مدینه فاضله عبر تاریخ
المدينة الفاضلة عبر التاريخ
ژانرونه
إذا كان عالم الغد الذي وصفه وليم موريس، يعتبر القرن التاسع عشر نموذجا للحياة المرفوضة، فإنه لا يكره أن يتعلم من الماضي، وبصفة خاصة من العصر الوسيط، عندما كانت المجتمعات لا تزال صغيرة بالقدر الذي يسمح بعقد أواصر الصداقة بين أعضائها، وكان العمال ينتجون لسوق محدودة تقتصر على المدينة، وكان الحرفيون لا ينفذون مشروعات الشعوب الأخرى، وإنما ينجزون إبداعاتهم الخاصة، وكانت الطوائف الحرفية ومجالس المدينة، وليست السلطة المجهولة لدولة مركزية، هي صاحبة الكلمة في كل شئون الجماعة. ربما لم يكن تصور موريس للحياة في القرن الرابع عشر تصورا دقيقا كل الدقة من وجهة النظر التاريخية. وربما كانت إنجلترا - التي صورها في قصيدته «حلم جون بول» في صورة شديدة الإشراق والصحة والسعادة - بعيدة عن الواقع، ولكن العصور الوسطى برغم أنها كانت فترة ازدهار وحرية بالقياس إلى القرن التاسع عشر، إلا أن المدن الوسيطة اضطرت إلى الدخول في صراعات مستمرة للمحافظة على استقلالها. وليس المهم على كل حال أن الحياة في العصور الوسطى لم تكن بالجمال والبراءة التي أراد موريس أن يصورها بها، ولكن المهم أنه استوعب روح تلك العصور «التي كانت فيها السماء والحياة الأخرى شديدة الواقعية في نظر الناس، لدرجة أنها أصبحت جزءا من الحياة على الأرض التي أحبوها غاية الحب على الرغم من مذاهب الزهد التي كانت تدعوهم إلى إدانتها والتخلي عنها.»
لقد تصور معظم اليوتوبيين، قبل وليم موريس، مجتمعات ألغيت منها الملكية الخاصة، واعترف فيها بحق كل إنسان في الحصول على نصيب متساو من ثروة الجماعة. ولكنها كانت مجتمعات حل فيها ملكية الدولة محل الملكية الخاصة، وحوافز التكريم والأوسمة محل حافز المال، وطاعة القوانين الجديدة محل الخضوع للقوانين القديمة. وإذا كانت الجرائم التي ترتكب ضد الملكية قد اختفت، فإن الجرائم التي ترتكب ضد التنظيمات والمؤسسات الجديدة يعاقب عليها عقابا لا يقل قسوة عما كان عليه فيما سبق. إن كل إنسان في «أخبار من لا مكان» هو سيد نفسه، وهو يرفض أن يتنازل عن سلطته لأناس يشرعون القوانين ويفرضون العقوبات على من لا يحترم هذه القوانين. إنه مساو لرفاقه من البشر مساواة حقيقية، لا لأنه يتسلم نفس القدر من المأكل والملبس فقط، بل كذلك لأنه لا يمارس أي سلطة على جاره ولا يمارس جاره سلطة عليه.
وذهب أيضا معظم الكتاب اليوتوبيين إلى أن سعادة الإنسان تكمن في الحياة في مجتمع محكم التنظيم يزود كل أفراده باحتياجاتهم. ويبدو أنهم لم يدركوا خطورة تعرض الإنسان لأفظع حالات الضيق والضجر لحرمانه من أي تعبير مبدع. وقد حاول وليم موريس أن يبين أن الضمان الأكيد لسعادة البشر يكمن في العمل الذي يمكن أن يصبح وسيلة لتحقيق الدوافع الإبداعية عند الإنسان، وصار الجانب الأكبر من العمل في مجتمعه المثالي نوعا من النشاط الفني، وإن كان هذا لم يتم بشكل سريع: «انبثق فن العمل أو لذته - فهكذا ينبغي أن نسميها - بشكل يكاد أن يكون عفويا، عن نوع من الغريزة لدى الشعب الذي لم يعد يساق يائسا إلى العمل الشاق المخيف، مما جعله يبذل غاية ما في وسعه لإتقان العمل الذي بين يديه والتفوق فيه، ولما استمر الحال على هذا المنوال فترة من الزمن، بدا أن الشوق الجارف إلى الجمال قد استيقظ في عقول الناس، وبدءوا بشكل فج ومرتبك في زخرفة مصنوعاتهم - ثم ما لبث العمل أن انطلق في سبيله وأخذ ينمو ... إلى أن تمكنا في النهاية وبعد خطوات بطيئة من أن نشعر بلذة عملنا، ثم ازداد وعينا بهذه اللذة: فتعهدناها بالصقل والرعاية والحرص على الامتلاء بها ... هنالك وجدنا أننا قد كسبنا كل شيء وأصبحنا سعداء.»
وترتب على هذا بالضرورة أن التغير في المجتمع الجديد لم يقتصر على المؤسسات، وإنما شمل تفكير الإنسان ونظرته بأكملها. «فالطبيعة البشرية» تعتمد اعتمادا كبيرا على طبيعة المجتمع، وهنالك «طبيعة بشرية للفقراء، وأخرى للعبيد، وثالثة لملاك العبيد وللأحرار من أصحاب الثروة»، لهذا نجد وليم موريس يملأ مجتمعه الحر بأناس تخلصوا من عقلية العبيد، ويحاول أن يبين لنا طريقة سلوك هؤلاء الناس بدلا من إعطائنا صورة كاملة عن جميع آليات المجتمع الجديد. وربما يكون الدافع الذي أملى هذا على موريس هو أنه لم يشأ أن يدلي برأيه في الأمور التي لا يعرف عنها إلا القليل، وذلك على خلاف كثير من الكتاب اليوتوبيين الذين تخيلوا أنفسهم حكماء في كل شيء، من تربية الأطفال إلى تخطيط المدن، ومن التدبير المنزلي إلى الإنتاج الصناعي. وإذا كان موريس لا يضيع فرصة للتعبير عن آرائه حول العمارة والرسم، والحفر أو أعمال الخزف، فإنه يلزم الصمت التام في الأمور التي لا يعرفها عن قرب مثل التعقيدات المتصلة بتنظيم الإنتاج والتوزيع، أو الترتيبات التي يفترض اتخاذها لتمكن العلماء من القيام ببحوثهم. ولعل السبب في هذا كله - على الرغم من زعمه بأن عصره المثالي ليس عصر اختراعات - يرجع إلى اكتشاف قوة دافعة جديدة. ولأن موريس لا يكتب إلا عن الأمور التي يعرفها معرفة حميمة ويهتم به اهتماما صادقا فقد خلا كتابه من الغباء والتكلف اللذين يطبعان بطابعهما معظم يوتوبيات ذلك العصر.
ومما يحمد أيضا لموريس أنه لم يزعم أن مجتمعه هو المجتمع الوحيد الكامل، أو أنه هو الوحيد المرغوب فيه. ولم تكن «أخبار من لا مكان» - كما أشار ج. د. ه. كول
G. D. H. Cole - نبوءة ولا وعدا، وإنما كانت تعبيرا عن اختيار أو تفضيل شخصي. لقد قال موريس: «هذا هو نوع المجتمع الذي أود أن أعيش فيه، فهيا حدثني عن مجتمعك.» ومع أن كل اليوتوبيات تعبير بطبيعة الحال عن تفضيلات شخصية، إلا أن مؤلفيها يتوهمون عادة أن أذواقهم الشخصية ينبغي أن تسن في شكل قوانين، فإذا كانوا ممن يستيقظون في الرابعة صباحا، فلا بد أن تصحو (مجتمعاتهم) المتخيلة أيضا في الرابعة صباحا، وإذا كانوا لا يستسيغون أن تتزين النساء ويضعن المساحيق، اعتبر اتخاذ الزينة جريمة . وإذا كانوا أزواجا غيورين، عدت الخيانة الزوجية جريمة يعاقب عليها بالموت. ويعترف موريس صراحة بما يحبه وما يكرهه، ولكنه لا يفرض ذوقه على أحد ولا يفرض عقوبة على أصحاب الأذواق المخالفة له. وقد اقتنع بأن أسلوب حياة المجتمع لا يمكن أن يرتب بشكل مصطنع في ذهن فرد، وإنما يجب أن يشترك كل أفراد المجتمع في إبداعه بشكل تلقائي. لقد استطاع أن يحلم ويعمل في سبيل «مثله الأعلى»، ولكنه لم يشأ أن يحققه بدلا من الآخرين، لأن الشعب نفسه هو الذي يملك تحقيقه. ولهذا يقول في قصيدة «الفردوس الأرضي»:
حالم أنا بأحلام تمخضت عنها أيامي،
ما الداعي أن أجهد نفسي في تقويم المعوج؟
حسبي أن يخفق شعري الهامس
ويرتطم جناحه الخفيف بالبوابة العاجية،
ناپیژندل شوی مخ