وكانت النتيجة أن شباب الوفد حين قام بجمع توقيعات وبصمات الملايين على تلك العرائض، قد جند - وهو يدري أو حتى دون أن يدري - كل من وقع أو بصم على العريضة للحركة الوطنية، وجعله يحس أنه «ساهم» وأن له دورا، وهكذا حين رد الإنجليز بنفي سعد زغلول ورفاقه، صعد الشعب في كفاحه خطوة، وأعلن الإضراب، وكانت المظاهرات، وحين رد الإنجليز بالقوة الغاشمة وبالعساكر الاستراليين وقد ركبوا بغالهم وانهالوا على الناس ضربا وتقتيلا، بدأت قيادات الوفد تفكر، بل وتكون، جيشا شعبيا مسلحا يقاوم هذا العدوان المسلح.
وحين نما إلى علم الإنجليز هذا الذي بدأ يحدث ، والإنجليز قوم أذكياء لهم باعهم الطويل وتجاربهم في مقاومة الحركات الوطنية، بدءوا يدركون أنهم سائرون في طريق ماحق الخطر سينتهي حتما بمعركة مسلحة عليهم أن يخوضوها ضد شعب كامل مسلح، وكان أن أفرجوا عن سعد زغلول وقبلوا رياسته لوفد المفاوضات. •••
تلك مقدمة قد طالت وأطلتها عن عمد لأهميتها، فمن الواضح أن شعبنا المصري وحكومتنا المصرية يعاني كلاهما أزمة حكم، فلا الشعب يريد أن يعود إلى الحكم الذي جرى حتى في أمجد أيام ثورة عبد الناصر، ولا هو يريد أبدا حتى لو قامت المجازر أن يعود إلى حكم كحكم السادات، وفي العالم العربي حوله يرى غير هذين النموذجين حكومات قامت على التعصب الديني الأعمى أو الحكم العسكري الديكتاتوري وكلها نماذج، جربنا بعضها، ونقرأ الكثير عن المآسي التي تنشب من ورائها، ولقد رحب الشعب بزوال العهد الساداتي، وفتح أبواب آماله مرحبا بمجيء مبارك إلى الحكم، على اعتبار أنه لن يكرر كثيرا من أخطاء عبد الناصر في عنفوان حكمه، لن يفكر أبدا في أن يحكم على النسق الساداتي، وفعلا، جاء مبارك تزفه تلك الآمال ويزفها هو إلى الشعب، ولم تكن مصادفة أبدا أن كان أول عمل سياسي داخلي يقوم به أن يفرج عن آلاف المعتقلين، بل ويقابلهم في القصر الجمهوري مقابلة ترضية خاطر وما يشبه الاعتذار عما فعله سلفه، وانتخبنا، في إجماع حقيقي لأول مرة، حسني مبارك رئيسا، وسرت في الشعب روح أمل جديدة، خاصة وقد بدأ حكم مبارك يمسك بتلابيب لصوص عصر السادات ورموز فساده ويحاكمهم ويسمح للمعارضة باستعادة أحزابها وجرائدها وبكم أوسع من الحرية، وما لبث أن أعقب هذا بالتفاتة ود إلى الدول العربية التي انتهزت فرصة ما فعله السادات وقطعت كل ما بينها وبين - ليست القاهرة الرسمية فقط ولكن - الشعب المصري كله، بنقاباته وتنظيماته وهيئاته.
وبدأ مبارك بمنظمة التحرير، وتلك كانت بداية هامة جدا، وفي بضعة شهور كان عرفات في القاهرة، وكانت قيادة المنظمة توافق على دوام الاتصال مع مصر والتعاون معها، ثم جاء دور الأردن، ودول الخليج، وحدثت محاولات مع ليبيا وسوريا، وبدا كما لو أن الأرض التي فقدتها مصر في عهد السادات عربيا تسترد شبرا شبرا، وبلدا بلدا ... حتى ليكاد الإنسان وهو يراجع سياسة مبارك العربية لا يجد إلا أقل القليل من المشاكل والأخطاء، وكلها موروثة بكليتها من القيود التي قيدها بنا الرئيس السادات، بتلك العلاقات الخاصة جدا مع أمريكا، وبالتعاون الاستراتيجي الإسرائيلي الأمريكي الذي في ظله لن تستطيع مصر وحدها أن تجابه ذلك التحدي، ولكني شخصيا أعتقد أن تلك القيود أمور موقوتة تماما، وأن باستعادة مصر لقدرتها وقوتها الذاتية، واستعادة الالتفاف العربي حول مصر ومع مصر، سوف يتغير الحال حتى بدون قتال.
فالمضحك أن بعض البلاد العربية «الصامدة والرافضة» تتصور أن كامب ديفيد لا تزال هي السبب في المصائب التي حلت والتي لا تزال تحل بالأمة العربية جمعاء، وهو قول يبعث حقا على الرثاء؛ فلم يحدث في تاريخ العالم أن تسببت معاهدة - مهما كانت بنود تلك المعاهدة - في تفرقة أمة بأسرها وتمزيقها نتفا. إن كامب ديفيد كارثة هذا صحيح، كارثة بكل معنى الكلمة، ولكن كامب ديفيد هي الجزء الظاهر الصغير من جبل الثلج المختفي تحت سطح الماء والذي تعانيه أمتنا العربية.
لقد حولت كامب ديفيد انتصار أكتوبر العسكري إلى هزيمة سياسية، حتى لو كانت قد أدت إلى تحرير سيناء، فقد كان ثمن تحرير سيناء هو عزل مصر عربيا وإسلاميا وأفريقيا وآسيويا، وهو ثمن فادح، ولكن كل بلد عربي قد قام بما يشبه كامب ديفيد بل وربما أسوا: فغرق الجيش السوري في الوضع اللبناني إلى درجة الشلل التام الذي ألغى فاعلية سوريا، والوقيعة بين العراق وإيران إلى حد إراقة كم من الدماء لم يرق في كل التاريخ الإسلامي بين دولتين إسلاميتين، وتشويه سمعة العرب بإلصاق تهمة الإرهاب بليبيا وضربها على مرأى ومسمع من العالم، دون أن تستطيع دولة عربية أو غير عربية أن تصنع شيئا إزاء هذا الإرهاب الريجاني الإجرامي، والاشتباك الليبي التشادي، والصومالي الحبشي، والسوداني-السوداني، والشيعي الفلسطيني الماروني الدرزي السني، والمؤامرة على سعر البترول والنزول به من حيث كان 34 دولارا للبرميل إلى سبعة وعشرة دولارات (تلك التي سميتها مذبحة صابر وشاتيلا البترولية)، ضرب المفاعل النووي العراقي، وضرب الكوماندوز المصريين واختطاف الكرامة المصرية الطائرة واتهام مسئوليها - علنا وعلى الملأ - بالكذب، ثم أخيرا هذا العمل الإجرامي الكبير بتزويد إيران بأسلحة عبر إسرائيل، وإعطاء العراق معلومات خاطئة عن أهداف إيرانية كاذبة، والوقيعة بين الفصائل المتقاتلة في لبنان، بحيث إذا هدأت الأحوال بين أمل والمنظمة فجرت سيارة ملغمة في قرية شيعية ليظن أن الفلسطينيين هم الذين فعلوها، أو يحدث العكس ويفجر صاروخ أو لغم في مخيم فلسطيني لتقوم القيامة بين اللبنانيين الشيعيين والفلسطينيين. إن تشويه سمعة العرب ومحاولة دمغ سوريا بأنها دولة إرهابية، وكذلك ليبيا، وفي نفس الوقت التعامل مع ما سماه كارتر وريجان الدولة الإرهابية الأولى في العالم، إيران، ثم بالغش والخديعة والفجور إرسال أرباح الأسلحة المباعة لإيران عبر إسرائيل إلى المناهضين للحكومة الشرعية في نيكاراجوا، أي ضرب العالم الثالث بالعالم الثالث، كلها أعمال ليست فقط غير أخلاقية، وغير إنسانية، ولكنها أعمال مافيا مجرمة محترفة آلت على نفسها أن تسيطر على العالم بالقوة الغاشمة، وأن تنفق مئات المليارات من الدولارات لإشعال حرب ذرية يفنى بها العالم الاشتراكي والعالم الثالث، وإغراق دول الجنوب الفقيرة بمئات المليارات من الدولارات كديون، وفي نفس الوقت خسف الأرض بأسعار منتجاتها التصديرية لتبقى مغروسة في وحل الدين والفقر والمرض والفاقة إلى آذانها.
كل هذا تفعله دولة أفلتت كالوحش الكاسر من قفص السلوك البشري، وانطلقت أسودها ونمورها وثعابينها وكلابها تنهش وتقتل وتحرض وتقهر وتستأصل أي قيمة بشرية أو إنسانية وأي شريعة من شرائع الله، تبشر بكل ما يزخر به قاموس الشيطان من موبقات، لقد أتيح لي أن أشهد بعض أحدث إنتاج هوليوود من الأفلام، وفوق أنها كلها دعاية في غاية الذكاء، والعبقرية لشعب الله «المختار»، المختار ليلعب أسوأ دور لعبه شعب في تاريخ البشر، فإنها تقطع الجذور العميقة التي تربط الإنسان الفرد او الشعب بجنس البشر، وكان هدفها الأسمى أن تحول الكرة الأرضية إلى غابة متوحشة لا يسري فيها أي قانون، حتى لو كان قانون الغابة نفسها حيث البقاء للأقوى، إنما البقاء فيها للأحط وللأخس وللشاذ وللأناني والخيبة والفشل والضياع، وكل من يحاول أن يتحلى بصفة واحدة من صفات الإنس أو حتى الوحش. •••
لا يمكن أن يكون هذا كله قد حدث لأن مصر لا تزال ملتزمة، حكوميا فقط، بكامب ديفيد، فإذا كان لكل شيء سيئ جانبه الحسن؛ فالجانب الحسن في كامب ديفيد أنها أقنعت إسرائيل وأمريكا أن أي معاهدة صلح أو اعتراف توقع مع أي حكومة عربية على حدة، أو مع عدة حكومات عربية، ولا يكون العدل والحق هما أساسا توقيعها، فهي لا تساوي المداد الذي كتبت به، وآلاف السياح الإسرائيليين يأتون إلى مصر، وما يرونه في عيون الناس، وما يقرءونه في تعبيرات وجوههم، يؤكد لهم بالدليل القاطع أن صلح حكومة مع حكومة لا قيمة له بالمرة، أما الشعوب فهي لا تقبل إلا الصلح العادل، وطالما أن إسرائيل باغية ومعتدية وملتهمة لفلسطين كلها، ولاعبة دور الشيطان في المنطقة فإن أحلامها في الصلح هي أضغاث أحلام، وغربتها في المنطقة ستظل تتعانق مع الزمن؛ إذ الزمن باستمرار العدوان هو مع تعميق العدوان وفي النهاية انفجاره.
كل ما في الأمر أن هناك شيئا واحدا لا بد أن نملك الشجاعة لقوله والاعتراف به: إن ما نراه في ساحتنا العربية من تمزق وتشرذم وانعدام إرادة وتفتت كلمة وقرار، إن ما نراه يحدث في منطقتنا منذ عام 1979 إلى الآن إن هو إلا علامات هزيمة غير معلنة، أقولها مرة أخرى: علامات هزيمة غير معلنة.
والهزيمة أبدا ليست كارثة، وكلمة الزعيم الصيني الكبير صن يات صن لا تزال ترن في أذني حين فشلت ثورته ضد الاحتلال الياباني فقال: ليس هذا سوى فشلنا أو هزيمتنا الثالثة عشرة.
ناپیژندل شوی مخ