المكنون

[دعاء]

بسم الله الرحمن الرحيم

أستعصم الله بعصمته التي لا تهتك، وأسترشده إلى السبيل التي ينجو بها من الردى من هلك، وأستوهبه التوفيق لهدايته، والحظ الوافر من طاعته، وأرغب إليه في إلهام حكمته، واجتناب معصيته.

مخ ۱۸۲

[توحيد الله]

إن الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا كفؤ له موجود، ولا والد ولا مولود، تعالى من أن يتخونه أبد، أو يقع عليه عدد، فطر الأرض والسماء، وابتدع الأشياء، وأنشأ المخلوقين إنشآء، بلا معين يشاركه في التدبير، ولا ظهير يؤازره على ما أبرم من الأمور، ولم يمسسه في ذلك كلال، ولم يتخرمه نصب ولا زوال، ولم تتوهقه عن محكم الصنعة العوائق، ولم يشتبه عليه ما أتقنه علمه السابق، بل نفذ بمشيئته ما أبرم، ومضى في خليقته ما علم، بلا اختلاج اشتبهت عليه فيه الآراء، ولا توهم تفاوتت عليه فيه الأشياء، فتعالى عما يقول فيه الظالمون، وعز وتقدس مما يتفوه به العادلون، جعل الأنام شعوبا وقبائل متعارفين، وفيما تنازعهم إليه الأنفس غير مؤتلفين، مختلفة هممهم، لا يشتبه تصرفهم، وكل يعمل على شاكلته، ويسلك سبيل طبقته.

والعقول حظوظ متقسمة، والأخلاق غرائز مستحكمة، فالحازم مغتبط بما ألهم، جذل بما قسم، والمفرط متأس على ما حرم، يقرع سنه من الندم، فإن قهر نفسه على تعوض ما فرط، أورده صغر الهمم في أعظم الورط، وإن تمادى في التقصير، دحض دحضة الحسير.

وإني لما زايلت قلة الآثام، وخضت في أفانين الكلام، وناسمت كثيرا من علماء الأنام، أطللت على مكنون من العلم جسيم، واستدللت على نبأ من ضمائر القلوب عظيم، لأن صحيح الجهر، يدل على كثير من مكنون السر.

مخ ۱۸۳

[صفات العالم الرباني]

واطلعت على ذلك بخصال أوتيتها، وأخر تجنبتها، فأما اللواتي أوتيت فذكاة الفطنة، وقلة المشآحة في المحنة، والاصغآء لأهل الإفتنان، والقبول من ذوي الأسنان، وكثرة الاقتباس من أولي الحكم والأذهان، والزهادة في الزائل الفان، وصحة الناحية، وتكافئ السريرة والعلانية، وسلامة القلب، وحضور اللب، فافهموا يا بني.

وأما اللواتي اجتنبتها، فمهازلة الحمقاء، ومشاحنة الأدباء، وترك ما تشره إليه النفس من عرض الدنيا، والمكاثرة والحقد، والظغن والحسد، والاسترزاء للحر والعبد، والمماكسة فيما يكسب الحمد.

يا بني فبعض هذه الخصال طبعت عليه بالتركيب، وبعضها استعنت عليه بقبول تأديب الأديب، والتمثل بالأريب اللبيب، مع رغبة حداني عليها طلب الازدياد، مما أرجو به النجاة في المعاد، والزلفة يوم التناد .

مخ ۱۸۴

[فضائل الأعمال]

فلم أر مما أتاه الله العبد شيئا أفضل من التقوى، ولا أنجعفي العقبى من السلو عن الدنيا، وبيع ما يزول بما يبقى، ورأيت خير ما ينشأ مع المرء العقل المولود، والمذهب المحمود، والفهم العتيد، وكمح النفس عن الشهوات، وقصرها عما تدعو إليه من المهلكات.

يا بني فمن ظفر بهذه الخصال ثم عرف فضلها، وسلك بنفسه سبيلها، فاز بالظفر، وأمن من الغير، ولم يكثر على الفائت تأسفه، وقل عند النوازل تأففه، وأبصر ما بين يديه، ولم تنكصه الشبهات على عقبيه، ومنلم يقده الفهم إلى العقل، زل في شبهات الجهل، ومن لم يلطف النظر في غوامض الأفطان، كاد أن يدهمه الجديدان، ومن كثرت حيرته، ملكته شهوته، وأردته غرته، ونظره عدوه بعين الاستقلال، واستزراه في جميع الأحوال.

مخ ۱۸۵

[صفات الحكيم]

يا بني: ولخير خصال المرء أن يكون على خلاله مستشرفا ولأوده مثقفا، بما يكون له من غيره متعرفا، من جميل يومىء به إليه، أو مذموم خليقة يطعن من أجلها عليه.

يا بني: فكل من لم يفصل بالتمييز ما يعنيه من زمنه، ويحذر مضلات فتنه، ويدخر لنفسه من جدته، ما يحمد غبه في عاقبته، ويختر الزيادة على النقصان، والربح على الخسران، فهو كالمآص لثدي أمه، المخدجقبل تمه.

يا بني: الزمان أنصح المستنصحين، وأرشد المسترشدين، وبحسب من صحبه، أن يعرف تغلبه، ويقفو آثاره، ويتصفح أخباره، ويسير لكل حقبة بسيرتها، ويلبس لها أخصف لبستها، حتى تستوري نار زنده، وتستحكم قوى معتقده، وتتحصحص له طبقات دهره، ما مد له المهل في عمره، ثم لا يغتر بساعات الليل والنهار، ولا يسهو سهو من صحب الدهر بغير الاختبار، ولا يلهو عن مصلحته كأهل الاغترار، فإذا داوم على ذلك فقد كملت خصاله، وأحاطت بالجميل أفعاله.

يا بني: ولو أن العاقل ساير الأيام طول حياته بغير الإستحكام، والنقض والإبرام، لم يكن إلا كالصبي في مهده، المدخول في خلده، لأن العاقل الذاهلهو الخائض في بحار الظلم، والمرتطم في الخزاية مع المرتطم، والمعرفة أسطع نورا من المقباس، وأجلى للقلوب من الهندوان للنحاس.

مخ ۱۸۶

[صفات الغافل]

يا بني: ومن أعجب العجائب، ذو شيبةمرتد بالنوآئب، متسربل بالمصائب، يستنكر ريب التصاريف، ويفجر أمامه بالتسويف، وذلك لضعف نحيرته، ونسيانه لما يتصرف من أزمنته، وكثرة سهوه وغفلته، عما قد أفهمته خبرته، وانتظمته تجربته. ولو - غيب عنالعاقل اللبيب، كل أمر عجيب، مما فطر عليه المفطورون، وقصر عن الإحاطة بخبره العالمون - لكان فيما طبع عليه في ذات نفسه، وما يمر به في يومه وأمسه، من الفقر والغناء، والسرآء والضرآء، والشدة والرخاء، والأخذ والإعطاء، والبذل والإكداءوكثرة السكوت، وطول الصموت، والاكثار في المنطق، والهدوءوسرعة القلق، والجد والهزل، وغلبة الجهل على العقل - له أشغل شاغل عن الفكرة في خلائق الانسان، وتضآد ما يختلف فيه من الجهل والعرفان، فالموموقمنها معروف، والمقلي منها مشفوف. فمن جنح إلى الأقل، كبحواستوحل، وذم غب المصدر، وكان من أمره على خطر، وأندمته آخريته، لما قد دلتهعلى علمه أوليته، وليس بحكيم، من مال إلى الأمر المذموم، والخيلاء بالفضل، مجانب لسبيل العقل. ومن جعل غيره لعينه نصبا، وأظهر على من سواه في شيء من أفعاله عتبا، وكان الذي فيه لطالب عثرته أعيب، كان الواجب عليه أن يكون على نفسه أعتب، لأن من استنكر أمرا من غيره، يرضى في نفسه بمثله، فقد دل على جهله، ومن سها عما يعنيه، كان مالا يعنيه أجدر أن لا يواتيه.

فافهموا يا بني: ما عبرته لكم، وأوضحته من شأن زمانكم.

مخ ۱۸۷

[صفات الأحمق]

وإن من المنكرات، فيمن يسمنفسه بميسم الخيرات، أن يضرب بطرفه صاعدا، ويكون على غيره واجدا، ولزناده زاندا، كأنه قد تهذب من الأدناس، وأمن منمعيبة الناس، واستقام على سوق الزيادة للمستزيد، أو ما عرف المعدوم من الموجود، والحاضر من المفقود، والخير من الشر، والنفع من الضر، والحر من القر، حيث سلك في أحشائه، واتصل بحوآسه وأجزآئه، ثم أدبه الأركان إلى الأركان، والروح إلى الجثمان، ثم صرفته تلك العوارض الخاطرة، والنوازل السائرة، فاستفزته إلى السخط مرة، وإلى الرضى أخرى، فأسرف في الخلتين، ومال عن النجدين، فأين مستقر القديم منه، لم يدرأ به عنه، النوازل الممضة، والآفات العارضة، ويستدع لنفسه بدرئه لذلك عاجل السلوة، وينف عنها بوادر الشقوة، ويعاود ما يديم له السرور، ويدفع عنه المحذور، ولو ألهم نفسه أحسن ما يلهم، لزاح عنه خواطر الهمم، ولم يعدم محمود العاقبة وعلو الذكر في الفئام، والصوت الرفيع في محافل الأقوام، ولأقصر عن شقشقته، وشهد بالفضل لمزايل طريقته، ولكنه لم يحم أنفه، وقل عن مزايلة ما تهواه نفسه أنفه، فامتشجت الأدواء في آرابه، واستلبته رصين آدابه، فابتغى السلامة من غير جهتها، والراحة بعد فوتها .

كلا لن يكون فرع من غير أصل، ولا جود إلا ببذل، ولا زكاء مخلوق إلا بفضل، يجشم فيه نفسه المجهود، ويستدعى به لها الثناء المحمود، ويجنبها الموبقات، والشهوات المرديات، وليس من نفس إلا وهي تراود صاحبها على الهوى، وتدعوه إلى موارد الردى، فمن أعطاها زمامه، أركبته ردعه، ومن منعها ما تهوى، فاز بالرغبى. ففي هذا لكم يا بني: بيان ومعتبر، ومن لم يستظهر، بالحزم على مذآقالأخلاق ودنآءتها، ويزجر النفس عن شهواتها، قصر دون رميته، ولم يدرك الثناء الذي سما إليه بأمنيته.

مخ ۱۸۸

[مؤهلات القيادة]

ومن أحب أن تخضع له غلب الرقاب، ويقل في طاعته الارتياب، وينتهى عند أمره ونهيه، ويقتدى برأيه، فليأصر نفسه من ذلك على ما يريده من غيره، فإن انقادت لأمره، وازدجرت عند زجره، فليضمم كفه من غيره، على إنفاذ أمره. لأن تهذيب المرء بطريقته، يدعو إلى طاعته، والمقصر عن طلب منفعته تزل موعظته من القلوب، زلول القطر من الصفوان الصليب، فأوقعوا يا بني الموعظة بقلوبكم.

فيا أيها المبتغي الدرك في العاجل، والفوز في الآجل، اجعل لك من نفسك موعدا، تحظ به اليوم وتفز به غدا، بصدق لا يشاب بالتفنيد، ورجاء الموعود وخوف الوعيد، واسم إلى ماأحببت من ذلك بالعقل العتيد، والرأي السديد، وأنا سفيرك فيه بالدرك لما تريد. وإنما أعجز الطلاب ما إليه يسمون، تعسفهم السبيل التي فيها عن القصد يجورون، فلم يدركوا ما طلبوا، ولم ينالوا ما أحبوا، فعن مواردهم يا بني فازدجروا، وآثار آبائكم فاتبعوا.

إياك أن تستشهد على نفسك غير معرفتك بها، ولا تقبل من غيرك تزكيتها، بما يكذبه فعلك، ويحيط بضد تزكية المزكي علمك. فإذا توسطت علانيتك، وصحت سريرتك، فتيقن بصدق من أطراك بما فيك، ولا يبهجنك الثناء من المضطر إليك، ولا يسفه بحلمك مملق مذق، ولا من يستبيه معروفك بالتملق.

مخ ۱۸۹

[مراقبة النفس]

يا بني: فإن أقل الناس عقلا، وأبينهم جهلا، من صدق من سواه، بما تكذبه عيناه، والعقل آمن أمين، وأفضل قرين، فاستأمنه على أحوالك، وجميع خلالك، واعرف ما عرفك . وإذا حمدت من أحد مذهبا، فكن لمثله متسببا، ولكل ما تستنكره من غيرك مجتنبا، ولتكثر من مستتر عيوبك وحشتك، وليقل بخفياتها أنسك، فإن اكتتامها كالمحرض على أمثالها، وإذا امتلأ الإناء انكفأ، وإذا تنوسخ السر فشا.

فكن يا بني: لجميع خلالك متفقدا وداوم على جميل ما به تعرف، ولا ترض من نفسك بما تستقبح من غيرك إذا انكشف، وأردف جميل غدك، بجميل يومك، ولا تغتر بستر الله عليك، فتتعرض لما يندمك عجبا بما يومى به إليك، وتظن أن سالف الحسنات، يمحو مؤتنف السيآت.

ومن استصغر سيئته، فيوشك أن تحبط حسنته، ولكل نعمة حاسد يدير بها الدوائر، وبحسبك أن يبصركبالجميل أهل البصائر، فيشغب حاسدك، فيما يرجو أن يهدم به ركنك، ويمعن في الطعن عليك في كل ندي مشهود، ليقبض المتفوه فيك بكل أمر محمود، فينقبض انقباض المحسور، ولا يجد السبيل إلى التغيير.

وأحذرك يا بني: البغي، والتهمة والظن، فإنهما ملصقان، بكل إنسان، فلا تجعل لمتهمك إلى تهمتك سبيلا، ولا تكن في غيرك بما تكره أن يقال فيك قؤولا، وانظر ما كنت به مما يوجد به السبيل إلى الطعن عليك فعولا، فكن له قاليا وعنه حؤولا، مع نظرك، لنفسك . وإن أردت أن تظفر من الدنيا بزينتها وزخرفها، وعزها وشرفها، وبالبهاء الذي يستنار به في كل مكان، والثناء الذي تسير به الركبان إلى جميع البلدان، فعليك يا بني: بالطاعة التي لا تدفع بالعصيان، والمحبة المنتشرة بكل لسان، فاجعل المروءة لك شعارا، والصيانة لنفسك دثارا، فإن من صابرهما، وألزم نفسه الصبر عليهما، تغرنق في الغرانيق العلى، وتمكن في قلل الشرف القصا، وإن لم يكن ذا غرض من الدنيا.

مخ ۱۹۰

يا بني: والمروءة غير مبيعة بثمن ربيز، ولا حرز حريز ولا مطلب عزيز، ولو لم يدركها الرآئمون، إلا بجزيل ما يطلبها به الطالبون، لكان ما تعيد وما تبدي، أجزل منه وأوفر في العواقب والبدي، ولو كانت لا توجد إلا في أبعد الأمصار، أو في لجج البجار، بالقناطير المقنطرة من الأمور الكبار، لكان الواجب على ذوي العلم بخطرها، والمعرفة بقدرها، التعلق بأغصانها، والبذل للنفيس من أثمانها . لكنما اشتملت عليها داياتك، وحبيت عليها مستكناتك حتى تبثها عنك إذاعتها، وتشيع لك فضيلتها، بأن تمسك عن الأمر المردي، وتعرض عن القبيح الذي لا يغني، وتملك نفسك فيما ملكت، من كبار الأمور وصغارها. تم ربع كتاب المكنون بمن الله وعونه، وحسن توفيقه.

مخ ۱۹۱