معقول او نا معقول په زموږ فکري میراث کې
المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري
ژانرونه
وهل صدق برجسون حينما زعم العصمة من الخطأ للإدراك الحدسي المباشر؟ لنأخذ المثل الذي ساقه، وهو معرفة الإنسان لنفسه من باطنه، قائلا إنه عندئذ لا يخطئ حقيقتها! فهل صحيح أن الإنسان يعرف عن نفسه اليقين، أم تراه - في أكثر الحالات - مضللا في ذات نفسه لا يعرف عن حقيقتها إلا أقل القليل، إلى أن يتناوله سواه من أصحاب التحليل النفسي، فيكشفون له عن أغوار لم يكن له قبل بكشفها بكل ما في وسعه من حدس إذ هو يستبطن ذاته؟
إن للإدراك الحدسي (وأرجو ألا يغيب عن ذهن القارئ أن الإدراك الحدسي هو نفسه طريقة المتصوفة في إدراك «الحق») أقول إن لهذا الإدراك الحدسي حسنة هي التي قد تنقلب إلى سيئة، وتلك هي أن ما ندركه بمثل هذه الطريقة المباشرة، تبدو وكأنها تفرض نفسها فرضا علينا ولا تدع أمامنا سبيلا لارتياب، فتأخذنا العقيدة الثابتة بأن ما قد أدركناه هو «الحق» لا شبهة فيه؛ فلو كان الإدراك الحدسي مضمون الصدق كما يزعمون له، لكانت عقيدتنا تلك في يقين صدقه حسنة أي حسنة بالقياس إلى مدركات العقل المعرضة للشك والخطأ، أما وقد رأينا أن ما يدركه الحدس معرض هو الآخر للخطأ، فها هنا تكون السيئة؛ لأن صاحب الحدس سيظل موقنا بصواب معرفته الحدسية، منكرا لكل الشواهد التي تنفي عنها ذلك الصواب المظنون، فماذا ترى عندئذ في إنسان ترك زمامه في حياته لضروب من الاعتقاد ثبت بطلانها؟ ولنعد مرة أخرى إلى معرفة الإنسان لنفسه، فهي - كما قلنا - معرفة حدسية مباشرة، ولننظر كم نعاني إذا أردنا أن نزحزح إنسانا عن عقيدة له في نفسه خاطئة، وقد يشاء الحظ المنكود لجماعة من البشر أن يوضع لهم في مكان الزعامة منهم رجل أخطأ معرفة نفسه، فحسبها - مثلا - محبة للحرية تنشدها لها وللناس أجمعين، وتنظر أنت فلا ترى في تلك النفس إلا طغيانا؛ فهيهات للناس عندئذ أن يبدلوه عن نفسه عقيدة بعقيدة، وإلى الجحيم من يتحكم فيهم من مجموعة البشر، مضللا بفكرته عن نفسه؛ إذ لا أهمية عندئذ لكل ما قد امتلأت به نفسه تلك من أطيب النوايا.
وإن هذا الجمع بين الحسنة والسيئة في الإدراك الحدسي من الإنسان لنفسه؛ الحسنة إذا تصادف أن جاء ذلك الإدراك صادقا، فهنا تكون له قوة الإيمان بما تفعله من معجزات؛ والسيئة إذا جاء الإدراك الحدسي كاذبا، فيؤدي بصاحبه وبالناس إلى التهلكة صدورا عن نية طيبة! أقول إن هذا الجمع بين الحسنة والسيئة في الإدراك الحدسي، نراه كذلك في عقيدة الإنسان فيمن يحب، سواء كان ذلك المحبوب إلها أو إنسانا من البشر، أو حتى نظاما من النظم الاجتماعية أو مذهبا من المذاهب الفكرية، فهنا أيضا نقول إنه لو جاء العلم الحدسي صادقا، كانت النعمة الكبرى لصاحبه؛ لأنه في هذه الحالة سيعلم الحق علما له شدة الإيمان الراسخ، ولكن يا لها من نكبة إذا جاءت المعرفة الحدسية على بطلان، فعندئذ ترى العجب؛ إذ ترى صاحبها يخبط في ضلال وهو على إصرار المؤمنين.
أليس من حقنا - والحالة بالنسبة للرؤية الصوفية هي هذه - أن نكتفي من تراثنا الصوفي كله بنظرة كالتي ننظر بها إلى نتاج شعري صب أصحابه فيه «أحوالهم» النفسية عن صدق بينهم وبين أنفسهم؟ وإذا نحن اكتفينا بهذه النظرة الفنية إلى التراث الصوفي، كانت معاييرنا في الحكم عليه هي المعايير التي نحكم بها على قصائد الشعر، لا المعايير التي نقيس إليها أقوال العلماء عن الوجود الواقع، بل أقوالهم عن النفس الإنسانية ذاتها؛ وبذلك نزيح عن صدورنا عبء التبعة التي نحسها كلما رأينا نتاجا عظيما حقا لمتصوف بارز، فتأخذنا الحيرة: أنلقي جانبا بهذا النتاج وهو درة فنية نفيسة؟ أم نهتدي به في سلوكنا فيضيع منا واقع الحياة؟
62
تنتهي النظرة الصوفية بأصحابها - ولنذكر أنها نظرة لا تبنى على منطق العقل - إلى الكشف عن وحدة كونية شاملة بغض النظر عما قد توهمنا به الحواس من تعدد وتكثر في الكائنات والأشياء، وهم - أعني المتصوفة - إذ ينقلون إلينا ما قد أدركوه بطريق الإشراق من أمر تلك الوحدة الواحدة، قد يجدون منا قلوبا متقبلة متعاطفة؛ لما قد نراه في عقيدتهم من تأييد لعقيدة أخرى عندنا جاءت إلينا عن طريق الدين، فسرعان ما نخلط بين «توحيد» يقول لنا الصوفي إنه مارسه في لحظات استغراقه في محبوبه، و«توحيد» آخر جاءت به الرسالة الدينية وحيا على الرسول فآمنا بها إيمانا - هو ككل إيمان - يعتمد على تصديق ما قد سمع، لا على الدعوى بأننا قد رأينا شيئا أو مارسنا شيئا بأي جانب من حقيقتنا البشرية، لا بل إن المتصوفة أنفسهم، بعد أن يقولوا إنهم إنما رأوا ما رأوه كما يرى الإنسان نورا يضيء، يعودون فيحاولون التماس «منطق» يؤيدون به صدق رؤيتهم، كأنما نسوا أن ما زعموه هو أن إدراكهم لما أدركوه قد جاء إشراقا مباغتا على قلوبهم، على حين أن حجاج المنطق ذو طابع آخر هو أبعد ما يكون عن لمعة من الضوء تنقذف في القلب.
ليس علينا من حرج إذا نحن وقفنا موقف الرفض تجاه ما زعمه المتصوفة في طريقة وصولهم للحق، وفيما زعموه من وحدة الكون واتحادهم الذي حققوه مع الله سبحانه، فها هو ذا ابن تيمية يقول عنهم في «حقيقة مذهب الاتحاديين» ما نصه: «وأما هؤلاء الاتحادية فبنوا على أصلهم الفاسد، وهو أن الله هو الوجود المطلق الثابت لكل موجود، وصار ما يقع في قلوبهم من الخواطر - وإن كانت من وساوس الشيطان - يزعمون أنهم أخذوا ذلك عن الله بلا واسطة، وأنهم يكلمون كما كلم موسى بن عمران، وفيهم من يزعم أن حالهم أفضل من حال موسى بن عمران؛ لأن موسى سمع الخطاب من شجرة، وهم - على زعمهم - يسمعون الخطاب من حي ناطق.»
الفصل التاسع
يقظة الحالمين
63
ناپیژندل شوی مخ