لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
خپرندوی
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
شمېره چاپونه
الثانية
د چاپ کال
۱۴۰۲ ه.ق
د خپرونکي ځای
دمشق
[الأفضل من سائر الخلق بعد النبي أهل العزم]
«وَبَعْدَهُ الْأَفْضَلُ أَهْلُ الْعَزْمِ ... فَالرُّسْلُ ثُمَّ الْأَنْبِيَا بِالْجَزْمِ»
«وَبَعْدَهُ» أَيِ النَّبِيِّ ﷺ، «الْأَفْضَلُ» مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ هُمْ «أَهْلُ الْعَزْمِ» أَيْ أَهْلُ الثَّبَاتِ وَالْجِدِّ مِنَ الرُّسُلِ، وَهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ وَمُوسَى الْكَلِيمُ وَعِيسَى الرُّوحُ وَنُوحٌ النَّجِيُّ فَيَكُونُونَ خَمْسَةً بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ، وَقَدَّمَ نَبِيَّنَا ﷺ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَكْرِيمًا لِشَأْنِهِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اجْتَهَدُوا فِي تَأْسِيسِ الشَّرَائِعِ وَتَقْرِيرِهَا، وَصَبَرُوا عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ مِنْ قَوْمِهِمْ وَمُعَادَاةِ الطَّاغِينَ فِيهَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانُوا هُمْ أُولِي الْعَزْمِ لِصَبْرِهِمْ عَلَى الْبَلَاءِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَنُوحٌ صَبَرَ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَضْرِبُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، وَإِبْرَاهِيمُ صَبَرَ عَلَى النَّارِ وَذَبْحِ وَلَدِهِ، وَقَدْ قِيلَ: كُلُّ الرُّسُلِ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ فَمِنْ لِلتَّبْيِينِ لَا لِلتَّبْعِيضِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]: ذَوُو الْحَزْمِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ذَوُو الْجِدِّ وَالصَّبْرِ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كُلُّ الرُّسُلِ كَانُوا أُولِي عَزْمٍ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ ذَا عَزْمٍ وَحَزْمٍ وَرَأْيٍ وَكَمَالِ عَقْلٍ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتْ مِنْ لِلتَّجْنِيسِ لَا لِلتَّبْعِيضِ كَمَا يُقَالُ اشْتَرَيْتُ أَكْسِيَةً مِنَ الْخَزِّ وَأَرْدِيَةً مِنَ الْبَزِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ أُولُو الْعَزْمِ إِلَّا يُونُسَ ﵇ لِعَجَلَةٍ كَانَتْ مِنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]؟ وَقَالَ قَوْمٌ: أُولُو الْعَزْمِ نُجَبَاءُ الرُّسُلِ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَقَتَادَةُ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ إِلَخْ. وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا قَدَّمْنَا آنِفًا.
وَأَخْرَجَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَأَبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيَّانَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ ﵂: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «يَا عَائِشَةُ إِنَّ الدُّنْيَا لَا تَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ، يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَكْرُوهِهَا وَالصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِهَا، فَلَمْ يَرْضَ إِلَّا أَنْ كَلَّفَنِي مَا كَلَّفَهُمْ فَقَالَ:
2 / 299