مشيخه ابو المواهب الحنبلي
مشيخة أبي المواهب الحنبلي
ژانرونه
•Books compiled according to the shaykhs such as dictionaries, mashyakhat, athbat, and indices
سلطنتونه او پېرونه
عثمانيانو
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، عدد خلق الله بدوام ربنا الكريم رب العالمين، وعلينا معهم بهم أجمعين والمسلمين يا أرحم الراحمين.
أما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
هذا وقد التمس بعض المحبين الموفقين من هذا المذنب الحقير الفقير الكسير المسرف على نفسه الراجي رحمة ربه ولطفه به في الدنيا والآخرة وما بينهما وحين يوضع في رمسه، أن أذكر له تراجم مشايخي وما قرأته عليهم وما أخذته عنهم، دراية ورواية بأي نوع من أنواع الإجازة فأجبته لذلك سائلًا من الله التوفيق والرحمة، لأنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة فأقول:
تقي الدين عبد الباقي بن عبد الباقي
الحنبلي البعلي
أول مشايخي، والدي نسبًا، عبد الباقي تقي الدين بن عبد الباقي بن عبد القادر بن عبد الباقي بن إبراهيم بن عمر بن محمد الحنبلي، البعلي الأزهري الدمشقي، المحدث المقرئ الأثري، الشهير بابن بدر، ثم بابن فقيه فصة، وهي بفاء مكسورة ومهملة: قرية ببعلبك من جهة دمشق نحو فرسخ، وكان أحد أجداده يتوجه ويخطب بها فلذلك اشتهر بها، وأجداده كلهم حنابلة.
وقد ولد ببعلبك قال والدي: رأيت على هوامش بعض الكتب للجد الشيخ إبراهيم: ملكه الفقير إبراهيم بن تيمية. ولم أدر غير ذلك، ولم يعهد لنا جدّ إلا وهو حنبلي. وقال في الثبت الذي جمعه وتعب عليه كثيرًا: وجدت بخط والداي رحمة الله على ظهر كتاب الإقناع: (ولد الولد المبارك عبد الباقي ابن كاتبه الفقير عبد الباقي بن عبد القادر ابن فقيه فصة الحنبلي ليلة السبت ١٨ ربيع الثاني من شهور سنة ١٠٠٥ للهجرة جعله الله من العلماء العاملين) . وحفظت
1 / 1
القرآن على والداي، تولى قراءتي بنفسه اعتناءً بي، وعمري إذ ذاك عشر سنين، وتيتمت بعد ذلك وشرعت في الاشتغال بطلب العلم سنة ١٠١٧ للهجرة فأخذت الفقه عن القاضي أحمد الوفائي المفلحي، وأخذت طريق الصوفية عن ولد عمي الشيخ نور الدين خليفة الشيخ محمد العلمي، ولقنني العلم وأجازني الشيخ محمد العلمي في القدس بالبداءة في الأوراد والأذكار والمحيا إذا كنت بين إخواني، ورحلت إلى مصر سنة ١٠٢٩، فأخذت الفقه عن الشيخ منصور البهوتي الحنبلي والشيخ عبد القادر الدنشوري، والشيخ يوسف الفتوحي سبط ابن النجار وأخذت القراءة عن الشيخ عبد الرحمن اليمني، والحديث عن الشيخ إبراهيم اللقاني والشيخ أحمد المقري، والفرائض عن الشيخ الشمرلسي، وعن زين العابدين بن أبي دريّ المالكي، وعن كثير من مشايخ الجامع الأزهر من أجلهم: عبد الجواد الجنبلاطي، والعروض وغيره من العلوم عن الشيخ محمد الحموي، وقرأت شيئًا من المنطق والعربية على الشيخ محمد البابلي وحضرته كثيرًا. وأشياخي غيرهم كثير ثم عدت إلى دمشق سنة ١٠٣٢ للهجرة اثنتين وثلاثين وألف بإجازات الأشياخ بالفنون المزبورة. وغيرها وبالإفتاء والتدريس، فدرست في جامع بني أمية زمن قدومي، وقرأت بعد ذلك في الشام على شيخ الإسلام شيخ عمر بن محمد القاري في النحو والمعاني والحديث والأصول، وأجازني، وحججت حجة الإسلام سنة ١٠٣٦ فأخذت عن جماعة من أهل مكة من أجلهم مولانا الشيخ محمد علي بن علان الصديقي وأجازني، والشيخ عبد الرحمن المرشدي وأخذت عن أهل الحرم المدني عن جماعة من أجلهم الشيخ عبد الرحمن الخياري، فقد أجازني والله الحمد أهل مكة والمدينة ومصر ودمشق وأهل بيت المقدس، وأعلى أسانيدي في جميع مرويات ابن حجر وفي جميع كتب الحديث عن الشيخ حجازي الواعظ عن أحمد بن أركماس من أهل غيط العدة بمصر عن الحافظ العسقلاني. على أن هذا الفقير المترجم نفسه أوثقته الذنوب عن اللحاق بكل مصحوب، غره طول الأمل، فانقطع عن كثير من العمل، يسوف أعماله بالمهلة، يتردد بين الفتور والغفلة، مع ما يسر الله له من صحبة الرجال ومحبة أرباب المعارف والأحوال، ولكن عقله عقل الأطفال في حركاته، وسمته سمت العوام في سكناته، ليله يذهب في المنام، ونهاره يذهب فيما لا يجدي من الكلام، ينسب إلى الزهاد مع تخلفه عن طريقهم، ويحسب في العباد وهو بمعزل عن تحقيقهم، قد قصر عن إدراكهم مسير جواده مما حشاه من الأدواء في فؤاده، وكلما لام نفسه على التسويف أسرعت إليه، وإذا استنهضها إلى الاجتهاد أجمحت عليه، وإن أمت مؤمنًا فيا فوزي، وأرجو ذلك من فضل سيدي ومعبودي، إنه جواد كريم غفور رحيم: من الطويل
فليس له عَونٌ عليها يردّها ... إلى الخير إلاّ اللهُ واللهُ يغفرُ
فيا ربّ أيقظنا وإغفر ذنوبنا ... فقد كثرت لكنّ عفوك أكثرُ
أتيناك فاقبلنا دعوناك فاعطنا ... على الخير فاقبضنا فجودك أغزرُ
انتهى كلام الوالد ﵀ في ثبته وأقول الفقير: وتصدر والداي للإقراء في الجامع الأموي سنة ١٠٤١ بكرة النهار وبين العشائين، فقرأ الجامع الصغير في الحديث مرتين، وتفسير الجلالين مرتين، وقرأ صحيح البخاري بتمامه، ومسلم والشفا، والمواهب، والترغيب والترهيب، والتذكرة للقرطبي، وشرح البرأة، والمنفرجة، والشمائل، والإحياء جميع ذلك بطرفيه، ولازم ذلك ملازمة كلية بمحراب الحنابلة أولًا، ثم بمحراب الشافعية ولم ينفصل عن ذلك شتاء ولا صيفًا ولا ليلة عيد، حتى ليلة وفاة والدتنا زوجته أبقاها ميتة في الدار ليدفنها في غد ذلك اليوم، وحتى ليلة عرس الفقير وأخيه، وكان فيه نفع عظيم، وأخذ عنه خلق كثير أجلهم: الأستاذ الكبير واحد الدنيا في المعارف إبراهيم الكوراني نزيل المدينة المنورة والسيد العالم محمد بن عبد الرسول البرزنجي وغيرهم من العلماء الأجلاء والطلبة والمنتهون منهم المرحوم الشيخ مصطفى شيخ المحيا ابن سوار، ومنهم الشيخ محمد البطنيني، ومنهم الشيخ محمد الداراني، ومنهم الشيخ عبد الحق الصفوري، ومنهم الشيخ رمضان بن موسى العطيفي وأخوه الشيخ حسن. ومن أهل البلدة والمصريين والحلبيين والنجديين والأغراب والمترددين والآفاقيين خلائق كثيرون.
1 / 2
وله من المؤلفات والتحريرات والمسودات أشياء كثيرة بخطه وغير خطه. وعلى هوامش الكتب، من ذلك قطعة مسودة على البخاري.
وكان مدرس العادلية الصغرى، وكان خطيبًا بجامع منجك الذي بمسجد الأقصاب خارج دمشق. وكان شيخ القراء بدمشق.
توفي ليلة الثلاثاء ٢٧ ذي الحجة سنة ١٠٧١ ودفن بتربة الغرباء في مقبرة باب الفراديس.
هذا وكان معظم انتفاعي منه وتخرجي عليه من قراءة الرسائل والمؤلفات والمقدمات في غالب العلوم مثل: الجزرية والآجرومية وشروحهما المشهورة كالقاضي زكريا وغيره والشاطبية، والألفية لابن مالك وجميع ما يوجد من شروحها، وما يوجد من شروح الشاطبية كالجعبري وأبي شامة والهمداني والفاسي والأندلسي وشعلة وابن القاصح وغيرها من الشروح مما يوجد. وأيضا قرأت عليه لطائف الإشارات للقسطلاني في الأربعة عشر، وأجازني بما فيه.
وقرأت عليه إفرادًا وجمعًا، وقرأت عليه عرضا ختمين كاملين أحدهما للسبعة من طريق الشاطبي، وللثلاثة من طريق الدرة. وأجازني بجميع كتب خاتمة المتأخرين الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن محمد الجزري ورسائله كالنشر وطيبته والتقريب وباقي تآليفه، وبالقراءة والإقراء من هذه الطرق أيضا، ومقدمات الفقه كدليل الطالب للشيخ مرعي الحنبلي وزاد المتقنع للشيخ موسى الحجاوي وغيرهما من المقدمات، وكتاب منتهى الإرادات، وكتاب الإقناع ومفردات الحنابلة وغير ذلك من كتب الفقه للمتقدمين والمتأخرين، وحواشي الكتابين المرقومين وشروحهما للشيخ منصور البهوتي الحنبلي وغيره، ومن كتب الحديث رواية قراءة للبعض وسماعا وعرضا وإجازة وحضورا كالبخاري ومسلم، وغالب الكتب المسطرة آنفا، وأجازني بجميع ما انطوى عليه ثبته الذي صنفه في حياته بالتماس من الشيخ إبراهيم الكوراني من كتب الحديث والقراءات والفقه وغيرها، وكذلك ألفية العراقي في المصطلح وشروحها وغير ذلك مما يطول ذكره، والمانع من استيعاب ذلك كثرة الاشتغال وضيق الأوقات.
وعلى كل حال فقد رباني حق التربية، وأدبني حق التأديب، وخرجني أحسن التخريج، وأحسن إلى غاية الإحسان، لم يبق شيئا من أنواع الإكرام إلا وقام به حق القيام. فجزاه الله تعالى ووالدتي خير ما جازى أبوين عن ولدهما. وأجزل الله له ولها الثواب. إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أمين يا جواد يا رؤوف يا رحيم.
وقد أجزت كل واقف على هذه المشيخة بجميع ما انطوى عليه ثبته المذكور من كتب الحديث والتفسير والفقه والقراءات وكتب العربية بأسانيدها إلى مؤلفيها، وبما انطوى عليه من الآثار والأخبار والحكايات والظرف والنكات والله ﷾ أعلم.
الشيخ محمد بن يحيى الخباز
البطنيني
ومنهم الشيخ محمد بن يحيى بن أحمد بن علي بن محمد بن محمد ابن محمد الخباز المعروف بالبطنيني الدمشقي الشافعي المحدث الفقيه الورع الصالح الناسك. كان في غاية الورع والصلابة في إنكار المنكر. كان في بداية أمره خبازا بدمشق مع طلب العلم، يحفظ المنظومات حال تعاطي الخبازة، ثم ارتحل إلى مصر وجاور بجامع الأزهر سنين، وأخذ عن الشيخ سلطان المزاحي ومحمد البابلي، وأحمد القيلوبي ومن عاصرهم من طبقتهم، وعن الشمس الميداني والنجم الغزي ومعاصريهم جميعا، وبعد مجاورته في الديار المصرية عاد إلى الشام ودرس في جامع بني أمية في غالب الفنون. وله من التحريرات والمباحثات والتدقيقات والتفريعات خصوصا في الفقه اليد الطولى في ذلك. وما رأت عيناي مثله في ذلك، وأخذت عنه جماعات كثيرة من أهل الشام وغيرهم من هنود وأكراد ونجديين وآفاقيين رسائل وتآليف. وجلس تحت قبة النسر بعد المرحوم الشيخ محمد المحاسني وانتهت إليه رئاسة الشافعية والتحديث وتوفي سنة ١٠٧٥.
وحضرته في كتاب الشفا للقاضي عياض وصحيح البخاري ومسلم وألفية العراقي في المصطلح وشروح الورقات في الأصول، وشرح جمع الجوامع مع قراءته للآيات البينات. وقرأت عليه كثيرا من كتب العربية كالألفية لابن مالك وشروح القطر والشذور وغيرها، مع حضوري غالب دروسه الحديثية في المصطلح أيضا كشيخ الإسلام والعراقي لمؤلفها على الألفية والسخاوي عليها وكتب المعاريج ليلة المعراج وغيرها. وانتفعت منه كثيرا.
الشيخ منصور بن علي
السطوحي المحلي
1 / 3
ومنهم الشيخ منصور بن علي السطوحي المحلي، نزيل مصر، ثم القدس، ثم دمشق. الشافعي العالم الكامل، صحب في مصر الشيخ مبارك، وأخذ عنه طريق السادة الشاذلية، وسلك مسالك القوم وهجر المألوف من المأكول والنوم، وجاهد وشاهد وجاور بالجامع الأزهر.
من مشايخه نور الدين الزيادي، والشيخ أحمد الغنيمي، والشيخ أبو بكر الشنواني، والقاضي يحيى الشامي الحنبلي، والشيخ إبراهيم اللقاني، والشيخ يوسف الزرقاني، والشيخ سالم الشبشيري، والشيخ سليمان البابلي، والشيخ محمد الجابري، وعبد الله الدنوشري، والشيخ سراج الدين الشنواني، والشيخ عبد المنعم بن الشيخ طه المالكي، والشيخ محمد القصري، والشيخ محمد الكلبي، والشيخ محمد البكري، والشيخ محمد بن الشاشي، والشيخ حجازي الواعظ، وهو أولهم ومن أولهم أيضا الذي اشتهر أنه يقرئ الجن الشيخ ياسين المالكي، والشيخ موسى الدهشيتي، والشيخ إبراهيم العمري، والشيخ محمد الخباز، والشيخ مجد الدين المنزلاوي، والشيخ محمد الخوانكي وغيرهم من مصريين وحجازيين وآفاقيين.
وأقام بالقدس معتكفا على العبادة، وتلاوة كلام الله تعالى، وإلقاء حديث النبي ﷺ، فحسده أهل القدس على حبه الخفاء وشهرته تأباه، وإقبال الكبراء والأعيان عليه، وأظهروا عليه الشرور، وأسندوا إليه أمورا هو منها بريء فهاجر إلى دمشق فاستقبله أهل الشام الاستقبال الكلي، وأقام بالصابونية قرب باب النصر يقصد ويزار، وعكفوا عليه واعتقدوه وأحبوه ورغب الناس في حفظ القرآن في مدته حتى صاروا أكثر من أربع مئة نفر بنفسه المبارك. وكانت الحكام تأتي إلى منزله يلتمسون منه الدعاء، وتحمل إليه الأطعمة والهدايا والإحسانات، لا يدخر منها شيئا، وكان كثيرا ما يحج في غالب السنين، وحج في سنة ١٠٦٥ للهجرة وجاور بالمدينة تلك السنة وهي السنة التي مات فيها وكانت وفاته في ٢١ رمضان سنة ١٠٦٦ ودفن بالبقيع بالقرب من مرقد سيدنا إبراهيم ابن النبي ﷺ. تجاه الباب من قبر الخياري والشيخ غرس الدين الخليلي.
هذا وقد كان جامعا بين الطريقة والشريعة، ما رأت عيناي مثله في كل علم، إذا تكلم في علم من العلوم قلت: لا يعرف غيره، على الخصوص علم التصوف علما وتعليما وتخلقا وتحققا، وعلم العقائد وعلم المعاني والبيان وباقي علوم العربية بأسرها. وعلم الحديث رواية ودراية.
وقد قرأت عليه ألفية ابن مالك في النحو وشروحها كالمرادي وابن المصنف، وشرح التوضيح، وتلخيص المعاني للخطيب القزويني، والسنوسية وشرحها، وجوهرة التوحيد وشرحها المختصر. وحضرت قراءة أخينا الشيخ حمزة عليه رسالة القشيري في التصوف. وحضرت قراءة أخينا الشيخ كريم العطار الجامع الصغير. وقرأت عليه كتاب الحكم لابن عطاء الله الإسكندري وشروحه وغير ذلك، وشرح العقائد للسعد، والقاضي زكريا على إيساغوجي، وغير ذلك مما لا يحضرني من المطولات والمختصرات. وأرشدني لحفظ القرآن فجزاه الله عني خير الجزاء خير ما جازى شيخا عن تلميذه ومعلما عن معلمه. وكثيرا ما كان يدعو لي. جزاه الله خيرا بقوله: الله يا ولد يزيدك توفيقا. وأرجو الآن السعادة بدعائه ودعاء والدي آمين يا أرحم الراحمين.
الشيخ محمد بن بركات
الكوافي
1 / 4
ومنهم الشيخ محمد بن بركات بن مفرج الشهير بالكوافي الحمصي الدمشقي الشافعي، كان من العلماء الصلحاء، قدم إلى دمشق في أيام كهولته، وقطن في مدرسته الطيبة بمحلة القيمرية مدة أربعين سنة، وأخذ عن الأجلاء ومن مشايخه الشيخ محمد البطنيني في الفقه والقرآن، ورحل إلى مصر خمس مرات، وأخذ عن علمائها، وكان صوفي المشرب، قادري الطريقة، من الراقين الرفاعيين. وكان أعيان دمشق يقصدون زيارته ويتبركون به، لا يخرج إلا لصلاة الجمعة، ويؤذن للصلوات الخمس في مدرسته ويصلي بمن حضر من جماعات المسلمين، ملازما للقرآن ليلا ونهارا، مداوما على الصيام والذكر والأوراد والتسبيح والصمت، يقرئ في الأصول والنحو، ولم يكن أحد أمهر منه في تعليم البلداء مثلي، فحضرته في غالب الرسائل في العربية تفهما وإعرابا للألفاظ كألفية ابن مالك والقطر والقواعد وشروحها والنبذة مختصرها والملحة وغيرها وكان لا يخرج من مدرسته المذكورة إلا لأمر مهم. وكتب بخطه الكثير من الكتب هو وتلامذته. واتفق له من العجائب أنه أقرأ النحو وسمع القرآن وكتب الفقه في آن واحد. وكان يكتب الصحيفة من الورق بغطة واحدة وختم القرآن ختمتين وثمن ختمه في يوم واحد ومن توسلاته: من البسيط
ربّاه ربّاه أنتَ الله معتمدي ... في كل حالٍ إذا حالت بي الحال
يا واسع اللطف قد قدمت معذرتي ... إن كان يغني عن التفصيل إجمال
ماذا أقول ومني كل معصية ... ومنك يا سيدي حلم وإمهال
وما أكون وما قدري وما عملي ... في يوم توضع في الميزان أعمال
ولد سنة ١٠٠٥ وتوفي بعد عشاء ليلة الأحد ٢٧ شوال سنة ١٠٧٦ ودفن بمقبرة الشيخ أرسلان.
هذا وقد قرأت عليه غالب المختصرات وكتب العربية، وحصل لي عليه غاية الرياضة في العربية والتجويد، وأدبني آدابا كثيرة، ونصحني ونفعني ووعظني مواعظ كثيرة، ونصحني نصائح عظيمة. وأجازني بسائر مروياته فجزاه الله عني خيرا.
الشيخ إبراهيم بن منصور
الفتال
ومنهم الشيخ إبراهيم بن منصور المعروف بالفتال الدمشقي الحنفي العالم الباهر البحر الحبر المحقق المدقق، أفضل أهل زمانه علما وأدبا وفقها وعربية وله المهارة الباهرة في علم الكلام والمعاني والبيان والمنطق وغيرها من بقية علوم العربية، مع الوقار والأدب والتواضع والاتصاف، صاحب الأجوبة المسددة عن المشكلات المعضلة.
أخذ عن جماعات منهم الملا محمود الكردي وعبد الوهاب الفرفوري، وأحمد بن محمد القلعي، وحضر دروس النجم الغزي، وتصدر للإقراء في ابتداء أمره فكبت عليه الطلبة، وانتفع به من الطلبة ما لا يحصى، وغالب طلبة العلم من أهل الشام وغيرها من الآفاقيين من مصريين وهنود وأكراد وغيرهم، وكان يدرس عند باب الخطابة، ثم تحول إلى دار الحديث الأحمدية بالمشهد الشرقي، وكان أيام الصيف يدرس بالرواق الشرقي مما يلي باب جيرون، ثم لزم داره بالكلاسة غالبا، جامعا بين الدروس العامة والخاصة.
هذا وقد قرأت عليه عدة رسائل في العربية وغيرها، ومقدمات في فقه الحنفية ومقدمات في المنطق، وحضرته في المغني لابن هشام وشروحه في البيضاوي، وحضرت عليه حصة في كتاب المطول للسعد، مع اشتغاله بالدعاء لي كثيرا مع زيادة المحبة والمودة وحسن المجابرة لي ولولدي عبد الجليل. وكانت وفاته نهار السبت ١٧ ذي القعدة سنة ١٠٩٨ وقد ناهز السبعين ودفن بمقبرة باب الفراديس.
الشيخ محمد بن محمد
العيثاوي
محمد بن محمد بن أحمد العيثاوي الدمشقي الشافعي، كان علامة فهامة في جميع العلوم الشرعية وعلوم العربية والأصول والعقائد والمنطق مع التحقيق وتدقيق النظر والإنصاف في جميع مجالسه ودروسه العامة والخاصة.
أخذ عن النجم الغزي وأخيه أبي الطيب وعبد الرحمن العمادي وأحمد البهنسي ورمضان العكاري وعلي القبردي وملا حسن الكردي وعبد الكريم الضميراني.
وانتفع به جماعة من العلماء من أهل الشام وغيرهم من الآفاقيين، وكان زجارا للحكام يعاملهم بيده، ربما مسك الباشا من طوقه ويجذبه، فعل ذلك مع الحكام مرارا مع نفاذ كلمته وإجابتهم طلبته بوجه الحق مع بقاء مهابته وجلالته عندهم.
1 / 5
وله تحريرات على التفاسير وغيرها. وباشر تدريس البخاري في أواخر عمره تحت قبة النسر. توفي ليلة الخميس رابع شهر ربيع الأول سنة ثمانين وألف بداء الاستسقاء ودفن بتربة باب الصغير.
هذا وقد قرأت عليه في مقدمات في العربية والمنطق ومنهاج البيضاوي في الأصول، وحضرت في التفسير وأجازني ﵀ وباقي مشايخنا رحمة واسعة.
نقيب الأشراف محمد بن كمال الدين بن حمزة
ومنهم الشيخ السيد محمد نقيب الأشراف بن كمال الدين بن حسين بن محمد بن حمزة نقيب الأشراف في الشام، وعلامة العلماء الأعلام ابن حسين الحنفي. رئيس فرقته علما وجاها، كان عالما محققا وحبرا مدققا، غواصا على المسائل كثير التبحر مملؤا معارف وفنونا.
ولد بدمشق، وربي في حجر والده، وقرأ القرآن على الشيخ المعمر الصالح أبي بكر السليمي الحنفي، وجوده على الشيخ عبد الباقي الحنبلي، وقرأ عليه لأهل سما إفرادا وجمعا من طريقي الشاطبية والتيسير إلى أواخر سورة البقرة، وأحضره والده على محمد بن منصور بن محب الدين الحنفي الدمشقي، وأجازه بما تجوز له روايته وأخذ عن الشمس الميداني، وحضره تحت قبة النسر وأجازه، وأخذ عن الشهاب أحمد بن محمد العرعاني البقاعي، وأجازه بسائر مروياته وسمع بعض البخاري على النجم الغزي، والشيخ محمد الحريري والشيخ علي القبردي، والشيخ رمضان العكاري، والشيخ يوسف بن أبي الفتح، والشيخ عبد الرحمن العمادي في الفقه والحديث، والملا عبد الكريم في علم الكلام والمعقولات. ولما ورد الحافظ المقرئ الأثري أحمد إلى دمشق سنة ألف وسبع وثلاثين لازمه في الحديث رواية ودراية، وأجازه بسائر مروياته، وحضر في الديار الرومية دروس الشيخ حسين بن عبد النبي الشعال الدمشقي، ولما حج سنة ألف وخمسين حضر ابن علاَّن الشيخ محمد بن علي محدث مكة وأجازه بما تجوز له روايته، واجتمع بمحدث المدينة المنورة الشيخ محمد الخياري وقرأ عليه وأجازه بسائر مروياته وله حاشية على شرح الخلاصة لابن المصنف من باب الاستثناء إلى آخر الكتاب، وله التحريرات الكثيرة على أماكن شتى من التفسير والحديث، وأخذ عنه الإمام الهمام الشيخ رمضان بن موسى.
ولد في غرة رجب سنة أربع وعشرين وألف. وتوفي ختام صفر الخير سنة ألف وخمس وثمانين ودفن بمقبرة باب الفراديس رحمة الله تعالى.
هذا وقد حضرته في حصة من كتب العربية منها شرح الخلاصة لابن المصنف، ومختصر المعاني والبيان وغيرها من المقدمات، وقبل ذلك في حال البداية بالآجرومية وشروحها وقواعد الإعراب ودروس التفسير في البيضاوي في مدرسة التقوية، وفي منزله أيضا.
محمد بن أحمد الخلوتي
ومنهم محمد بن أحمد بن علي الخلوتي، ابن أخت منصور البهوتي الحنبلي، العالم الإمام إمام المعقول والمنقول، المفتي والمدرس بمصر، المحرر المحقق المدقق، أخذ الفقه عن العلامة عبد الرحمن البهوتي الحنبلي تلميذ الشمس الشامي صاحب السيرة تلميذ الجلال السيوطي، ولازم خاله العلامة الورع الزاهد الفهامة الشيخ منصور البهوتي الحنبلي شيخ والدنا شارح المنتهى والإقناع ومحشيها، وأخذ العلوم العقلية عن الشهاب الغنيمي، وعليه تخرج وانتفع، واختص بعده بالنور الشبراملسي، ولازمه في درسه في كثير من العلوم، وكان يجري بينهما في الدرس من المحاورات والنكات الدقيقة لا يفهمها من الحاضرين إلا من كان من أكابر المحققين، وكان الشبراملسي يثني عليه ويجله ويعظمه ويحترمه، ولا يخاطبه إلا بغاية التعظيم، وكان رفيقه في الطلب، ولم يزل ملازما له حتى مات. وله حاشية على الإقناع وحاشية على المنتهى جردتا بعد موته من هامشيهما، وله شعر منه قوله: من الخفيف
سمحت بعد قولها لفؤادي ... ذُب أسى يا فؤادَه وتفتَّتِ
ونجا القلب من حبائل هجر ... نصبتها لسيره ثم حلت
وقوله أيضا: من الوافر
كأن الدهر في خفض الأعالي ... وفي رفع الأسافلة اللئامِ
فقيه عنده الأخبار صحت ... بتفضيل السجود على اللئامِ
وكانت وفاته بمصر بعد نصف ليلة الجمعة تاسع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وألف.
1 / 6
هذا وقد حضرته في دروسه العامة في الأزهر المعمر في كتاب منتهى الإرادات مع حواشيه وشروحه وتحريراته بقراءة الشيخ إسماعيل والشيخ إبراهيم الحنبليين القاطنين الآن في نواحي جنين. وأجازني لفظا وكتابة بسائر مروياته سنة إحدى وسبعين وألف.
محمد بن بدر الدين بن بلبان البعلي الحنبلي
ومنهم محمد بن بدر الدين بن بلبان البعلي الأصل الدمشقي الصالح، الحنبلي المذهب، المعمر، أحد الأئمة الزهاد من كبار أصحاب الشهاب ابن أبي الوفا الوفائي الحنبلي وكان يقرئ في المذاهب الأربعة، وسمع الحديث ببعلبك، وبدمشق على الشهاب العيثاوي الكبير والشمس الميداني وأفتي وانتهت إليه رئاسة العلم بالصالحية بعد وفاة الشيخ علي القبردي، وكان عالما ورعا عابدا، قطع أوقاته في العلم والكتابة والدرس والطلب، حتى مكن الله محبته من القلوب والخاص والعام، وكان يورد كلام أبي الحسن علي بن أحمد الزيدي نسبة لزيد بن علي بن علي وهو قوله: اجعلوا النوافل كالفرائض والمعاصي كالكفر، والشهوات كالسم، ومخالطة الناس كالنار، والغذاء كالدواء. وكانت أوقاته منقسمة إلى صلاة وقراءة قرآن وإقراء. وانتفع به خلق كثيرون. وممن أخذ عنه الإمام محمد بن محمد بن سليمان والشيخ عبد القادر بن عبد الهادي. وولي خطابة الجامع المظفري المعروف بالحنابلة.
ولد سنة ١٠٠٦ للهجرة ألف وست وكانت وفاته سنة ثلاث وثمانين وألف.
هذا وقد حضرته في الدروس الفرادية. وأجازني لفظا وكتابة بما تجوز له روايته رحمه الله تعالى.
الشيخ محمد بن أحمد العمري
ابن عبد الهادي
ومنهم الشيخ محمد بن أحمد بن محمد العمري المعروف بابن عبد الهادي الدمشقي الصوفي، الشيخ البركة المعمر بقية السلف وكان من خير خلق الله، مهاب الشكل، عليه نور الولاية والصلاح، وكان عالما بالعقائد والتصوف وكلام القوم، حسن الفهم، وانتفع به خلق، متواضعا، ولم يكن أحد أصبر منه على الفاقة، وله وقائع وكرامات جدا، وكان يستسقى به الغيث، وللناس فيه الاعتقاد العظيم الواقع في محله.
ولد سنة ست وألف. وتوفي سابع صفر الخير سنة ثمان وتسعين وألف. ودفن بمقبرة الفراديس.
هذا وقد حضرت غالب مجالسه في الحديث والوعظ والتصوف، وأجازني بما تجوز له روايته ﵀ رحمة واسعة آمين.
الشيخ رمضان بن موسى
العطيفي
ومنهم الشيخ رمضان بن موسى بن أحمد المعروف بابن عطيف، الدمشقي الحنفي، كان صاحب فنون، أديبا فقيها نحويا، فائقا بارعا، حسن المعاشرة، لطيف المنادمة، له رواية الشعر وأيام العرب وأخبار الملوك والشعراء، له مشايخ. منهم: الشيخ رمضان العكاري، والعمادي، والشيخ مصطفى المحبي وغيرهم، وتصدر للإقراء في جامع السنانية والدرويشية، وانتفع به خلق كثير، وله تعليقات ورسائل كثيرة، وأخذ عن والدي علوم العربية والحديث.
ولد في شهر رمضان سنة تسع عشرة وألف. وتوفي نهار الخميس عاشر جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وألف. ودفن بمقبرة باب الصغير بمسجد النازنج.
وقد حضرته في دروسه في العربية وفقه السادة الحنفية، وقرأت عليه مقدمات كثيرة في النحو، كالآجرومية وشروحها وحواشيها، والقواعد وشروحها، وغير ذلك من كتب العربية، وتحريرات له على مغني اللبيب، ولازمته وقتين من كل نهار، خصوصا حال ابتدائي وشبابي، وانتفعت منه كثيرا، وتخرجت عليه والله الحمد. ﵀ وأخاه الشيخ حسن رحمة واسعة.
الشيخ رجب بن حسين بن علوان الحموي
ومنهم الشيخ رجب بن حسين بن علوان الحموي الأصل، الدمشقي الميداني، الشافعي الفرضي، الفلكي، أعجوبة الزمان في العلوم الغربية، وكان لديه منها فنون عديدة، خصوصا العلوم الرياضية كالفرائض والحساب والفلك والهيئة والموسيقى. معظم أخذه لهذه العلوم في رحلته إلى القاهرة ثم عاد لدمشق وانتفع به خلق كثيرون من أهل عصره، وكان يتجر وله إيثارات توفي سنة سبع وثمانين وألف.
هذا وقد قرأت عليه كتاب النزهة والمرشدة في علم الغبار، وكتاب الرحبية في الفرائض وشروحها، وحصة كثيرة من شرح الترتيب في الفرائض والحساب، وغير ذلك من كتب الفرائض للبسط وابن الهايم، وانتفعت منه انتفاعا كثيرا. وجزاه الله خيرا ورحمه رحمة واسعة.
الشيخ محمد بن أحمد الأسطواني
1 / 7
ومنهم الشيخ محمد بن أحمد بن محمد بن حسين بن سليمان المعروف بالأسطواني، الدمشقي الحنفي الفقيه، الواعظ والأخباري، كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، ناسكا عابدا، واعظا متقشفا، كثير العبوس في وجوه الناس لما يكرهه منهم، شديد الإنكار عليهم فيما يخالف الشرع.
هذا وقد حضرته في شرح الجوهرة في درسه العام وفي وعظه ونصائحه، كان في الأصل على مذهب أسلافه حنبليا، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي فأخذ عن الشمس الميداني والنجم الغزي وغيرهما، والعربية والمعقولات عن الشيخ عبد الرحمن العمادي والشيخ عبد اللطيف الجالقي والشيخ عمر القاري، والإمام يوسف بن أبي الفتح، والحديث عن أبي العباس المقرئ في مقدمته لدمشق، ودرس بالجامع الأموي، ثم رحل إلى مصر وأخذ عن البرهان اللقاني والنور علي الحلبي والشيخ عبد الرحمن اليمني، والشمس البابلي، وقدم إلى دمشق سنة تسع ثلاثين وألف، ودرس بها وأفاد، ثم وقع بينه بين النجم الغزي في مسألة، فسافر إلى الروم بحرا فأسرته الفرنج، ثم خلص بعد مدة قليلة، ووصل إلى دار الخلافة فأقام بها وحسن حاله وحصل له جهات وعلوفات، وتزوج وصار ذا أولاد وتحنف وصار إماما بجامع السلطان أحمد، ثم قدم حاجا سنة ثلاث وستين وألف، وعاد إلى الروم فصار واعظا بجامع السلطان محمد خان ثم عاد إلى دمشق فوردها سنة سبع وستين وألف، ولزم التدريس تحت قبة النسر بالجامع الأموي بين العشائين وبعد الظهر، ورفع بعض منكرات كانت في الشام فتقيد بإزالتها أو تخفيفها حسب الاستطاعة، ومنها لبس السواد خلف الميت، ورفع الأصوات بالصياح والنياحة، وأمر بحمل العصي تحت الأصواف لضربهن على ذلك.
وكانت ولادته ليلة سبع عشرة المحرم سنة ست عشرة وألف. وتوفي سادس عشري المحرم سنة اثنتين وسبعين وألف بالحمى المحرقة، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
هذا وقد حضرته في دروسه في السليمية في البيضاوي ووصايا الشيخ محيي الدين قدس الله سره في الجامع الأموي، قريبا من المنارة الشرقية في جوهرة التوحيد للقاني، وحضرته في الدروس الفرادية كالقراءات وغيرها. واستجزته فأجازني بسائر مروياته ولله الحمد.
الشيخ محمد بن تاج الدين بن أحمد المحاسني
ومنهم محمد بن تاج الدين بن أحمد المحاسني الدمشقي الحنفي الخطيب بجامع دمشق، كان فاضلا عالما ورعا زاهدا متقنا متضلعا من المعقولات وعلوم العربية كالمعاني والبيان وباقيها كالنحو والصرف وغيرها، وكذلك كان متبحرا في العلوم الشرعية كالتفسير والحديث والفقه مع اللين والتواضع وحلاوة المنطق والملاطفة للطلبة والإحسان إليهم، وأخذه خواطرهم ومعاملتهم بالمجابرة، مباشرا للتدريس في الجامع الأموي عامة وخاصة مع إحسان تجويده للقرآن وترتيله له، وكانت الطلبة أيضا تذهب إلى منزله وتقرأ عليه إفرادا في غالب الأوقات النهارية.
أخذ عن عبد اللطيف الجالقي، والشرف الدمشقي، والعمادي المفتي، والجمال الفتحي إمام السلطان، والنجم الغزي، وعمر القاري، وأبي العباس المقرئ، وولي خطابة الجامع الأموي.
هذا وقد حضرته في دروسه الفرادية في العربية، ودروسه العامة الحديثية كالبخاري ومسلم في الثلاثة أشهر وغيرها. وأجازني بسائر مروياته عن جده لأمه الشيخ حسن البوريني ولله الحمد. وانتفع به جماعة منهم الشيخ علاء الدين ابن محمد بن علي الحصكفي مفتي الشام، وشيخنا إبراهيم بن منصور الفتال وغيرهما. وله تحريرات تدل على علمه وتحقيقه.
الشيخ محمد بن علاء الدين البابلي
أبو عبد الله محمد الشمس البابلي بن علاء الدين القاهري الزهري الشافعي الحافظ الرحلة، أحد الأعلام في الحديث والفقه، أحفظ أهل عصره لمتون الحديث والشروح، وأعرفهم بجرحها ورجالها وصحيحها وسقطها. حكي أنه رأى ليلة القدر ودعا بأشياء منها أن يكون مثل ابن حجر العسقلاني في الحديث، وكان حافظا نبيها ما وقع نظره قبل انكفافه على شيء إلا حفظه بسرعة، والذي وقع من محفوظاته القرآن بالروايات والشاطبية، والبهجة، وألفية العراقي في المصطلح، وألفية ابن مالك، وجمع الجوامع، ومتن التلخيص وغيرها. وكتب بخطه كتبا كثيرة منها فتح الباري لابن حجر.
1 / 8
وكان قدم به أبوه من قريته بابل من أعمال مصر إلى القاهرة وهو صغير دون التمييز وسنه دون أربع سنين، وأتى به إلى خاتمة الفقهاء الشمس الرملي وهو منقطع في بيته، فدعا له بخير ودخل في عموم إجازته لأهل عصره، ولما ترعرع لزم النور الزيادي والشيخ علي الحلبي، والشيخ عبد الرؤوف المناوي. وأخذ العربية والحديث وغيرهما عن البرهان اللقاني، وأبي النجا سالم السنهوري، والنور علي الأجهوري المالكيين. وأخذ علم الأصول والمنطق والمعاني والبيان عن الشهاب الغنيمي والشهاب بن خليل السبكي والشهاب ابن الشلبي، وخاله الشيخ سليمان البابلي والشيخ صالح بن شهاب الدين البلقيني. ومشايخه في العلوم الشيخ حجازي الواعظ، والشيخ أحمد بن عيسى المطلبي، والجمال يوسف الزرقاني، والشيخ عبد الله بن محمد النحريري، والشيخ سالم الشبشيري، والشيخ موسى الدهشيتي والشيخ محمد الجابري، والشيخ عبد الله الدنوشري، والشيخ سيف الدين البعيد المقرئ، والشيخ أحمد السنهوري.
وكان مواظبا على التهجد، وكان مواظبا على التدريس والنفع التام. قيل: إن الشيخ يحيى بن عمر المنقاري شيخ الإسلام يقول: كنت وأنا قاضٍ بمصر وجهت إلى البابلي تدريس المدرسة الصلاحية بعد موت الشمس الشوبري وهي مشروطة لأعلم علماء الشافعية، وقال: وكتبت تقريرها وأرسلتها إليه فجاء إلي وامتنع من قبولها جدا مع الإقدام عليه مرات، وادعى أنه لا يعرف نفسه أنه أعلم علماء الشافعية. قال: فقلت: حينئذ: تنظر لنا المستحق لها من هو حتى نوجهها؟ فقال: اعفني من هذا أيضا وانصرف.
وأخذ عنه جماعات لا يحصون، فممن أخذ عنه من أهل القاهرة الشيخ منصور الطوخي، والشيخ أحمد البشبيشي، والشيخ محمد بن خليفة الشوبري. ومن أهل الشام الشيخ عبد القادر الصفوري، والشيخ محمد البطنيني، والشيخ محمد بن علي المكتبي. ومن أهل مكة الشيخ محمد بن عبد الرؤوف، والشيخ عبد الله بن طاهر العباسي، والشيخ علي الأيوبي، والشيخ علي بن أبي البقا، والشيخ إسكندر المقرئ، والشيخ سعيد بن عبد الله باقشير، والشيخ عبد المحسن القلعي، والشيخ إبراهيم بن محمد الزنجبيلي، والشيخ علي باحاج. ومن أهل المدينة الشيخ إبراهيم الخياري. وحصل له عارض في عينيه أذهب بصره قبل انتقاله بنحو ثلاثين سنة، وكان إذا طالع له أحد حثه على الإسراع بحيث أن السامع لا يفهم ما يقرأه القارئ، وإذا توقف القارئ في محل سابقه بالفتح عليه، حتى كان يحفظ ذلك الكتاب عن ظهر قلب، وكان كثير العبادة يواظب على قراءة القرآن سرا وجهرا. وكان راتبه في كل يوم وليلة نصف القرآن، ويختم يوم الجمعة ختمة كاملة. وكان كثير البكاء عند قراءة القرآن، ولا يفارقه خوف الله في جميع الأحيان.
وكانت ولادته سنة ألف. وتوفي عصر يوم الثلاثاء خامس عشري جمادى الأول سنة ألف وسبع وسبعين.
هذا وقد حضرته في دروسه في مكة سنة خمس وخمسين وألف في العقائد، ودروسه في البخاري في الجامع الأزهر في مجالس عديدة سنة إحدى وسبعين وألف. ودخلت في عموم إجازته. وله الحمد.
الشيخ إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل النابلسي
ومنهم شيخنا إسماعيل النابلسي بن عبد الغني بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم نابلسي الأصل دمشقي المولد، العلامة الفقيه الحنفي، كان إماما فقيها مفسرا محدثا، نبيها متيقظا، حافظا فطنا ذكيا، أديبا مربيا، يحفظ التفسير ويمليه إملاء من حفظه من غير كراسة، محررا مدققا له المعرفة بالتاريخ والأدب، وله كثرة المودة والصحبة الأكيدة مع والدي مع رفعة الكلفة بينهما في كثرة التزاور وتردد كل منهما إلى دار الآخر. له مصنفات منها كتاب الإحكام شرح الدرر. وبعد أن كان شافعيا عدل إلى مذهب أبي حنيفة، قرأ على الشيخ محمود الكردي وعمر القاري والشرف الدمشقي والعمادي المفتي، وأخذ عن النجم الغزي، وألقى الدروس في الجامع الأموي مرارا، وقرأ المواهب اللدنية والتفسير، وأخذ عن الشهاب الشوبري الحنفي والشيخ حسن الشرنبلالي، وأعطي تدريس السليمية بصالحية دمشق وقرأ فيها الدروس التفسير في البيضاوي بحضور جمهور أهل دمشق من علمائها مع المباحثة والمناظرة.
ولد سنة ألف وسبع عشرة، وتوفي ليلة الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي القعدة سنة اثنتين وستين وألف. ودفن بمقبرة باب الصغير بالمدفن المعروف بهم بالقرب من جامع الجراح.
1 / 9
هذا وقد حضرته في جميع دروسه المسطورة ودخلت في عموم إجازته.
نجم الدين محمد بن محمد الغزي
ومنهم شيخنا محمد بن محمد الشيخ الإمام نجم الدين أبو المكارم وأبو السعود بن بدر الدين رضي الدين الغزي العامري الدمشقي الشافعي، شيخ الإسلام. ترجم نفسه كما رأيته بخطه في كتاب بلغة الواجد في ترجمة الوالد وهو البدر فقال: مولدي كما رأيته بخط شيخ الإسلام والدي يوم الأربعاء الحادي والعشرون شعبان المكرم سنة تسع مئة وسبع وسبعين، أوسط النهار وقت الظهيرة قال: ربيت في حجر والدي حتى بلغت ست سنوات وقرأت عليه من كتاب الله قصار المفصل، وحضرت بين يديه يوم الفطر عام وفاته وقلت: يا سيدي أريد أن أقرأ عليك من أول سورة البقرة قال: وتعرف تقرأها؟ قلت: نعم، قال: هات المصحف، فجئت به فقرأت عليه الفاتحة ثم من أول البقرة إلى المفلحون. فقال: يكفيك إلى هنا، فأطبقت المصحف بعد أن لقنني: سبحان ربك رب العزة عما يصفون إلى آخرها، وأنعم علي حينئذ بأربع قطع فضة ترغيبا لي، وأمرني وأنا ابن ست سنوات أن أصوم رمضان ويعطيني كل يوم قطعة فضة، فصمت معظم الشهر، وكان ذلك ترغيبا منه وحسن تربية، وصمت رمضان السنة التي مات إلا يوما أو يومين وأنا ابن سبع سنين، وبقيت أجلس معه للسحور، وكان يدعو لي كثيرا، وأحضرني دروسه أنا وأخي الشيخ كمال الدين في سنة اثنتين وثمانين، وسنة ثلاث وثمانين، وسنة أربع وثمانين، وحدثتني والدتي عنه أنه كان يقول: إن أحياني الله حتى يكبر نجم الدين أقرأته في كتاب التنبيه، وأجازني فيمن حضر درسه إجازة خاصة، وأجازني في حزبه الذي كتبه لمفتي مكة الشيخ قطب الدين إجازة عامة في عموم أهل عصره من المسلمين. ثم ربيت بعد وفاته في حجر والدتي أنا وإخواتي، فأحسنت تربيتنا ووفرت حرمتنا، وعلمتنا الصلوات والآداب، وحرصت على تعليمنا القرآن، وجازت شيوخنا على ذلك وكافأتهم، وقامت في كفالتنا بما هو فوق ما تقوم به الرجال مترملة علينا، راغبة من الله حسن الثواب والنوال، جزيلة الحظ من قوله ﷺ: (أنا أول من يفتح باب الجنة إلا أني أرى امرأة تبادرني فأقول لها: مالك؟ ومن أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي) رواه أبو يعلي من حديث أبي هريرة ﵁. قال الحافظ المنذري: وإسناده حسن إن شاء الله تعالى. وقال ﷺ: (أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة - وأومأ بيده يزيد بن زريع السبابة والوسطى - وامرأة آمت من زوجها ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتامى حتى باتوا أو ماتوا) رواه أبو داود، عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁.
قال الخطابي: السعفاء: هي التي تغير لونها إلى الكمودة والسواد عن طول، الايحة، يريد بذلك أنها حبست نفسها على أولادها ولم تتزوج فتحتاج إلى الزينة والتصنع للزواج.
وساعدها شقيقها الخواجة زين الدين عمر ابن الخواجة بدر الدين حسن ابن سبت، ولم تحملنا منة أحد من خلق الله وتقول: هو تركة والدهم من وقفهم ومن إرثهم منه. واشتغلنا بقراءة القرآن وطلب العلم، فقرأت القرآن على عثمان اليماني وعلى يحيى الغماري والجزرية والآجرومية والشاطبية. وحفظت عليه المعظم من القرآن وكان من أوليا الله كما ترجمه في الكواكب، وكان ممن تطوى له الأرض - فقرأت على الشيخ زين الدين عمر بن سلطان الآجرومية. وشرحها للشيخ خالد. ثم دروس شيخ الإسلام الشهاب العيثاوي، وقرأت عليه شرح الآجرومية للمكودي، وشرح المنهاج إلا شيئا يسيرا، ونصف شرح المنهاج الأول الصغير لوالدي، ومواضع من شرح المحلي، وشرح البهجة للقاضي زكريا، وشرح الإرشاد وعقيدة الشيباني، وأوائل البخاري من كتب الحديث سماعا وقراءة. ولزمت مفتي الفرق محمد محب الدين الحنفي فقرأت عليه منظومة ابن الشحنة والمطول وربع البخاري. وأجازني كتابة ولفظا، وقرأت على الشريف العلامة السيد محمد السعودي حين قدم دمشق سنة ثمان وتسعين وتسع مئة مواضع من تفسير البيضاوي وأجازني بمروياته. وأجازني من المصريين الشمس الرملي وزين العابدين البكري.
1 / 10