ولما قامت الأميرة إلى مدريد ذهب الملك ألفونسو إلى مدينة إيرون في حدود بلاده ومعه رجال دولته لمقابلتها فتمت المقابلة بكل وداد، وسار بهم القطار بعد المقابلة سيرا بطيئا حتى يمكن للأهالي في المدن والقرى الإسبانية التي يمر فيها أن يروا ملكتهم الجديدة، وكان في محطة العاصمة الأمراء والسفراء وكبار القوم، وفي مقدمتهم والدة الملك لما رأت البرنسيس فرحت بها وعانقتها مرارا وأملت أن تراها خير قرينة لولدها وملكة عظيمة لإسبانيا، فركبت والدة الملك مع العروس في عربة تجرها أربعة بغال، وكان الملك راكبا جوادا ولابسا كسوة قائد يسير على اليمين إلى قصر ألباردو الذي أعد مؤقتا للبرنسيس قبل دخولها القصر الملكي، وكانت الشوارع مزدحمة بجماهير الناس جاءوا ليحيوا الملكة الجديدة خصوصا في شرفات المنازل، وكان بعض السيدات يطلقن الحمام على عربة العروس من الشرفات. وفي الغد الذي هو يوم السبت الموافق 26 من الشهر المذكور أتت والدة الملك إلى قصر ألباردو وأخذت معها العروس إلى القصر الملكي، وطافت بها في القاعات والغرف ثم عادت معها إلى قصر ألباردو، وبعد الظهر من ذلك اليوم أتى الملك وركب مع البرنسيس في عربة من جنس الأوتوموبيل فدار معها في ضواحي العاصمة القريبة. وفي يوم الأحد الموافق 27 من الشهر المذكور أقيم قداس في ساحة مكشوفة في القصر بالدور الأعلى أعدت لذلك، وكان قسم من الشعب يصلي في ساحة القصر الخارجية في الوقت نفسه، وفي يوم الإثنين سار موكب مكون من مئات من عربات الأوتوموبيل ركب فيها أعيان العاصمة وزينت بالأزهار والأعلام ومرت أمام القصر لتراها البرنسيس. وفي اليوم المذكور أيضا تشرف رئيس وأعضاء مجلس النواب بمقابلة البرنسيس في قصر ألباردو، فتلا الرئيس خطاب ترحيب مضمونه أن الشعب الإسباني إذا أراد أن يختار ملكة له فهي الملكة، وما دام قلب ملكهم قد اختارها فاختياره هذا جاء مطابقا لرأي الشعب، وأنها سترى من المحبة والإكرام في وطنها الجديد ما ينسيها الأسف على مبارحة الوطن القديم، وفي يوم الثلاثاء قابلها رئيس وأعضاء مجلس الشيوخ ورفعوا لها خطابا آخر مثل الخطاب الأول. وفي يوم الأربعاء حضر وفد من إقليم قطالونية ومعه تاج مرصع بحجار الألماس قدمه هدية لها. وفي اليوم المذكور مساء أتت فرقة من المتطوعين الإسبانيين مكونة من 900 ضابط و1900 عسكري بالملابس التي كانت الضباط والجنود تلبسها في القرن السابع عشر ومعهم الطبول والزمور والنقير فحيوا البرنسيس فسرت كثيرا لمنظر هذا الموكب العديم المثال، وفي هذا اليوم ورد تلغراف إلى البرنسيس من أهالي قرية براجوز يتوسلون إليها أن تطلب من الملك العفو عن رجل حكم عليه بالإعدام وقرر شنقه في الغد، بينا أن البلاد كلها مشتركة في حفلات الاقتران فقرأته البرنسيس ودفعته إلى الملك سائلة عفوه فعفا عنه، وصدر أمره بإرسال تلغراف إلى حاكم تلك القرية بذلك، وكان فرح الأهالي عظيما لما علموا بالعفو.
وفي يوم الخميس الموافق 31 مايو سنة 1906 - وهو اليوم المعين للاقتران - كانت العاصمة مزدانة بالأعلام والرياحين وغاصة بالمتفرجين، حضروا من أطراف إسبانيا وجوانبها حتى كان عددهم يزيد عن مائتي ألف ومظاهر الزينة والأنوار باهرة في الميادين والشوارع والمنازل والبنايات العمومية، وكان المنزل يؤجر بمبلغ جسيم في شارع مايور الذي مر منه الموكب. وفي الساعة الثامنة صباحا ذهبت البرنسيس من قصر ألباردو إلى القصر الملوكي وجرت رسوم العقد، ثم تركته في الساعة العاشرة بموكب حافل كان مؤلفا من عدة عربات، جلست في الأولى منها العروس مع والدتها وجلست والدة الملك مع زوجة ولي عهد إنكلترا في الثانية، وكان في بقية العربات عدد كبير من الأمراء والأميرات، وكان الملك قد سار من القصر الملوكي من جهة أخرى في منتصف الساعة العاشرة بموكب كثير الأبهة في مقدمته فارس من كبار أعوانه وفرقة من الفرسان ثم 22 موكبا من أعيان إسبانيا بعرباتهم، وأعيان إسبانيا مشهورون من قدم في أوروبا بالمجد الأثيل والشرف الباذخ وعلو الجاه بنقش شعارهم على عرباتهم وأبواب منازلهم وأمتعتهم، وتبع موكب الأعيان مندوبو الدول، وهم ولي عهد إنكلترا عن ملك إنكلترا والكران دوك فلاديمير عن إمبراطور روسيا والبرنس هنري فريدريك عن إمبراطور ألمانيا والأرش دوك فردناند عن إمبراطور النمسا ودوك جنوا عن ملك إيطاليا والبرنس ألبرت ليوبولد عن ملك البلجيك والبرنس أدولف عن ملك السويد، وجميعهم بالحلل الرسمية تتلألأ والوسامات الفاخرة على صدورهم، ركبوا في عربات بلاط إسبانيا القديمة المذهبة وهي معروفة بضخامتها وفخامتها، ترجع في قدمها إلى القرن الثامن عشر وتحفظ لمثل هذه الحفلات، قل أن يوجد نظيرها إلا في موسكو، ثم ظهرت عربة فارغة نوافذها مذهبة وتسمى عربة اللياقة أو الدليل، ووراءها عربة الملك سوداء محلاة بالذهب وعليها تاج إسبانيا، وكان الملك لابسا كسوة جنرال، وكان النهار جميلا والألوف المؤلفة من الناس إلى جانبي الطريق وفي شرفات المنازل، فالتقى الموكبان في ساحة كنيسة جيرومنيو الخارجية، ولما دخل الملك إلى الكنيسة صدحت الموسيقى بالنغم الوطني الإسباني، ثم دخلت العروس إلى يمينها والدتها وإلى اليسار أم الملك، فصدحت الموسيقى بالنغم الإنكليزي الوطني، وسارت وأمامها الصليب حتى وقفت أمام الملك استعدادا للإكليل، وإذ ذاك ركع الملك برهة قصيرة ثم نهض ومشى من وراء عروسه لعند والدته فركع أمامها وقبل يدها وعاد إلى محله، ثم إن العروس سارت إلى والدتها فعانقتها وعادت إلى جانب الملك، وإذ ذاك بدأت حفلة الاقتران قام بها رئيس أساقفة طوليدو بمساعدة رئيس أساقفة الكاثوليك في توتنهام بأرلاندة، وكان أهم ما يستلفت النظر في الاحتفال الديني لف الشرائط من الكهنة حول أكتاف العروسين إشارة إلى ارتباطهما بالدين الكاثوليكي.
وكانت الكنيسة ترفل بحلة من زهر البرتقال، وقد ضاءت بالأنوار الساطعة تقع أشعتها على الوسامات والحلل المذهبة ومجوهرات السيدات فتزيد الحفلة رونقا وبهاء، وبعد الصلاة خرج الجمع من الكنيسة في منتصف الساعة الأولى بعد الظهر، وكان الموكب الذي بلغ طوله أكثر من كيلومترين يسير في غابة البهاء والرواء والملك يسلم بيده على الجماهير والملكة تحني رأسها والشعب يهتف لهما وهما في غاية الفرح والابتهاج. وبينا هم سائرون على هذه الحالة إذ بقنبلة رماها فوضوي من منزل بالدور الرابع في شارع مايور وقعت بين الخيل ومركبة الملك والملكة فحطمت المركبة، وقتل في هذه الحادثة المشئومة 16 نفسا، منهم الماركيز دي سوتو مايور رئيس الحجاب وثلاثة ضباط وسبعة جنود من ألاي واد راي وخمسة من المتفرجين وجرح نحو المائة منهم الجنرال ويلر، فنهض الملك حالما انفجرت القنبلة كأنه يريد أن يحمي الملكة، ولكن الله سلم الرجل وزوجته من الأذى، وكان تأثير هذه الحادثة مؤلما وشديدا في جميع النفوس، وكان قسم من الموكب قد وصل القصر الملوكي فأسرع أحد الفرسان وأخبر حاشية الملك والملكة بما حصل، وعند ذلك علا النحيب والبكاء في القصر، وانتقل الملك والملكة من عربتهما ساعة هذا المصاب إلى عربة أخرى فمرا بين جثث المقتولين وهما يسمعان أنين المجروحين وذهبا إلى القصر الملوكي يذرفان الدمع، وقد تلوث ثوب الملكة بدم المقتولين الأبرياء، ولكن الشعب حين علم بنجاة الملك والملكة جعل يهتف هتافا عظيما دليل الفرح بهذه النجاة، وكان الحزن والضوضاء شديدين حين نقلت جثث القتلى والجرحى من محل الحادثة، فإن النساء والأولاد كانوا يتراكضون وراء عربات النقل الذاهبة إلى المستشفى هذه تبكي زوجها وتلك ولدها أو أخاها، والمنظر ساعتئذ هائل يفتت الأكباد، وكان عدد الذين ماتوا في هذه الحادثة 24، منهم الماركيزة دي تولوزا وعمرها لا يتجاوز 32 سنة أصابتها شذرة من القنبلة وهي واقفة في إحدى النوافذ، وكان زوجها راكبا في موكب الملك ينظر إليها ساعة مروره النظرة الأخيرة، وقد قتل عدة أشخاص في نفس المنزل الذي ألقيت منه القنبلة؛ لأنها انفجرت في الهواء فحدث فيه ضغط أودى بالكثيرين، ولما بلغت الأرض زاد تفرقعها وقتلت عددا من الذين كانوا حول عربة الملك، ومن الفحص الطبي رأوا أن الجاني كان قد سم القنبلة تعمدا فدب الفساد في دم كثير من الجرحى وماتوا، وأن شذرات تلك القنبلة الجهنمية أصابت أقواس النصر المنصوبة وبعض الجدران على مسافة 90 مترا، وأنها كانت محشوة بنحو 200 غرام من الديناميت، وفي اليوم المذكور وردت تلغرافات تهنئة من القياصرة والملوك إلى الملك والملكة على نجاتهما، وأقيمت صلوات في الكنائس الكاثوليكية في أكثر جهات الأرض وفي كنيسة قصر ملك إنكلترا وأرسل رداء الملك المذكور الذي تلوث بالدم إلى الكنيسة ليخزن فيها علامة الشكر لله تعالى على النجاة. وفي اليوم المذكور مساء أطل الملك والملكة من شرفة القصر على جماهير العالم الواقفة أمام القصر فهتفت لهما هتافا عظيما، وكان الجاني ينوي إلقاء القنبلة على الملك بداخل الكنيسة، وقد سعى أن ينال ورقة دخول بصفته مكاتب جريدة ألمانية ودفع 300 فرنك لقاء ذلك، ولكنه لم يتمكن من الحصول على الورقة، فلو أنه دخل الكنيسة ورمى فيها تلك القنبلة لهبطت الكنيسة على الملك والملكة وبقية الحاضرين، وكانت مصيبة من أكبر مصائب العالم.
وأما الجاني فإنه فر بعد فعلته الشنعاء وأراد السفر، ولكنه التقى في اليوم التالي بأحد جنود البوليس في ضواحي مدريد وسأله عن الطريق إلى برشلونة فاشتبه الجندي به، ولما حاول أن يقبض عليه أطلق الجاني رصاصا على الجندي فقتله ثم أطلق على نفسه رصاصة أخرى فمات في الحال.
ويقال على الجملة إن ملك إسبانيا الحالي وملكتها من أحسن الحاكمين حالا وخصالا، وقد رزقهما الله حتى صدور هذا الكتاب ولدين وبنتا، وزادت قوة إسبانيا ونمت متاجرها كثيرا وتحسن مركزها السياسي في العهد الأخير. والملك ألفونسو يتكلم عدة لغات أوروبية، وله إلمام بمبادئ الفنون العسكرية والبحرية، وقد لقي أولياء الأمر عناء كبيرا في المحافظة على جلالته ورد مكايد الأعداء عنه من يوم ولادته؛ لأنهم كانوا يتآمرون على خطفه أو قتله في كل حين، فسلمه الله من مكايدهم.
ألفونس الثالث عشر ملك إسبانيا.
مدريد
هي عاصمة إسبانيا من أيام فيليب الثاني، وسكانها الآن ثمانمائة ألف نفس، فيها كثير مما يستحق الذكر، ومن أهم ذلك ميدان الشمس سمي بهذا الاسم؛ لأن الإسبانيين يقفون فيه تحت أشعة الشمس، ويلذ لهم الوقوف، وهو مثابة الخلق الكثير من عامة الإسبانيين. وللقوم ولع بالتدخين؛ فقل أن ترى إسبانيا بدون سيجارة في فمه أو في يده، حتى إن العامل الحقير يؤدي عمله طول النهار وهو يدخن، والتاجر يكلمك وينجز الأعمال وهو يدخن أيضا، والحوذي يسوق العربة والسيجارة في فمه، فهي عادة متسلطة على كل فئات الإسبانيين. واسم مدريد عند العرب مجريط، محرف عن الاسم الأصلي مثل كل الأسماء التي تداولوها مدة امتلاكهم هذه البلاد.
قلنا إن ميدان الشمس هذا موضع مهم في مدينة مدريد؛ فإنه يحيط به وزارة الداخلية وإدارة البرق والبريد وأحسن الفنادق والمخازن، وهو يعد أوسط المدينة وقلبها، تتفرع منه الشوارع الكبيرة أو تنتهي إليه، وأشهر هذه الطرق شارع «الكالا» أو القامة سمي بذلك؛ لأنه كان ينتهي في زمن العرب عند قلعة بني موضعها الآن منازل حديثة الوضع. وفي هذا الشارع حوانيت وحانات متقنة ونادي العسكرية ومرسح أبولو ومجلس الوزراء ووزارة المالية، وهي بناء ضخم ذات أبواب ثلاثة واسعة، ووزارة الحرب داخل حديقة جميلة، وينتهي في ميدان آخر أقيم به قوس نصر تذكارا لدخول الملك كارلوس الثالث مدريد، يتفرع منه ثلاثة شوارع: الأول يوصل إلى مرسح الثيران، وله أهمية عظمى هنا سنعود إلى بيانها، والثاني شمالا لحارة سلمنكه، والثالث يمينا إلى ميدان برادو، وهو أهم مواقع هذه المدينة وأجملها، يكنس ويرش مرتين في اليوم؛ لأن الخلق تحتشد فيه للتمشي وسماع الأنغام، وتقرب منه الحديقة العمومية دخلناها فإذا هي واسعة الأطراف، مليحة الترتيب، يزيد بهجتها بحيرة من الماء في وسطها وضعوا فيها زورقا بخاريا صغيرا يسير عليه الأولاد متنزهين فوق الماء، وأغراس هذه الحديقة جميلة زاهرة، ولكن أشكالها مألوفة كلها وليس فيها شيء غريب من مستعمرات إسبانيا القاصية.
وتحولت من هذه الحديقة إلى معرض مدريد المشهور للصور وتحف الصناعة الدقيقة، وهو بلا خلاف من أحسن معارض الدنيا في شيء واحد هو أن الصور الموجودة في غرفه من عمل المصورين العظام تزيد قيمة وثمنا عما في غيره، صحيح أن اللوفر الباريزي والناشيونال جالري في لندن فيهما صور أكثر من هذا المعرض، ولكن أهل إسبانيا جمعوا أثمن ما صور المصورون الكبار في كل البلاد ووضعوه في هذا المعرض، وكان ملوكهم يجودون من مال الدولة بسخاء كثير على ابتياع الصور الثمينة له، وأهمها من صنع رفائيل وفان ديك وموريلو، وهو أشهر من قام في إسبانيا بالتصوير الزيتي، لا يمكن أن يخلو معرض في أوروبا من بعض رسومه البديعة، وقد جمع مديرو هذا المعرض أثمن ما عندهم من الصور ووضعوها في الدور الأسفل من البناء حتى يمكن نقلها في الحال إذا حدث حريق في المكان، وهذا يخالف نظام المعارض الأخرى حيث توضع الصور العظيمة في الدور الثاني من البناء.
ناپیژندل شوی مخ