لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
خپرندوی
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
شمېره چاپونه
الثانية
د چاپ کال
۱۴۰۲ ه.ق
د خپرونکي ځای
دمشق
وَلَا طَرِيقَ إِلَى الْجَزْمِ غَيْرُ الْحِسِّ وَالْبَدِيهِيَّةِ وَالنَّظَرِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْجَزْمِ تُحَقِّقٌ أَصْلًا. وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُنَاظَرَةِ مَعَهُمْ فَائِدَةٌ، لِأَنَّهَا لِإِفَادَةِ الْمَجْهُولِ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مَعْلُومٌ فَتُنْجِزُ الْمُنَاظَرَةُ إِلَى الْتِزَامِ مَذْهَبِهِمْ، وَلِذَا مَنَعَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهَا مَعَهُمْ، وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ: هَلْ مَيَّزْتُمْ بَيْنَ الْأَلَمِ وَاللَّذَّةِ أَوْ بَيْنَ مَذْهَبِكُمْ وَمَا يُنَاقِضُهُ؟ فَإِنْ أَبَوْا إِلَّا الْإِصْرَارَ أُوجِعُوا ضَرْبًا وَعُذِّبُوا بِالنَّارِ لِيَعْتَرِفُوا أَوْ يَهْلَكُوا.
وَسُوفُسْطَا اسْمٌ لِلْحِكْمَةِ الْمُمَوَّهَةِ وَالْعِلْمِ الْمُزَخْرَفِ، لِأَنَّ سُوفَا مَعْنَاهُ الْعِلْمُ وَالْحِكْمَةُ، وَاسْطَا مَعْنَاهُ الْمُزَخْرَفُ وَالْغَلَطُ، وَمِنْهُ اشْتُقَّتِ السَّفْسَطَةُ، كَمَا اشْتُقَّتِ الْفَلْسَفَةُ مِنْ فَيْلَاسُوفَ أَيْ مُحِبِّ الْحِكْمَةِ.
(تَنْبِيهَانِ)
(الْأَوَّلُ) اعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ مِنْهُ مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ وَمِنْهُ مَا هُوَ كَسْبِيٌّ، فَالضَّرُورِيُّ مَا يَلْزَمُ نَفْسَ الْمَخْلُوقِ لُزُومًا لَا يَجِدُ إِلَى الِانْفِكَاكِ عَنْهُ سَبِيلًا كَالتَّصْدِيقِ بِأَنَّ الْكُلَّ أَعْظَمُ مِنَ الْجُزْءِ وَأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ الْبَدِيهِيَّ أَخَصُّ مِنَ الضَّرُورِيِّ، لِأَنَّ الْبَدِيهِيَّ هُوَ مَا يُثْبِتُهُ مُجَرَّدُ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَيُمْكِنُ الِاحْتِيَاجُ فِي الضَّرُورِيَّاتِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ الْعَقْلِ كَوِجْدَانٍ أَوْ تَجْرِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَأَمَّا الْكَسْبِيُّ فَهُوَ مُقَابِلٌ لِلضَّرُورِيِّ وَهُوَ النَّظَرِيُّ وَالِاسْتِدْلَالِيُّ، وَهُوَ مَا يَتَضَمَّنُهُ النَّظَرُ الصَّحِيحُ، وَعَرَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِمَا يَحْصُلُ بِالذَّاتِ عَقِيبَ النَّظَرِ، وَفِي مُخْتَصَرِ التَّحْرِيرِ وَشَرْحِهِ: الدَّالُّ النَّاصِبُ لِلدَّلِيلِ، وَهُوَ لُغَةً الْمُرْشِدُ، وَشَرْعًا مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ، وَيَدْخُلُ فِي الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ مَا يُفِيدُ الْقَطْعَ وَالظَّنَّ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ الْأُصُولِيِّينَ، وَقِيلَ إِنَّ مَا أَفَادَ الْقَطْعَ سُمِّيَ دَلِيلًا وَمَا أَفَادَ الظَّنَّ يُسَمَّى أَمَارَةً.
وَقَالَ: وَيَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ الْمُكْتَسَبُ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي الدَّلِيلِ عَقِبَهُ عَادَةً، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ قَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنْ يَفِيضَ عَلَى نَفْسِ الْمُسْتَدِلِّ بَعْدَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ مَادَّةُ مَطْلُوبِهِ وَصُورَةُ مَطْلُوبِهِ الَّذِي تَوَجَّهَ بِالنَّظَرِ إِلَى تَحْصِيلِهِ، وَقِيلَ: يَحْصُلُ عَقِبَ النَّظَرِ ضَرُورَةً لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ. ثُمَّ إِنَّ الْإِدْرَاكَ لِمَاهِيَّةِ الشَّيْءِ بِلَا حُكْمٍ عَلَيْهَا بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتِ تَصَوُّرٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ سِوَى صُورَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ فِي الذِّهْنِ، وَتُصَوَّرُ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ مَعَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِإِيجَابٍ أَوْ سَلْبٍ تَصْدِيقٌ، فَالتَّصَوُّرُ
2 / 445