنجلترا مثلا، ولكن شوقي كما بدل عنوان مسرحيته نفسه، لم يرد أن يعرض مأساة بشرية في ذاتها، بل أن يصور «دولة المماليك»؛ أي أن يصور حالة سياسية واجتماعية تفشت في ذلك العصر أكثر من تصويره لمأساة فردية.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضينا أن نقر، بأن شوقي قد أحسن استخدام خياله ليوفر لمسرحيته عناصر الصراع الداخلي، التي تبعث الحركة في اللوحة التاريخية التي أراد تصويرها.
لقد اختار شوقي علي بك الكبير بطلا لمسرحيته؛ لأنه علم من التاريخ أن هذا المملوك كان رجلا طموحا، استقل بمصر عن الأتراك، واتخذ لنفسه لقب السلطان سنة 1769، ووسع من رقعة ملكه بالاستيلاء على اليمن وجدة ومكة وشبه جزيرة العرب، ثم غزة ونابلس والقدس ويافا وصيدا ودمشق، وعندئذ احتال الأتراك للأمر بالمكر والدهاء، فاصطنعوا محمد بك أبو الذهب، الذي كان مملوكا تبناه علي بك الكبير، فغدر أبو الذهب بسيده، وما زال به حتى قتله، وخلفه في الولاية على مصر، ورأى شوقي أن هذا الموضوع لا يكفي لتأليف دراما، فتخيل قصة أخرى هي قصة غرام مراد بك بآمال الجارية التي اشتراها علي بك الكبير، واتخذ منها زوجة له، ونجح شوقي في الربط بين الموضوعين، بأن جعل مراد بك يتآمر مع محمد أبو الذهب؛ لكي يفوز بمحبوبته آمال بعد قتل زوجها، وتخيل شوقي انقلابا مسرحيا بأن جعل آمال أختا مجهولة لمراد بك، الذي لا يكتشف هذه الحقيقة إلا في نهاية المسرحية، عندما يكشف له عنها والده ووالدها النخاس مصطفي الياسرجي.
وبالمقارنة بين المسرحية القديمة والمسرحية الجديدة، يتضح أن شوقي لم يغير الهيكل العام للقصة، كما لم يغير من هدفه النهائي، وهو تصوير دولة المماليك، وإنما غير تغييرا كاملا في صياغته الشعرية، التي ارتفعت في المسرحية الجديدة إلى مستواه الشعري المألوف، وإن تكن الروح الغنائية تطغ عليها كما طغت على مسرحياته الأولى، بعد أن نبهه النقاد إلى ذلك الطغيان، وأجمعوا على أن مسرحه غنائي أكثر منه دراماتيكي، فظل قوام المسرحية الحوار، لا جمع قصائد طويلة بعضها إلى بعض بخيط واه من الحوار.
والظاهر أن الحملة التي شنها النقاد على شوقي، بمناسبة مسرحيته الأولى، وهي «مصرع كليوباترة» قد لفتت نظره إلى بعض المآخذ التي نفر منها الجمهور المصري.
ونخص منها بالذكر نظرته إلى الشعب المصري، فقد لاحظ النقاد أنه بينما يدافع عن كليوباترة، ويحاول أن يرد إليها اعتبارها التاريخي والأخلاقي، نراه لا ينصف الشعب المصري، فيصفه في تلك المسرحية بأنه «ببغاء عقله في أذنيه»، وأنه يصفق «لمن شرب الطلا في تاجه، وأحال عرشه فراش غرام»، وليس من شك في أن هذا النقد قد حمله على أن يسقط من مسرحيته القديمة ذلك المشهد أو «المجلس» كما كان يسميه، الذي يصف فيه الشعب المصري بأنه شعب ذليل لا يصعب ابتزاز المال منه بالسوط والعصا، وهو المشهد الثاني من الفصل الثاني، حيث يجري الحوار بين حنا وكيل علي بك الكبير، وإقبال التي أصبحت آمال في الرواية الجديدة على النحو الآتي:
حنا (وهو يقدم الحساب لإقبال التي أصبحت زوجة لسيده ومديرة لثروته) :
هذا الخلاصة يا أميرة فاسمعي
لي بالقراريط وبالحبات (تبتسم إقبال.)
قد كان عند البيك من عام مضى
ناپیژندل شوی مخ
عشرون ألفا حلوة الطلعات
ألفان منها مال ذاك العام والبا
قي ضرائب تسعة لم تات (إقبال ترجع إلى الخلف منزعجة.)
إقبال :
لم تأت؟ كيف رأيتمو تحصيلها
هذا لعمري البغي في الغايات
حنا لقد أقعدتني وأقمتني
أكذاك يفعل سائر البيكات؟
حنا (لا تتغير هيئته) :
لا؛ إذ من العادات ما لا يستوي
ناپیژندل شوی مخ
فيه البيكات لكونهم درجات
إقبال (تتقدم خطوة) :
وبأيما كيفية تحصيلها
ومن الجباة فهن شر جباة
هل في دم الفلاح سر الكيميا
أم هل يدين لكل باغ عاتي
حنا (مبتئسا) :
تحصيلها سهل مع القرصات والكيا
ت والجلدات والشنقات
والضرب فوق الظهر وهو مطاوع
ناپیژندل شوی مخ
والضرب فوق البطن وهو مواتي
وأمر من ذا بيع واحدة النعا
ج أو التي بقيت من البقرات
إقبال (تشير وجهها نحو السماء باكية) :
الآن بان لي الرشاد بوجهه
وعرفت مصدر هذه الظلمات
وقنطت من مرجو عودك يا علي
ورجوع بيتك ظافر الرايات
هيهات، ناس البغي تسقط مرة
لا يسقطون كغيرهم مرات (تطرق هنيهة، تتقدم نحو حنا ناظرة إلى الدفاتر.)
ناپیژندل شوی مخ
حنا (يلقي الخلاصة) :
إنما المبلغ الذي قلت عنه
لك لم يبق منه غير القليل
أخذ البيك نصف ذلك مني
لاصطناع الرفاق عند الرحيل
وأتاني محمد أخذ الرب
ع ببأس حلو وعنف جميل
وصرفنا ثلاثة وبما يب
قى نرجي قضاء دين ثقيل
وأنا اليوم قد كبرت فمالي
ناپیژندل شوی مخ
في الوكالات فابحثي عن وكيل (ينصرف وهو عند الباب.)
هو ذا مذهبي وهذا شعاري
وهو للناس من زمان شعار
لم أحاسب وكان في البيت قط
كيف أرضى وليس في البيت فار
فهذا الحوار وإن كان يشف عن مبلغ جشع المماليك، وقسوتهم حتى ليحصلون ضرائب عشر سنوات لم يحل منها غير ضرائب عام واحد، إلا أنه ينم أيضا عن مبلغ ضعف الشعب حتى ليدين لكل باغ عات، وحتى ليطاوعه ظهره للضرب ويواتيه دون تمرد أو إباء، وبذلك لا يرتفع هذا الشعب عن مستوى شعب كليوباترة الذي أثار ثائرة النقاد، فنزل شوقي عند حكمهم وأسقط هذا الفصل، وإن ظل مع ذلك يلطخ صورة حكم المماليك، بأحلك الألوان التي يمليها التاريخ.
ولعل شوقي قد أحس في مسرحيته القديمة، بأن بطل قصته وسط كل تلك المخازي التي تلطخ جبين ذلك العهد، لم يفز بعطف المشاهدين أو القراء، وبذلك يضعف تأثير المسرحية العاطفي، فحاول أن يكسب هذا البطل شيئا من النبل بأن أبرز سمو خلقه الوطني، فجعله يرفض معونة الروس بعد أن تحالف ضده المماليك والأتراك، وهرب إلى والي عكا، صديقه الشهم ضاهر العمر، كما اتخذ من هذا الموقف وسيلة لتصوير عنصر دراماتيكي يدور في نفس هذا البطل حيث يقول:
مالي قعدت وتركيا مقهورة
والروس حولي يخطبون ودادي
أسطولهم بيدي وقائدهم معي
ناپیژندل شوی مخ
سأصيب جندي عنده وعنادي
لا يا علي، رويد في الغضب اتئد
ما تلك خطة حكمة ورشاد
ماذا جنت مصر علي وأهلها
إن الجناة علي هم أولادي
وينتهي هذا الصراع الخاطف في المسرحية الجديدة بتغلب نزعة الخير والوطنية على شهوات علي بك الكبير، فيقول:
لا أستعين على الأهل الغريب ولا
أرمي الذئاب على غابي وأشبالي
كما يقول:
رباه ماذا يقول المسلمون غدا
ناپیژندل شوی مخ
إن خنت قومي وأعمامي وأخوالي؟!
يقال في مشرق الدنيا ومغربها
فعلت فعلة نذل وابن أنذال
بل إنه ليعرف لمصر فضلها، ويعترف بهذا الفضل فيقول:
بلد رعاني في الصبا وأحلني
بعد الشباب مراتب القواد
كما يقول:
لا تنس موضع مصر واذكر ما لها
من أنعم سلفت وبيض أيادي
ولم يقف شوقي من مسرحيته الجديدة عند هذا التغيير الجوهري، الذي يقرب بطل المأساة من نفوس المشاهدين والقراء، بل عزز جوانب خير أخرى عديدة في نفس هذا البطل، وأضاف إليها الكثير ليصلح من الفتور الذي يستشعره القارئ إزاء البطل في المسرحية الأولى، فجعل منه رجلا نبيل الخلق يصيح قائلا:
ناپیژندل شوی مخ