معقول او نا معقول په زموږ فکري میراث کې
المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري
ژانرونه
وفي الليلة الثالثة يدور الحديث عن بعض رجال السوء، فبهرام «رجل مجوسي معجب زميم، لا يعرف الوفاء، ولا يرجع إلى حفاظ» وابن كخيا «رجل نصراني أرعن خسيس، ما جاء يوما بخير قط، لا في رأي ولا في عمل ولا في توسط» ...
وتدور الليلة الرابعة كلها تقريبا على الحديث عن ابن عباد، يسأل الوزير أبا حيان عن رأيه في ابن عباد، وما يقال في ذمه أحيانا، فيقول أبو حيان: «إن الرجل كثير المحفوظ، حاضر الجواب، فصيح اللسان ...» ويمضي في تحليل شخصيته تحليلا مسهبا، ويقول عنه: إنه يمدح نفسه بشعر، ثم يعطيه لمن يلقيه كأنما هو شعر قيل فيه من سواه، فهو محب للثناء لدرجة الإسراف، وهو مزيج من عقل وحمق، ويأخذ أبو حيان في مقارنته بابن العميد، ويصف ابن عباد بمرض النفس: «فللنفس أمراض كأمراض البدن.»
ومما ورد في الليلة نفسها كذلك ذكر لأعلام العلماء والأدباء وما يمتاز فيه كل منهم؛ فالخليل في العروض، وأبو عمرو بن العلاء في اللغة، وأبو يوسف في القضاء، والإسكافي في الموازنة، وابن نوبخت في الآراء والديانات، وابن مجاهد في القراءات، وابن جرير في التفسير، وأرسطو طاليس في المنطق، والكندي في الجوهر الفرد (أي الجزء الذي لا يتجزأ) وابن سيرين في العبارة، وأبو العيناء في البديهة، وابن أبي خالد في الخط، والجاحظ في الحيوان ... إلخ.
ومن أصدق ما جاء في حديث هذه الليلة، قول أبي حيان بضرورة التثقيف لمن يتصدى للكتابة الأدبية مع التواضع في تقديره لنفسه، قال: «ليس شيء أنفع للمنشئ من سوء الظن بنفسه، والرجوع إلى غيره وإن كان دونه في الدرجة، وليس في الدنيا محسوب (أي ليس فيها أحد) إلا وهو محتاج إلى تثقيف، والمستعين أحزم من المستبد ...» ومن لطيف ما قاله في التفرقة بين كتاب يكتب وحديث يقال: إن الكاتب لا يشفع له خطؤه أن يكون قد أسرع في الكتابة، فليس يعلم القارئ أأسرعت في كتابة ما كتبت أم أبطأت «وإنما ينظر أصبت فيه أم أخطأت، وأحسنت أم أسأت.»
وفي الليلة الخامسة عود إلى الحديث عن ابن عباد، ثم الحديث عن أبي إسحاق الصابي، أما ابن عباد فقد نجح رغم عيوبه؛ لأن أحدا لا يقول له: أخطأت، فمن كان مجدودا جعل الناس خطأه صوابا، وأما أبو إسحاق الصابي «فإنه أحب الناس للطريقة المستقيمة ... وإنما ينقم عليه قلة نصيبه من النحو.»
وأما الليلة السادسة فحديثها عن خصائص الأمم؛ فالفرس تقتدي ولا تبتكر، والروم لا يحسنون إلا البناء والهندسة، والصين أصحاب صنعة لا فكر لها ولا روية، والترك سباع للهراش، والهند أصحاب وهم وشعبذة، وأما العرب فقد علمتهم العزلة التفكير، وساعدتهم بيئتهم على دقة الملاحظة، وهم ذوو قيم خلقية عليا.
ومن رأي أبي حيان أن الفضائل موزعة على الأمم، وإذا وصفت أمة بفضيلة أو برذيلة فلا يكون ذلك إلا على سبيل التعميم في القول؛ ولذلك إذا أريدت مقارنة بين أمة وأمة، وجب أن يفاضل بين الكامل في كل منهما أو بين الناقص في كل منهما، وإن تعصب الإنسان لقومه ليجعل من العسير عليه أن يقول أي الأمم أفضل من سواه، فلكل أمة عصر تعلو فيه، ثم يجيء عصر آخر فتعلو أمة أخرى، وهكذا، وليس من الإنصاف أن نقارن أمة إبان صعودها بأخرى إبان هبوطها! على أن أبا حيان يعود فيخص العرب بالثناء، ويتناول بحديثه اللغة العربية فيقول: إنه استعرض غيرها من اللغات فلم يجد في أي منها «نصوع العربية، أعني الفرج التي في كلماتها، والفضاء الذي نجده بين حروفها، والمسافة التي بين مخارجها ...» ويتصدى أبو حيان لما قاله الجيهاني في ذم العرب، ليتولى الدفاع عنهم أمجد دفاع وأبلغه.
وفي الليلة السابعة مقارنة بديعة بين علم الحساب والبلاغة - أو قل بين العلوم الرياضية وفنون الأدب - أيهما أنفع؛ فقد كان هناك من فضل الأولى على الثانية لأن الأولى جد والثانية هزل (!) والأولى مستندة إلى مبدأ، موصولة بغاية، وحاضرة الجدوى، أما الثانية فزخرفة وحيلة، الأولى شبيهة بالماء والثانية شبيهة بالسراب، ولئن اكتفت الدول بكاتب واحد، فلا يكفيها مائة محاسب.
ويرد أبو حيان بقوله: إنه لا غنى للحساب نفسه عن الإنشاء، وإن البلاغة مستندة إلى عقل؛ لأن بها تقام الحجة، فهي تبدأ بأفكار عقلية، ثم تمر خلال ألفاظ، وأخيرا تستقر في خط، وأما أن الدولة يكفيها منشئ واحد فليس حجة على شيء؛ لأننا نحتاج إلى خياطين أكثر مما نحتاج إلى أطباء، ولا يدل ذلك على أن صناعة الطب دون صناعة الخياطة، وليس صحيحا أن الكلام الملحون يؤدي المعنى؛ لأن المعنى يتغير دائما بتغير الإعراب.
وفي الليلة الثامنة رويت مناقشة فلسفية دقيقة وعميقة، كانت قد دارت بين أبي سعيد السيرافي وأبي بشر متى بن يونس القنائي، وكان ذلك في حضرة الوزير ابن الفرات، وموضوعها المنطق اليوناني والنحو العربي (وهي مناقشة وردت كذلك في كتاب آخر للتوحيدي، هو «المقابسات» وقد خصصت لهذا الموضوع المقابسة الثانية والعشرون) وخلاصة الرواية أن الوزير ابن الفرات كان قد سأل مجالسيه ذات يوم إن كان بينهم من يستطيع أن يتصدى لمناظرة أبي بشر متى في المنطق، فإنه يقول أن «لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل والصدق من الكذب والخير من الشر والحجة من الشبهة والشك من اليقين، إلا بالمنطق»، فاستجاب أبو سعيد السيرافي لدعوة الوزير، ثم واجه متى فقال: حدثني عن المنطق ما تعني به؟ فقال متى: أعني به أنه آلة من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان؛ فإني أعرف به الرجحان من النقصان.
ناپیژندل شوی مخ