كنا نجمع شملنا من جديد. كنت أعيد معي فتاة صغيرة متفتحة متشيطنة وطفلا سليما معافى أثار حماس أبيه منذ أن كان على ظهر المركب وهو يصرخ بكل قوته: «بابا، بابا!» بعد أن لمح أباه على الرصيف (أو عندما أشارت إليه أخته وأشارت له إلى حيث يقف أبوه). وبطبيعة الحال، فإن طه الذي كان قد تخيل أنه سيحملني من المركب إلى العربة لم يفعل ذلك!
كنا قد وصلنا إلى «سالي دو بيرن
Salies de Bearn »
85
مع أمي التي كانت تنتظرنا في مرسيليا. كنت أعود إلى فرنسا تغمرني مشاعر كئيبة. فالهم لا يفارقني، وذراعي كانت تفتقد ذراعا.
الطفلان سعيدان. إنني أتحدث عنهما بإسهاب. وها هي أمينة تكتشف سحر مسرح العرائس، «الجينيول
Guignol »، يفرحها المطر، وتدهش؛ إذ تتساءل: «والخيول يا ماما، هل هي فرنسية؟» وتشاهد الإوز الذي كانت تجهله، فتعلن بعد تفكير أن الوزة هي جدة الدجاجة!
أما صديقتنا التي جاءت لرؤيتنا من «بو
» فإنها تدهش للتشابه بين مؤنس وأبيه. وكان على هذا الصغير أن يحب أباه أساسا قبل أن يعرفه بما أنني لمحته ذات يوم يمرر بهدوء يده الصغيرة على الصورة التي كانت على طاولتي. كانت أمينة تتسلى بجنون، وكان لها عصبة من الرفاق الصغار من حولها. ولما كانت حساسة إزاء المناظر الطبيعية فقد كانت تغني بأعلى صوتها أمام مرج مرصع بالزهور البيضاء، في حين كان أخوها، وهو يسمعها، يهز ذراعيه بعنف طربا. على أنه كانت لهذا الصغير بعض الأوقات الصعبة. وكنت أشعر بالقلق حين أفكر أنا كنا ثلاثة مسافرين، ثلاثة ركاب، وأنني كنت وحدي مسئولة عن وصولهم بسلام.
ولقد أضحكت ابنتي كثيرا دون قصد ذات مساء حين وضعت، على الرغم مني، سهوا، ماء فال المعدني بدلا من الزيت في مصباح البيجون، وقد ظنت أن ذلك سيسلي أباها كثيرا فكتبته له. إنني أنا التي أمسكت بالريشة بالطبع!
ناپیژندل شوی مخ